سمير عادل

في العراق: الصراع على آلة الدولة

من يفوز على آلة الدولة في العراق، سيحسم الصراع على السلطة السياسية لصالحه. كما اشرنا في اكثر من من مناسبة، منذ تدمير الة الدولة في العراق من قبل الاحتلال، من حل الجيش والمؤسسات القمعية، فهناك صراع على اعادة تأسيس الة الدولة واتمام تشكيلها واظهارها بأنها تخدم الجماهير وليس فوقه، تنظم الصراع السياسي بالتالي الطبقي في المجتمع لصالح الطبقة الفاسدة ومصاصي دماء العمال والكادحين والمحرومين.

 

مساعي نوري المالكي المهولة في بناء آلة الدولة لحسم الصراع السياسي لصالحه بائت بالفشل؛ فوجه ضربة قاصمة لعصابات جيش المهدي وحل مليشيا الصحوات، وقام بتأسيس قيادات عمليات نينوى ودجلة وديالى وبغداد والانبار، وشيد عشرات من السجون السرية وتفنن في تعذيب مخالفيه، واجتهد بلوي عنق القضاء الذي لم يمتلك بالأصل عنقا في شن مطاردة قانونية لمخالفيه في العملية السياسية مثل رافع العيساوي وطارق الهاشمي ومن لف لفهما، ومضى على ما سار قبله صدام حسين في احياء الديناصورات التي تسمى بالعشائر لشراء ولاء رؤسائها والحاقها بجهاز الدولة، ليكون ككل يدا واحدة تضرب كل من عصا وخرج على مخالفة شرائع وقوانين التحالف الاسلامي الشيعي الذي قاده حزب الدعوة بقيادة المالكي. الا ان كل تلك المساعي تهاوت في 10 حزيران 2014، وتبخرت احلام تأسيس الدولة الطائفية الشيعية الراسخة امام دولة الخلافة الاسلامية السنية، لتعلن طي الفصل الاول من اتمام تشكيل جهاز الدولة في العراق بعد الاحتلال.

 

اعلان تأسيس الحشد الشعبي، جاء لسد فراغ انهيار الجيش في الموصل وعموم المدن العراقية بعد تمدد داعش. والجيش هو الدعامة الرئيسية والعصب الحيوي في جهاز الدولة. الا ان ذلك الجيش قد مني بهزيمة نكراء اما فلول عصابات داعش، لتبدأ مسيرة جديدة بالفصل الثاني لتشكيل جهاز الدولة وان تكون هذه المرة مليشيا الحشد الشعبي هي العماد الرئيسي لجهاز الدولة وان تكون اداة قمعية فعالة تنظم الحياة والمجتمع معا، وتظهر بأنها حامي حمى الوطن. وخلال ثلاث سنوات ومنذ اعلان فتوى الجهاد الكفائي، دقت الطبول والدفوف وهتفت الحناجر لانتصارات الحشد الشعبي. وقد اشرف على تدريبها خبراء الحرس الثوري الايراني وقام تجهيزها من الاموال المسروقة من العمال والكادحين في العراق عبر عمليات الفساد المنظمة التي بدأت منذ اليوم لاعلان مجلس الحكم الطائفي.

 

اليوم انتهى سيناريو داعش في العراق، ومستلزمات والارضية او المبرر التي هيئت لتشكيل مليشيا الحشد الشعبي قد انتهت. لكن يطفو على السطح الصراع الخفي، وهو الحفاظ على الحشد الشعبي ومقاومة حله بكل الاشكال.

 

قطبان يتصارعان على السلطة السياسية في العراق، الاول يقوده العبادي والثاني يقوده المالكي. الاول مدعوم غربيا وامريكيا بشكل خاص، والثاني مدعوم من قبل الجمهورية الاسلامية. الاول يريد احتواء الحشد الشعبي عن طريق تجريده من الاسلحة الثقيلة ودمج بعض فصائله بالجيش والمؤسسات الامنية الاخرى، وحل ما يثبت عدم الولاء له، فيما الثاني يحاول الحفاظ عليه تحت كل الحجج والمبررات. وفي النهاية فالعراق امام منعطف ليس اقل خطورة من مرحلة داعش، فالصراع على السلطة في العراق لا يرتبط بالبعد المحلي، بل تكمن خطورته في البعد الاقليمي والدولي. فسيناريو داعش اعاد الانتشار الامريكي في العراق، واعطى فرصة كبيرة لتنفس الصعداء لأعداء النفوذ الايراني في العراق مثل السعودية وتركيا. اي بعبارة اخرى ان الصراع على السلطة في العراق، هو صراع على ابقاء نفوذ الجمهورية الاسلامية في العراق او ازاحة هذا النفوذ واحلال محله النفوذ الامريكي وحلفائه الاقليميين. لذلك فان الجمهورية الاسلامية بأدواتها المحلية التي رموزها وشخصياتها المالكي وفالح الفياض وقيس الخزعلي وهادي العامري، امام خيارين اما حسم مسالة السلطة السياسية لصالحها عبر ابقاء الحشد الشعبي وتطويره وتحويله الى مؤسسة مثل الحرس الثوري الايراني، او تحويل الحشد الى سلاح مثل سلاح حزب الله في لبنان، اي بناء دولة داخل دولة. في حين ان الغرب وعلى راسه الولايات المتحدة الامريكية تسعى بكل السبل لعدم تكرار تجربة لبنان او تجربة الحرس الثوري. ومن هنا، كانت كلمة حيدر العبادي بمناسبة ذكرى تأسيس الجيش، تمحورت حول تمجيد الجيش وتحويله الى اله مثل آلِهّة الحرب عند الاغريق.

 

فيما يخصنا نحن الشيوعيين والطبقة العاملة في العراق في خضم هذا الصراع، فهناك ثلاث نقاط يجب اخذها بنظر الاعتبار. الاولى هي ان جبهتنا ليست المالكي ولا العبادي، كما توهم الكثيرون به وقبله توهموا بالمالكي عندما وجه ضربة لعصابات جيش المهدي الى حد الحماقة، حين قال قسم من الذين يصنفون انفسهم بالليبراليين والديمقراطيين بأن المالكي سينزع ثوب حزب الدعوة الاسلامي ويلبس الرداء العلماني. والنقطة الثانية هي ان الجيش كما الحشد الشعبي هم مؤسسات قمعية ويجب عدم التوهم بهما مطلقا وابدا، وبأنهما ستكونان فوق المجتمع وان الحق والعدالة ستحققان بسيف هاتين المؤسستين، مثلما تدفع اليوم الجماهير الملوينية في مصر ثمن توهمها بالجيش المصري، الذي رسخ السلطة والحكم بالحديد والنار بعد الالتفاف على الثورة من اجل الخبز والحرية واجهاضها. اما النقطة الثالثة، فعلينا المضي بتنظيم احتجاجاتنا والارتقاء بأشكالها التنظيمية وتوسيعها وتوحيد صفوفها على الصعيد العراق برمته، ضد سياسات الخصخصة والتقشف وافقار المجتمع، ومن جهة اخرى رص جبهتنا وجر التحرريين اليها لعدم افساح المجال للإسلام السياسي، سواء بقيادة المالكي او العبادي من فرض هوية قومية واسلامية على المجتمع

مقالات

سمير عادل

05/03/2018