سمير عادل

الحرب على الفساد واقتصاد السوق

 

ان العبادي وحكومته والتحالف الذي سيبايعه في ولاية ثانية من التيار الصدري وجماعة علاوي يمضي في تنفيذ اكبر صفقة فساد وبتنسيق وتعاون وثيق مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، عبر خصخصة القطاع العام وبيعه الى الشركات المرتبطة بحزبه والقوى السياسية المتحالفة معه برخص التراب، كما حصل في روسيا وبولندا واندونيسيا ومصر والقائمة تطول. بكلمة اخرى ان العبادي يحاول بيع الاوهام للجماهير، بينما ينسج مقتدى الصدر خيوطها للف الناس حولها، فقد حول الاخير كل حربه على الفساد عبر تظاهراته الاسبوعية منذ ثلاثة سنوات وحصرها في مفوضية الانتخابات لتعيين جماعته فيها، وبعد ذلك ليتحفنا بمقولته المأثورة الاخيرة "بأنه يؤيد خصخصة الكهرباء اذا كانت نافعة

"!

الفساد كظاهرة سياسية واجتماعية، وبغض النظر عن نوع هوية التيار السياسي الحاكم قومي او ديني، او ان شكل الحكم ديكتاتوري او ديمقراطي وليبرالي، هي ملازمة للنظام الرأسمالي. ولكن تختلف شدة الظاهرة واتساعها من بلد الى بلد اخر. فكما تكشف منظمة الشفافية الدولية

"Transparency International"في كل عام عن إحصاءاتها ودرجة الفساد في كل بلد في العالم، فهناك من تصنفها اقل فساد مثل الدانمارك التي حصلت عام 2016 على درجة 90 من 100 وهناك أكثر فسادا التي تحتل الدرجات الدنيا من سلم المنظمة مثل الصومال التي حصلت 10 من 100 في حين لم تحرز الولايات المتحدة الامريكية حتى المركز الخامس عشر في سلم البلدان الاقل فسادا اذ سجلت معدل 74 من 100 في حين سجل العراق مركز 17 في سلم الادنى للبلدان التي تعيث فيها الفساد من مجموع 176. اي بعبارة اخرى ليس هناك بلد في العالم خالي من الفساد، لان النظام الاقتصادي - السياسي قائم في كل بلدان العالم على التنافس وانتزاع الربح، ولا يمكن له الاستمرار ولإدامة لنفسه وضمان الولاءات وشراء الذمم وبراءة الاختراعات والاستحواذ على العقود، دون منح الهبات والعطايا والرشاوى وممارسة القوادة في احيان كثيرة. واذا ما فشل حتى الاتحاد الاوربي في تقليل ظاهرة الفساد في بلدانه بالرغم من توفر الحريات السياسية وحريةالرأي والتعبير كما يشير تقرير المنظمة بمرارة لعام 2016، يمكن الاطلاع عليه عبر الموقع http://www.transparency.org، فكيف لبلد مثل العراق أن يقضي على الفساد، الذي فشل الى الان منذ الاحتلال من تأسيس الدولة وبغض النظر عن شكلها وهويتها السياسية، ومليشيات تصول وتجول، ومساحة الحريات تحددها تلك المليشيات، ناهيك عن القضاء وبقية المؤسسات الاخرى التي هي انعكاس للأوضاع السياسية والامنية في العراق.

كي نشرح اكثر للقارئ، لماذا اذن تطالب المؤسسات المالية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي من حكومة العبادي محاربة الفساد، وتعقد الاخيرة عقود مع الاتحاد الاوربي لأرسال الخبراء في محاربة الفساد؟

.

ان ظاهرة الفساد في الدول الاستبدادية والفاشلة مثل العراق والصومال وجنوب السودان وليبيا وافغانستان وسوريا ومصر على سبيل المثال لا الحصر، تصل الى درجة من الاتساع، ليصبح بالتالي عائق امام حرية الرأسمال وامكانات استثماره. فليس لدى تلك المؤسسات مشكلة مع ظاهرة الفساد، ولكنها لديها مشكلة بأن الفساد أصبح عامل في بث الرعب في عنصر الرأسمال، مما يجعله يتردد ويخاف من الدخول في سوق الانتاج الرأسمالي العراقي

.

اليافطة الجديدة التي خطها العبادي لنفسه "الحرب على الفساد"، ليس لها علاقة قيد انملة بأنه ينوي الخروج من عباءة حزب الدعوة او المحاصصة السياسية، كما تروج له الاقلام المأجورة او الذي لا يستطيعون ان يعيشوا خارج دائرة الاوهام، ولا يعني انه طهر نفسه من الفساد الذي ما زال تحول حوله تهم الفساد بالحصول على 5 ملايين دولار، لمنح التراخيص للشركات النقالة عندما احتل منصب وزير الاتصالات في حكومة اياد علاوي المؤقته، او عندما غض النظر عن كل اشكال الفساد حينما كان عضو اللجنة المالية في مجلس النواب ايام رئاسة وزراء رفيق الامس وغريم اليوم نوري المالكي. ان تلك اليافطة مرتبطة بحسم مصير السلطة لصالحه ولصالح قطب سياسي بإمكانه تهيئة السوق الرأسمالية العراقية وربطها باقتصاد السوق الرأسمالي العالمي، سواء بالقوانين مثل تصفية القطاع العام او بتقويض الحريات النقابية او بسياسة التقشف، او بتنصل الدولة من مسؤوليتها تجاه التربية والتعليم والصحة والخدمات الاخرى عبر سياسة الخصخصة، او من تنصلها من توفير فرص العمل او بسن قانون عمل والتأمينات الاجتماعية تطلق ايادي الشركات في تشديد الهجمة على العمال لاستثمارهم أكثر من ما يمكن

.

ويسعى ايضا العبادي عن طريق تضييق دائرة الفساد، بتجفيف احدى المنابع المهمة لتزويد القوى السياسية لمليشياتها بالمال والسلاح وحصر تلك الدائرة بدائرته المقربة. ان شعار "الحرب على الفساد" يحمل في طياته وماهيته الحقيقية، القضاء على التشرذم السياسي في صفوف الطبقة الحاكمة وبالتالي خلق بيئة ملائمة للاستثمار الرأسمالي في ظل سياسة الليبرالية الجديدة التي شرعها الاحتلال، وبعد ذلك سار بها المالكي بخطوات بطيئة بسبب الفوضى السياسية التي يحاول العبادي اليوم أنهائها تحت شعار "الحرب على الفساد

".

ومن جهة اخرى أن الفساد في العراق مرتبط بنفس نظام المحاصصة القومية والطائفية الذي ساهم بشكل فعال وكبير في تحويله الى غول يلف المجتمع برمته. ان العبادي نفسه هو نتاج نظام المحاصصة الطائفية والقومية، ولو لا ذلك النظام لما وصل الى سدة السلطة. ان كل الاحتفالات بالنصر على داعش، وكسر انف القوميين الكرد الذي فشل قبله المالكي، لن يدخله التاريخ من اوسع ابوابه كبطل "القضاء على الفساد". فمراجعة فقط ملف النازحين، او ملف الوزير التكنوقراط للنقل الذي كشف بعض اوراقه او ملف وزارة الدفاع او ملف حقوق الانسان، فيستطيع المرء ان يستنتج دون عناء ان الحرب على الفساد لن تكون اكثر من يافطة متهرئة لن تحسن من شروط عمل العامل، ولا توفر فرص عمل للعاطل عن العمل ولا توفر السكن لملايين الاسر سواء من النازحين او من الذين دمرت بيوتهم، او الذين بشق الانفس يعيشون كي يدفعوا بدلات الايجار، او تنهي سياسة التقشف او توقف عجلة سياسة الليبرالية الجديدة في العراق التي تعمل بشكل حثيث بتحويل العراق الى مزرعة للعبيد

.

مقالات