سمير عادل

كركوك والعبادي

أحمق من يعتقد لو لم يجر الاستفتاء، لما لجأت حكومة العبادي بالتخطيط للهجوم بشكل او بأخر او يقوم بالتهديد العسكري لمدينة كركوك. فالمعادلة السياسية التي تشكلت بعد احتلال العراق من قطبين، الاحزاب القومية الكردية والتحالف الشيعي تغيرت ووصلت الى نهايتها مع ظهور داعش في العراق. وخلال مرحلة ما قبل داعش حاول القطبين، أحدهما بقيادة البرزاني والثاني بقيادة المالكي بإخراج أحدهما للأخر من المعادلة او قلب المعادلة الى صالح واحد منهما الا ان الطرفين لم ينجحا في ذلك حتى الوصول الى يوم دخول داعش في ١٠ حزيران ٢٠١٤، اذ أقصي المالكي من مركزه ونصب العبادي بدلا عنه باتفاق القوى ايران وامريكا. ومن يتابع سير العمليات العسكرية لطرد داعش من العراق او القضاء عليه، فقد تأجلت معركة الحويجة مدة اكثر من سنتين، كي تكون المحطات الحربية في المحور الشمالي للقوات العسكرية قريبة وجاهزة لاقتحام مدينة كركوك واعادة العقارب الى ما قبل ١٠ حزيران.

 

لقد نوهنا قبل اكثر من سنة وقبل ان يتحدث اي شخص عن الاستفتاء، بأن العراق مقبل على حروب اخرى بعد داعش، حرب الاخوة الاعداء وتصفية الحسابات. حرب تقسيم العراق الى اقاليم او دويلات. اي ان التهديدات العسكرية في استرجاع المناطق المتنازعة عليها ليس لها اي ربط بالاستفتاء او بنتائجها بل لها علاقة بصياغة معادلة سياسية جديدة في العراق. كما وليس له اية علاقة بالدستور، اذ يذرفون الدموع الساخنة في هذه الايام عليه بسبب خرقه الى الحد الذي تحول الى كتاب مقدس. ان كل عرابي العملية السياسية وخاصة المالكي كان مقداما بمطالبته بتغيير الدستور بعد ميل توازن القوى لصالحه في منتصف ولايته الثانية. واشار ايضا، أحد صناع العملية السياسية وواضعي الدستور اياد علاوي على "قناة الشرقية" بأنه اي الدستور "صكط" باللهجة البغدادية اي معيب، بينما نجد التحالف الشيعي يستقتل بالدفاع عنه في هذا الوقت، لتسويق حربه الجديدة من اجل حسم السلطة لصالحه.

 

ان المراقب الخارجي يلمس تنافسا بين مكتب العبادي وبين الحشد الشعبي في اطلاق التصريحات حول مدينة كركوك، الا ان الحق يقال فأن الناطقين باسم الحشد الشعبي تبوئوا المشهد الاعلامي والسياسي، وهو رسالة سياسية واضحة بأن العراق المقبل، هو عراق طائفي، وليس له علاقة بكل تصريحات العبادي بأنه يسعى الى بناء دولة المواطنة. فمن يخرج من رحم حزب الدعوة الاسلامي مقدر له ان يكون طائفيا بامتياز ولكن الكشف عن قناعه هو مسالة وقت. فكما كان المالكي في بداية حكمه، ناعما وحنونا وودودا بتصريحاته ولقاءاته، وبأنه رمز الدفاع عن القانون والمواطن الى درجة سمي قائمته الانتخابية "بدولة القانون"، لكنه اقتنى لنفسه لقب المختار فيما بعد واصبح يتحدث عن قمعه لاحتجاجات المنطقة الغربية، بأنها معركة بين الحسين ويزيد. فها هو اليوم يكشف العبادي عن قناعه، بتفويض الحشد الشعبي بالتحدث عنه وعن عملياته العسكرية. فالحشد الشعبي الذي تشكل من اجل محاربة داعش وتوهم الكثيرين به، فها هو يتقدم ويهدد بإشعال حرب قومية.

 

ان اصرار العبادي على حسم مسالة كركوك عن طريق الحرب وبعكس كل ادعاءاته، يحاول من جانب تحريف الانظار عن فشله بالقضاء على الفساد واقامة الاصلاحات الخادعة بما فيها محاسبة اول الفاسدين وهو نوري المالكي الذي سلم ميزانية العراق فارغا وغض الطرف عن كل الانتهاكات ضد حقوق الانسان، من جانب اخر يحاول تحسين ورقته السياسية والانتخابية مقابل منافسيه الى جانب محاولة فاشلة في حسم مسالة السلطة السياسية لصالح التحالف الشيعي.

 

ان حل مسالة كركوك اليوم بين الاحزاب القومية الكردية وبين حكومة بغداد يجب ان يتم عن طريق انسحاب الحشد الشعبي والقوات العسكرية من حدود كركوك، ووقف الحملة الاعلامية المقرفة بالتصعيد واشاعة اجواء الحرب من قبل الطرفين، والدخول في مفاوضات مباشرة لحل المشاكل العالقة، كما ان الادارة المشتركة لهذه المدينة وفي الوقت الحالي لمنع اشعال فتيل حرب دموية غير مرفوضة من الجانبين، وهذه النقاط كفيلة بنزع فتيل الحرب القومية. ان التحالف الشيعي الذي لم ينته من حرب داعش يحاول ان يلعب نفس دور حزب البعث، بإشعال حرب جديدة. فيما كان صدام حسين الذي قاد حزب البعث والامة العربية بطل ثلاثة حروب، وها هو العبادي الذي يقود التحالف الشيعي البطل الوطني - الطائفي، يعمل بجد وبدفع من التحالف التحالف الشيعي ان يحل محل صدام حسين بإشعال حرب جديدة ثانية.

 

ان من تصدى لعصابات داعش في كركوك يوم ٢١ تشرين الاول من العام المنصرم، عندما هاجمت كركوك لاحتلالها، ليست البشمركة ولا القوات الامنية التي عكستها وسائل الاعلام الكردية والعراقية كذبا وزورا، بل هي الجماهير التي حملت اسلحتها وخرجت الى الشوارع والازقة. وكانت المفاجأة بالنسبة لداعش، هي في مناطق الناطقين باللغة العربية، اذ اعتقد بأنهم سينظمون اليه، الا انهم استقبلوا عصاباته بوابل من الرصاص في مناطق واحد حزيران ودوميز وغيرهما. ان جماهير كركوك لن تقبل ابدا ان تتحول كركوك الى قلعة جديدة تسيطر عليها مليشيات طائفية وتقمع كل اشكال الحريات الفردية والانسانية فيها...

 

مقالات