سمير عادل

هوية العبادي بين الهلامية والطائفية والقومية الاسلامية

نكتة سمجة أطلقها العبادي عندما علق ولأول مرة على الانتخابات ومفوضيتها التي صوت عليها البرلمان قبل ايام قليلة، بأنه طالبها بالحفاظ على استقلاليتها. وجاءت هذه النكتة في غير محلها اذ تعبر عن خواء جعبة الاصلاحات التي اعمى العبادي عيوننا بها وهي اعلان الحرب على الفساد. فكل لف ودوران الكتل السياسية ومناوراتها طوال هذه الاشهر دخل اروقة البرلمان وخلف كواليسها حول المفوضية غير المستقلة للانتخابات، هي من اجل الحفاظ على المحاصصة الطائفية والقومية في المفوضية ودعم سياسة الفساد التي تتمتع بها هذه المؤسسة غير العريقة في العراق. وقد كشف تمرير مسودة قانون المفوضية بأن التيار الصدري الذي اقام الدنيا ولم يقعدها حول المفوضية وتفريغ المطالبات العادلة للاحتجاجات الجماهيرية ضد الفساد وسياسة التقشف والطائفية والبطالة ونقص الخدمات وتقويضها وحصرها بتغيير المفوضية، لا يختلف عن بقية الكتل الطائفية بالبحث عن مصالحها الفئوية والحزبية الضيقة. فكل عنتكات مقتدى الصدر وقادة تياره حول الفساد واقالة المفوضية، لم تكن اكثر من زوبعة في فنجان، لتضليل الجماهير وخداعهم للمرة بعد الالف.

 

الا ان ما يعنينا ليست المفوضية ولا القضاة الذين سيراقبون سير العملية الانتخابية كما نص عليه القانون الجديد. فبحراب المليشيات التي تصول وتجول في العراق، لن يكونوا اولئك القضاة اكثر من فزاعة تضلل السذج والاقلام المأجورة لتسويق كذبة الانتخابات داخل المجتمع. ان ما يعنينا هو شخص العبادي نفسه والاجنحة السياسية التي تؤيده. فالعبادي كما تسوق له وسائل الاعلام الموالية لها وكما يروج لنفسه بأنه غير مكترث للانتخابات، وبأنه رجل العنكبوت Spider Man الذي قدم ليخلص العراق من محنته التي بلاها به نفس حزبه الدعوة وتحالفه الاسلام السياسي الشيعي، فهو على حق اي غير مكترث بالانتخابات، لانه يدرك ان الانتخابات في العراق لا تعيد انتاج سلطته السياسية مثل سائر الدول ذات الديمقراطيات العريقة، بل يتم عن طريق تزوير صناديق الانتخابات بحراب المليشيات، والتوافق الاقليمي والدولي. فلا المالكي جاءت به الانتخابات الحرة لولايتين متتاليتين لو لا التحايل على قائمة علاوي، والتوافق الدولي، ولا العبادي نفسه انتجته نزاهة الانتخابات الذي وصل الى سدة السلطة بنفس طريقة المالكي. ولذلك ان الزيارات المكوكية للعبادي لدول المنطقة هي محاولة بالدرجة الاولى منها كسب ود حكومات تلك الدول وتسويق نفسه عبثا بأنه عابر للمحاور الاقليمية مثلما يدعي اقرانه في الاسلامين الشيعي والسني بتشكيل كتل انتخابية عابر للطائفية.

 

بيد ان هناك من يصك اسنانه ضد العبادي بعد ان سرق كل الوهج والبريق الاعلامي والدعائي والسياسي عبر الانتصارات على داعش وتقليم اضافر اقليم كردستان. انه المالكي الذي يطلق التصريحات السوبرمانية بأنه أفشل مؤامرة تأجيل الانتخابات بحجة حدوث فراغ دستوري، لكن تلك التصريحات هي جزء من الصراع على السلطة السياسية بين المحور الايراني والمحور التركي والمحور السعودي - الامريكي على النفوذ السياسي في العراق. وان الدعم السياسي والاعلامي الغربي الذي يقدم للعبادي يحمل في طياته، أبّعَادْ السلطة السياسية في العراق ما بعد الانتهاء من سيناريو داعش عن محور نفوذ الجمهورية الاسلامية في إيران.

 

ان الانتصارات التي يسجلها العبادي كبطل قومي - اسلامي على اقليم كردستان، وقتية، مرتبطة بالتوافق الصدفة بين المحاور الاقليمية المذكورة، اذ لم يبق له من وقت كي يكون في حكم المنتهي. فالدعم غير المشروط للعبادي ضد اقليم كردستان ليس الى ما لا نهاية من قبل الادارة الامريكية، وليس ذات نهاية مفتوحة من قبل تركيا. اي بعبارة اخرى ليس من صالح الادارة الامريكية ولا تركيا ولا السعودية تقليم اظافر اقليم كردستان للحد العظم من قبل حكومة العبادي وحلفيها الحشد الشعبي.

 

ان الاستعدادات لفرض العقوبات على الحرس الثوري الايراني وتصنيفه كمؤسسة ارهابية، والهجمة السياسية على الحشد الشعبي وقادته من قبل اردوغان وتيلرسون وبول راين والناطق باسم البيت الابيض، والتأييد لقرارات الادارة الامريكية ضد حزب الله من قبل التحالف الخليجي بقيادة السعودية سيكون له تداعيات سياسية على الوضع العراقي وعلى مكانة وموقعية العبادي خلال المرحلة القصيرة القادمة، وعلى مجمل المعادلة السياسية العراقية وسيكون دخان الانتخابات هو الرائحة التي ستزكم الانوف وتعمي العيون وتصم الاذان.

 

وعليه فأن جميع الكتل السياسية غير معنية بتقديم برامجها الاقتصادية والسياسية في سوق الانتخابات الى الجماهير لأنها تدرك بأن من يعيد انتاجها في السلطة هي تلك المحاور السياسية. وهنا تطرح اسئلة عديدة وهي، اين تقف حياة ومعيشة الجماهير في خضم هذا الصراع؟ ما علاقة مطالب العمال وتطلعات الشباب وحقوق النساء بحكمة العبادي التي يروج لها بتأجيج الصراع القومي في العراق بعد ان طمسه المالكي بالصراع الطائفي؟ هل ستستمر سياسة التقشف عبر شد الاحزمة على البطون؟ وكيف ستكون هوية الدولة اذا انتصر العبادي بالحشد الشعبي او انتصر المالكي بالحشد الشعبي؟

ان معطيات اربع سنوات من حكم العبادي ردت على تلك الاسئلة؛ فلم يسقط الفساد، ولم تتوفر الخدمات، ولم تتوفر فرصة عمل، وعلاوة على ذلك زادت في سماء العراق غيمة سوداء جديدة، وهي الغيمة القومية. لذلك ان كل الاهازيج ودق الطبول حول انتصارات العبادي ستتبدد كما تبددت انتصارات المالكي على عصابات جيش المهدي، وان حكمة العبادي بمسك العصا من الوسط ليس الا فقاعة اذا لم يكن ذر الرماد في العيون، اذ ان الصراع بين القوى الامبريالية والبرجوازية في المنطقة لن تفسح المجال للوقوف على الحياد وخارج صراع المحاور. كما ان شحن اجواء المجتمع بالسموم القومية واحلالها بدل القاذورات الطائفية لتعمية المجتمع على ماهية دولة العبادي الجديدة ما بعد داعش لن يدوم ولن يتمكن من التغطية على كل سياسة الافقار المنظمة التي تتبعها في المجتمع.

 

مقالات