سمير عادل

الانتخابات ومكانة الطبقة العاملة

مقولة الصراع الطبقي، هي احدى المقولات التي تم عدم تداولها، واحلت مكانها الصراع الاقليمي، المفردات القومية مثل التمدد الفارسي او الايراني، صراع المحاور، الهيمنة الامريكية، الاطماع التركية، الهلال الشيعي، المحاصصة والكوتا للاقليات..الخ من تلك المقولات. الا ان جميعها تصب في خانة واحدة وهي الصراع الطبقي الذي تحدث عنه ماركس.. مرة يكون بشكل مستتر ومرة اخرى بشكل ظاهري وعلني. وان عدم تداول مقولة الصراع الطبقي، هو جزء من سياسة متعمدة لطمس ماهية الصراع الحقيقي في المجتمع، وهو الصراع بين الطبقة البرجوازية والطبقة العاملة، التي توظف الأولى كل سياستها واجندتها للحيلولة دون نهوض العمال منتصبي القامة كي يقولوا لا لحروبكم، ولا لمجازركم، وان لا نهاية لمآسي البشرية المتواصلة طالما السلطة السياسية بايديكم.

 

واذا ما تمعنا الى سياسة الحكومة العراقية، فأنها تنبع من مكان واحد، وهي كيفية تحويل العراق الى سوق استثمارية مغرية من خلال مسالتين، الاولى فرض الاستقرار الامني والسياسي باي ثمن عن طريق القضاء على التشرذم السياسي للطبقة البرجوازية الحاكمة من قوميين وطائفيين والذي يمثلهم حفنة من اللصوص في البرلمان العراقي، والمسالة الثانية تشريع القوانين لتشديد استلاب العامل على الصعيد الاقتصادي وبالتالي عدم افساح الفرصة له بالتقدم نحو مد اليد الى السياسة لتغيير ظروف حياته. فقوانين التأمينات الاجتماعية والحريات النقابية وسلم الرواتب والتقاعد وخصخصة التعليم والصحة والخدمات والسعي الحثيث لالغاء مفردات البطاقة التموينية ورفع سعر الوقود هي رزمة واحدة ومتكاملة لانتزاع اكثر ما يمكن من الارباح عن طريق استثمار العامل بأبشع الشروط.

 

ومثلما مقولة الصراع الطبقي، غٌيّبَ في الادبيات السياسية، غٌيّبَ الى جانبها مفردة "الطبقة العاملة". لان اصل المسالة في تغييب مقولة الصراع الطبقي، يعود الى الطبقة العاملة، فلا معنى للصراع الطبقي دون التحدث عن طرف الاخر النقيض في الصراع الطبقي مع البرجوازية، وهو الطبقة العاملة. بيد ان هذا التغييب لا يشمل اخفاء او عدم التطرق للمقولتين المذكورتين، بل جزء من سياسة مخططة ومدروسة في تغييب الدور السياسي للطبقة العاملة. وفي العراق هناك مثالين مهمين يجدر الاشارة لهما، كي نبين الدور الحيوي والمخيف بالنسبة للبرجوازية من الطبقة العاملة. الاولى وفي خضم تصاعد الحملة ضد تشريع قانون النفط والغاز عام ٢٠٠٧ صرح نائب الرئيس الامريكي ديك تشيني انذاك، بأنه لا يخشى برفض البرلمان العراقي لمسودة قانون النفط والغاز، ولكنه يخشى وحسب تعبيره ان يدخل الصراع في رفض مسودة القانون الاتحادات والنقابات العمالية والمهنية، اما المثال الاخر هو يعود الى تهديد المالكي نفسه عام ٢٠١٣ عندما هدد عمال النفط في البصرة بأن اية حركة احتجاجية يقومون بها سيطبق عليهم قانون المادة ٤ ارهاب. اي بعبارة اخرى وبالرغم من انفاق المليارات من الدولارات على وسائل الاعلام وتوظيف المئات من الاقلام المأجورة، فأن مرددي عبارت "الهيمنة الامريكية" و"الاسلام السياسي" و"التمدد الايراني" و"نظام المحاصصة" يقفون دائما عند حاجز الرعب من الطبقة العاملة او اي تحرك تقوم بها.

 

في الانتخابات العراقية، هناك صراع بين طرف واحد في المجتمع، وهو طرف البرجوازية بجميع تلافيفها القومية والطائفية، اما الطرف الاخر وهو الطبقة العاملة، فأنها تنتظر وتنظر وتراقب افواه الممثلين السياسيين للبرجوازية من العبادي والمالكي وحمودي والحكيم والجبوري والجميلي، ماذا سيوعدون العمال واسرهم او في افضل الاحوال عدم الاكتراث لهم والتهجم عليهم وشتمهم. اما الدخول في حلبة الصراع السياسي، وتهديد سلطتهم من قبل الطبقة العاملة او حتى التفكير بترشيح ممثليهم المستقلين فلا يدخل في بال القادة والفعالين والنشطاء العمال بحيث تكون لهم قائمة مستقلة ويكون شعارها لا لدولة قومية ودينية، وبرنامج انتخابي يعلن فيها امان وحرية ورفاه. وهنا لا نتحدث بأننا عازمين بالدخول في هذه الانتخابات، بل نتحدث بأن على الطبقة العاملة يجب ان لا تنتظر وعود تطلقها افواه البرجوازية، وان يكون لها وعي سياسي ودورا في تغيير المعادلة السياسية في العراق.

 

الغيوم بدأت تنقشع في سماء الصراع القومي الذي اشعله العبادي ضد القوميين الكرد، وهنا نحن ندخل مرحلة اخرى ما بعد سيناريو داعش، وهو الصراع الطائفي الذي تشعله الانتخابات. فتتويج المالكي لنفسه بانه بطل افشال مؤامرة تأجيل الانتخابات التي كانت ستخلق فراغ دستوري مثلما يدعي، وجر العبادي ورائه في لعبة المزايدات السياسية واعلانه بأن الانتخابات ستجري في موعدها، وفي الجانب الاخر يقف ممثلي ما يسمى "عرب السنة" بالمطالبة بـتأجيل الانتخابات حتى اعادة النازحين الى مناطقهم، ليس الا تسخين للصراع الطائفي من اجل تحسين الامتيازات على السلطة وتمددها. فالنازحين بكل مآسيهم في اجندة كل اولئك، ليس أكثر من اصوات انتخابية. فعرب السنة يعرفون جيدا ان عدم اعادة النازحين الى مناطقهم يعني تقويض صناديقهم الانتخابية، ويعني عدم تحسين شروط تفاوضهم على النفوذ والسلطة والامتيازات. اما التحالف الاسلامي الشيعي، يحاول استغلال التغيير الديمغرافي والتطهير الطائفي الذي يقوم به ميليشياته منذ اليوم الاول لإعلان الحرب على داعش وعدم قدرة الملايين من النازحين بالعودة الى مناطقهم، لأجراء الانتخابات كجزء من سياسة انتقامية ضد تلك المناطق المصنفة بالسنية والمتهمة بانتمائهم للدواعش مثلما وصف المالكي مدينة الموصل والجعفري اهالي محافظة الانبار، وبالتالي تقويض بشكل اكبر نفوذ وسلطة وامتيازات اخوتهم باللصوصية مثل مشعان وسليم والكعود والقائمة تطول عند هيئة النزاهة. وهذا يفسر زيارة سليم الجبوري لواشنطن من اجل ممارسة الضغط من قبل الادارة الامريكية لتأجيل الانتخابات.

 

اي بشكل اخر نريد ان نقول الى العمال في العراق، لن يكون هناك اي تحسن في ظروف وشروط عمل العمال ولا في حياتهم ومعيشتهم وامنهم، ولا حتى في المجتمع برمته المرتبط بشكل مباشر بوعي العمال وتقدم حركتهم النضالية، دون رص الصفوف بشكل مستقل والتدخل الفعال في الحياة السياسية

مقالات