سمير عادل

تأريخ السادس عشر من اكتوبر

في الوضع السياسي في العراق، تلعب التواريخ الزمنية دورا مفصليا في تحديد تشكيل المعادلات السياسية. فيوم 9 نيسان 2003 وهو يوم سقوط بغداد على يد قوات الاحتلال الامريكية، هو تاريخ انتزاع العراق من حضن الامة العربية ووضعه على سكة اخرى لم يحدد هويته الى يومنا هذا، اضافة الى انه كان تاريخا مفصليا لتشكيل كل التواريخ الدموية او الحاسمة في عمر العراق والمنطقة. وهكذا جاء يوم 21 شباط 2006 الذي فجر فيه المرقدين في مدينة سامراء، وهو تاريخ اشتعال الحرب الاهلية الطائفية، وتدشين لإرساء اسس الحكم الاسلامي السياسي الشيعي، وبداية لتأسيس الظلم الطائفي السني، مما مهد وعبد الطريق ليوم 10 حزيران 2014 وهو يوم سقوط الموصل على يد عصابات داعش واعلان تأسيس دولة الخلافة الاسلامية، وهو تاريخ تنفس الصعداء لما يسمى بـ"عرب السنة" والتيار القومي العروبي المهزوم، ودق جرس انذار لتهميشه من قبل الاسلام السياسي الشيعي، ليفتح الطريق بذلك ليوم 16 تشرين الاول 2017، الذي حطم اسس المعادلة السياسية القديمة حيث استندت على التحالف الشيعي والتحالف الكردستاني التي حرمت العراق من الامة العربية، مدة اكثر ما يقارب من عقد ونصف من الزمن وما يزال، حيث اطيح ذلك التاريخ العمود المتبقي لذلك التحالف وهو البرزاني بعد ان اطاح 10 حزيران بغريمه المالكي. وكل التواريخ المتلاحقة غير منفصلة عن بعضها، حيث يفسح الاول المجال للآخر مثل سباق البريد في لعبة الساحة والميدان. وميزة كل تلك التواريخ، لا تقلب المعادلات السياسية المحلية فحسب بل تجر تداعياتها على قلب المعادلات السياسية في المنطقة برمتها.

 

بضوء اخضر امريكي او اصفر تركي، فأن اجتياح كركوك ورفع العلم العراقي على مبنى محافظة كركوك، بحضور ابو مهدي المهندس نائب رئيس الحشد الشعبي وهادي العامري رئيس منظمة منظمة بدر له دلاته الرمزية الكبيرة ورسالة الى جميع الاطراف المحلية والدولية، بأن من انتصر في كركوك هو الحشد الشعبي والجمهورية الاسلامية في ايران. وبالرغم من تأييد حكومة اردوغان لما حدث في كركوك، الا ان المرارة واضحة في حلق اعضاء حكومته وهي تردد لن تغلق المعابر الحدودية ما لم تسد حكومة العبادي حاجات المواطنين في كردستان العراق. ولم يقف اردوغان عند ذلك الحد، بل اعلن بأن تركيا لا تتعامل ولا تعترف بالحشد الشعبي اذا تبين لها من مشاركته بالدخول الى كركوك وبقية المناطق المتنازع عليها. اي ان تركيا بدأت تعد العدة وتخلق الذرائع للانسحاب من الحلف الاني وغير المقدس التي ابرمته مع حكومة العبادي وطهران لتأديب اقليم كردستان بذهابه الى الاستفتاء.

 

ويشكل السادس عشر من تشرين الاول "اكتوبر" ايضا، تدشين مرحلة افول الحركة البرجوازية القومية الكردية في العراق، وبدء مرحلة من أحلك ايامها كما تنبئنا لها في مناسبات اخرى بعد الاستفتاء مباشرة. انه تاريخ طوي صفحة هذه الحركة لأشعار اخر، مثلما طوت الحركة القومية العربية صفحتها بعد احتلال العراق. لكن تبقى المسالة القومية الكردية هي السيف الذي ينتظر اوامر الجلاد القومي ينزل على رقاب الجماهير من كل حدب وصوب. وبقدر تغول الحركة القومية الكردية على حساب الاسلام السياسي الشيعي بسبب الفوضى السياسية والامنية في العراق وعدم قدرة بغداد على حسم السلطة وهوية الدولة، فبنفس القدر ستتربص لاية فرصة في التحولات الاقليمية والمحلية لتعويض خسارتها في السادس عشر من اكتوبر. فكما الاسلام السياسي سواء في السلطة او المعارضة، فان الحركة القومية الكردية كلاهما عامل عدم استقرار في الوضع السياسي في العراق.

 

ان من يعيش بخبز يومه هو فقط يحلم بأن الايام القادمة في كركوك والعراق ستكون سعيدة. ان الانتصار الذي حققته حكومة العبادي في كركوك هو انتصار وقتي مثلما انتصرت الاحزاب القومية الكردية بالتمدد بعد سقوط الموصل على يد داعش، وان الحل لن يكون عبر الدستور المتهرئ الذي نفسه العبادي خرقه باستخدام الجيش ضد المواطنين العراقيين، حين خرق المادة ٩ من الدستور بعدم جواز التلويح او استخدام الجيش كأداة قمع ضد الشعب العراقي.

 

ان معضلة كركوك اليوم تغطي على معضلة المناطق والمدن التي تحررت من داعش، والتي ستطل براسها خلال المرحلة القادمة. فحل مسالة كركوك يأتي ضمن حل الخروج من الازمة السياسية التي تعصف بالعراق. فمع القاء الحرب على داعش اوزارها، تبرز على الساحة السياسية اسئلة بحاجة للرد عليها، ما هو شكل الدولة وهويتها السياسية في بغداد؟ ما هو شكل الحكومات المحلية وهويتها السياسية في المدن المحررة من داعش، ما هو شكل الحكومات وهوياتها السياسية في المناطق المتنازعة عليها؟ والجواب بالنسبة لنا، فأن حكم ثلاثة ولايات لحزب الدعوة الاسلامي والتحالف الشيعي، فلم ينتج غير الدمار بكل اشكاله الذي نعيشه اليوم.

 

ان عبور العراق الى بر الامان لا يأتي عبر تبجيل العبادي للدستور، والتغني بوحدة العراق، فهناك ظلم طائفي، وظلم ضد غير المنتمين الى الديانة المسلمة مثل الايزيدين والمسيحيين والصابئة وظلم قومي على التركمان، والمسالة القومية الكردية، والصراع في المناطق المتنازع عليها. وحكومة العبادي تحاول عن طريق دستورها الطائفي - القومي والقوة العسكرية بفرض هوية طائفية شيعية وقومية على العراق للرد على تلك المعضلات. وقد كان دخول كركوك خطوة كبيرة لتحقيق مشروعه الذي لم يفلح فيه سلفه المالكي.

 

ان اول الخطوات، ان تكف الجماهير ان تكون اسيرة لأوهامها القومية والوطنية التي تنثرها حكومة العبادي، والثانية عدم الانجرار وراء كل ادعاءات الحكومة بأنها تحاول فرض سلطة القانون، فقبله كان المالكي وجرب نفس السياسات الفاشلة وسمي قائمته الانتخابية بدولة القانون والتي انتج عنها وحوش داعش في العراق. ان الحل بتأكيدنا من جديد، تأسيس دولة غير قومية وعلمانية في بغداد، وحكومات محلية غير قومية وعلمانية، وان تكون كركوك مدينة لساكنيها، لا عراقية ولا كردستانية، كركوك هويتها انسانية. انه الطريق الى بر الامان.

 

مقالات