عواد احمد

استفتاء البرزاني ... القشة التي قسمت ظهر البعير

لم تظهر قضية سياسية مثل هذا الشرخ العميق والاختلاف في المواقف بين " الشيوعيين في العراق وكردستان " كما اظهرت قضية استفتاء البرزاني ..فالبعض ذهب بعيدا جدا في الحماس والاندفاع لتاييد الاستفتاء والانفصال بصرف النظر عمن يقوم به وبصرف النظر عن الظروف والملابسات المحيطة به محليا وعالميا ومنها مثلا حماس الكيان الاسرائيلي القومي الفاشي الشديد في تبنيه ودعمه - وما تطرحه الظروف والملابسات من احتمالات ان الاستفتاء وما يترتب علية سينتج صراعا قوميا حادا خاصة في المناطق " المتنازع عليها " والاخص كركوك وهو ما بدات نذره تلوح في الواقع وليس في الافق . ان هذا الاستفتاء برغم كل المآخذ عليه وبراي بعض رفاقنا سيحرر الجماهير في كردستان من " الالحاق القسري " بالعراق ...ويعطي كردستان المستقلة اعتبارها القومي والمعنوي وحريتها دون التطرق الى مشكلة اين تبدا حدود هذه الدولة واين تنتهي وماهو مصير التنوع العرقي والسكاني ؟؟ ..وبعد انتاج دولة قومية برجوازية سيكون الصراع الطبقي "شفافا" بين البرجوازية القومية الكردية والبروليتاريا بعد ان تحل ( عقدة ) القضية القومية وتنتهي الاحقاد القومية وتتحقق الرغبة المكبوتة للجماهير في كردستان بتحقيق حلم وامل (جمهورية كردستان ) . هكذا تنتهي القضية بعد ان يتم الجواب عليها في اطار الخيال النظري .

 

لا افهم سر ذلك الاندفاع والمقالات التي تصنف الماركسيين في الجانب العربي الذين يبدون ملاحظات وافكار واقعية حول المخاطر المحتملة للاستفتاء والانفصال في هذا الظرف التاريخي العصيب واستغرب تصنيفهم (كيسار قومي عروبي) بمجرد اعتراضهم على الظرف والمرحلة التاريخية والكيفية التي يتم بها الاستفتاء. ان بعض رفاقنا يبدو ملكيا اكثر من الملك في الترويج النظري والسياسي واطلاق الحجج والنعوت في دعم الاستفتاء بشكل مطلق دون حساب النتائج المترتبة علية ودون الاشارة ولو بشكل عابر الى الحاق الاحزاب القومية الكردية والسيد البرزاني للمناطق التي تسمى المتنازع عليها بالقوة العسكرية وقول السيد البرزاني ان (( حدودنا سنرسمها بالدم )) وبدون الاحتكام الى راي السكان و تحكيم الامم المتحدة او اي طرف دولي محايد . لا اتحدث هنا عن الحكومة الاسلامية الطائفية في بغداد التي لا تمتلك رايا واضحا وموقفا سليما فيما يخص المسألة برمتها موقفها قائم على مجرد رفض الاستفتاء ونتائجه والدعوة الى ايقافه كانما اصابها الخرس والشلل .. لقد دخل التحالف الوطني الشيعي في حلف استراتيجي مع الاحزاب القومية الكردية منذ الاحتلال البغيض 2003 بهدف واضح وذريعة غير ديمقراطية ترتكز على منطق الثأر والاقصاء ووقفا سدا مانعا في وجه قيام حكومة ديمقراطية متوازنة واقل طائفية وافشلا اي احتمال لقيام دولة مدنية وعلمانية في العراق .. يقول السيد مسعود البرزاني بان العراق تحول الى ( دولة دينية ) وينسى دور الكرد في خلق وتكريس هذة الدولة الدينية الهزيلة والفاشلة..

 

ان الخلاف الحاصل بين الماركسيين والشيوعيين بصدد الاستفتاء اي بين من يؤيد الاستفتاء ومن يعارضه هو القشة التي قسمت ظهر البعير يتمثل في تصورين مختلفين الى حد التناقض ، موقف يقوم على التاييد التام للاستفتاء وحق الانفصال ( الان وليس غدا ) يستند الى نصوص وتاويلات جاهزة نظرية وايديولوجية لدعم وجهة نظره دون الاخذ بنظر الاعتبار الطبيعة الطبقية للاطراف الداعية له واهدافها الخفية والمعلنة وطبيعة المتغيرات العميقة التي تمر بها المنطقة والعالم .وموقف اخر يحاول تقديم تصور واقعي يتناول المسالة من كافة جوانبها السياسية والنظرية ويطمح ان يقدم تحليلا ملموسا للواقع الملموس . هذا دون انكار حق الشعب الكردي في تقرير المصير وهو حق ثابت ومشروع حق تقررة الجماهير في الظرف المناسب والوقت المناسب وفي اطار سلمي وديمقراطي . هذا باختصار شديد .

 

لا يمكن لاي ماركسي جاد ومبدأي ان ينكر حق تقرير المصير للشعوب لكن دون ان يتساوى في الموقف والنظر السياسي مع القومي الشوفيني المتغطرس .دون ان يحسب للكيفية والظرف التاريخي التي يمكن ان يطبق بها حق تقرير المصير والانفصال .ولابد من التأكيد هنا على ضرورة ان يتم تطبيق الاستفتاء والانفصال وفقا لتفاهمات ومفاوضات طويلة تحل بموجبها جميع المشاكل العالقة بما يرضي الاطراف صاحبة الشأن وبالاخذ بنظر الاعتبار راي السكان بشكل ديمقراطي وشفاف وفي اجواء سلمية حيادية تمنع اراقة الدماء ...

 

ان فرض المطلب من طرف واحد على الارض والاستحواذ على الاراضي والمدن بالقوة العسكرية امر مرفوض بتاتا وهو يعقد المسالة ويضع مئات العراقيل ايجاد حلول معقولة لها بشكل سلمي وديمقراطي ويؤدي الى الشحن القومي والتصعيد العسكري ويعمق الاحقاد والعنصرية القومية كما يؤدي الى بث الرعب بين السكان المسالمين من مختلف الاعراق الذين هم خارج الصراع السياسي كما يحدث الان في كركوك ومناطق اخرى .

 

اما عن شرعية الاستفتاء فهي ليست مرتبطة بشرعية او لا شرعية الطبقة الحاكمة في الاقليم او في بغداد كما يرى المؤيدون في هذا الامر تكون الموازين واحدة فكلا السلطتين تعدان غير شرعية من وجهة نظر تمثيل مصالح الجماهير وحقوقها ، فالمهم كما يريد المؤيدون ان يتم الاستفتاء تحت اي ظرف وبدون حساب حتى نزاهة الاستفتاء وشفافيته لكي تنتهي هذه القضية العقدية التي صدعت رؤوس اليسار واليمين والقوميين والليبراليين وجميع ديمقراطيي البرجوازية الصغيرة .

 

ليس هناك اسوأ من انقسام واختلاف الشيوعيين والماركسيين على اساس القومية والتعصب القومي وفقدان الوحدة النضالية الاممية تحت ضغط الميول القومية او الايديولوجية دون الاخذ بنظر الاعتبار حساسية وربما كارثية النتائج الناجمة عن الانقسام والاختلاف .

 

لقد كان وما يزال التداخل بين سكان العراق العرب والاكراد والكلدو اشوريين والتركمان والايزيديين والصابئة وغيرهم من الاعراق الاخرى امرا في غاية التعقيد من الناحية الجغرافية في بغداد فقط يقدر عدد الاكراد باكثر من مليون ونصف كردي ولهم مصالح مختلفة تجارية وصناعية وحرفية ما هو مصير هؤلاء عدا عن الموجودين في المحافظات الاخرى ..هل تعاد سيناريوهات التطهير العرقي ومصادرة الاملاك والماسي الانسانية ؟ ما مصير الزواجات القائمة بين نساء ورجال عرب واكراد ؟ في حال وقوع الانفصال دون تفاهمات ومفاوضات ؟؟ وفي ظل هذه الاجواء التصعيدية المحمومة والمريبة ..ينبغي النظر الى النتائج الانسانية وليس الطبقية فحسب التي يتمخض عنها استفتاء وانفصال كردستان .

 

وفي اطار التعدد العرقي والتداخل السكاني على الشيوعيين ان يضعو تصورا واقعيا نظريا وعمليا يمهد لحل واقعي وسلمي لهذه القضية الشائكة مختلف عما تطرحه الاحزاب القومية البرجوازية الكردية وقياداتها ياخذ بنظر الاعتبار مشكلات التنوع السكاني بدل الانجرار وراء مشاريع وتصورات قومية متعصبة وبدل التبرير النظري الذي لايأخذ بالحسبان المتغيرات الحاصلة في المنطقة والعالم ، وبدون الانجرار والاندفاع الرغبوي وراء التاييد المطلق للسيد البرزاني ثم القاء اللوم الاكبر في التصعيد العسكري على طرف واحد هو حكومة بغداد ونظام المحاصصة الطائفية التي تريد الابقاء على ((العراق موحدا باسم القومية والدين )) كما يقال !!! يجب ان لا ننسى ان سياسة تلك الطبقة الحاكمة المصلحية الفاسدة والرعناء اسهمت بشكل مباشر وغير مباشر في خلق كل الماسي والصراعات الطائفية والارهاب والتوتر القومي التي تعصف بالمجتمع في العراق اليوم ..

 

ان اجراء الاستفتاء خارج (المناطق المتنازع عليها) امر ممكن وواقعي وفي حدود ماقبل 2003 التي تسمى الخط الازرق بعد اجراء تفاهمات ومفاوضات مع حكومة بغداد لحل المسائل العالقة وبشكل واقعي ونفس طويل وتحديد موعد يحظى بالتوافق من جميع الاطراف . لقد كانت الشراكة السياسية التي دخلت بموجبها الاحزاب القومية الكردية في العملية السياسية وكتابة الدستور وحصلت بموجبها على حصص في البرلمان والرئاسات الثلاث والسلك الدبلوماسي والجيش شراكة اختيارية لم يجبر احد تلك الاحزاب على الخوض فيها وكانت دائما مدعاة للكسب السياسي والمادي على حساب الاطراف الاخرى . ان فشل الشراكة السياسية التي يتحدث عنها السيد مسعود البرزاني في كل مناسبة تتحمل نتائجها كل الاطراف السياسية المشاركة في نظام المحاصصة والمكونات الطائفي القومي بمن فيهم الاحزاب القومية الكردية .

 

ان قضية الاستفتاء والانفصال هي قضية شائكة ومعقدة ولايمكن تحديد موقف منها بمجرد قول "نعم او لا" وبدون الخوض في التفاصيل ، قضية يتعارك في حلبتها رفاق واصدقاء الى حد الاختلاف الشديد كل منهم يسوق حججه ومنطلقاته السياسية والنظرية ..مع تقديري واحترامي لجميع وجهات النظر التي لا ينبغي لاحد فرضها على الاخر . ان منطق التاريخ والاحداث المقبلة هي التي سوف تحكم من كان مخطئا ومن كان مصيبا .

 

20

ايلول 2017

مقالات