سمير عادل

سياسة الخصخصة والتقشف، الظلم الطائفي، الحريات الانسانية في البرنامج الانتخابي

عندما تخلو البرامج الانتخابية للتحالفات السياسية في العراق التي تشكلت لخوض الانتخابات في ايار المقبل من هذا العام، من انهاء سياسة افقار المجتمع والقضاء على الظلم الطائفي الذي تمخض عنه داعش، وإطلاق الحريات الانسانية التي تتطاول عليها المليشيات الاسلامية من كل حدب وصوب لفرض الاسلمة على المجتمع، فيجب ان يعرف حتى المولع بالديمقراطية والمتوهم بها الى حد الغثيان، بأنه لا تغيير يرجى او ينتظر من تلك التحالفات والعملية السياسية برمتها ونتائج الانتخابات.

 

الماكنة الاعلامية لجميع التحالفات السياسية، من تحالف النصر الذي يقوده العبادي ومرورا بتحالف السائرون الذي يقوده التيار الصدري وانتهاء بالتحالف الوطني الذي يقوده علاوي، لا تنشر غير الاوهام في صفوف المجتمع كي تحاول اعادة انتاج وصولها الى سدة الحكم من جديد، في حين ستبقى كل المآسي الامنية والاقتصادية والاجتماعية تنهش بأحلام وامنيات وجسد الملايين من العمال والكادحين والمحرومين في العراق. فالقضاء على الفساد الذي يتصدر البرنامج الانتخابي للعبادي لا يعني انهاء سياسة الخصخصة والتقشف التي قصمت ظهر الجماهير، ولا يعني التنصل من التزامات الحكومة من مشاريع صندوق النقد الدولي التي ستخفض رواتب العمال والموظفين في العراق خلال السنوات المقبلة بنسبة 20 %، وزيادة اسعار الوقود وتقليل مفردات البطاقة التموينية اضافة الى خصخصة الخدمات والتي كانت في مقدمتها خصخصة الكهرباء. فبدلا من اقرار قوانين تضمن رفاه الانسان في العراق لجأوا الى صياغة مقولات واكاذيب مثلما تفننوا بالسرقة والنهب، فلقد قلبوا مقولة خصخصة الكهرباء الى مفردة "الجباية" لاحتواء الاحتجاجات العارمة في المدن الجنوبية ضد خصخصة الكهرباء. فالجباية لا تعني أكثر من استحصال قيمة فواتير الوحدات الكهربائية المستهلكة من قبل المواطنين وليس اكثر، سواء كان موظف حكومي او موظف من قبل الشركات الخاصة. ولكن في حالة خصخصة الكهرباء فأن فاتورة الكهرباء القادمة والتي ستجبيها الشركات الخاصة ستكون عالية، بما يضمن ارباح فاحشة لتلك الشركات التي فيها حصص للمسؤولين في الحكومات المحلية والمركزية في بغداد.

 

اما مقولة الدولة المدنية التي صدع بها رؤوسنا أنصار التحالف المدني او تحالف السائرون والذي يقوده اليوم التيار الصدري ويؤيده العبادي كما جاء في مؤتمره الصحفي الاسبوعي الاخير، فلا تعني لا من بعيد ولا من قريب دولة غير قومية وغير دينية، ولا تعني دولة علمانية تعرف البشر على اساس الهوية الانسانية، يكون الدين فيها شأنا خاصا بالإفراد، ولا تعني انهاء الظلم الطائفي في العراق الذي فرخ لنا عصابات داعش وغيرها التي تنتظرنا على الابواب. فيمكن وصفها بذر الرماد في العيون اذا لم نقل اقلها الضحك على الذقون، مثلما استبدلت مقولة الخصخصة بمفردة الجباية.

 

اما التحالف الاخير الذي يقوده علاوي، فهو تحالف"وطني خالص" يتراوح في ضمه بين عرابي الاسلام السياسي السني الذي نزع ثوبه الطائفي توا وهو سليم الجبوري، ولو لا ذاك الثوب لما نصب على رأس البرلمان وبين الحرامية العروبيين الجدد وهو صالح المطلك صاحب شركات الدواجن مع ساجدة زوجة صدام حسين. فالبرنامج الاقصى لهذا التحالف لا يصل الى أكثر من انهاء المحاصصة. وهذه هي الاخرى اكل عليها الدهر وشرب. فمشكلة الجماهير المليونية العاطلة عن العمل او مأساة أكثر من مليونين نازح، او القطاع العامل الذي يزحف اليه الفقر بخطى حثيثة بسبب سياسة التقشف، لا تكمن بالمحاصصة بل تكمن ببرامج المؤسسات المالية العالمية ومحتوى ونهج الاحزاب القومية والطائفية في العراق التي تتطابق مع تلك البرامج.

 

اما التحالفات الاخرى مثل تحالف المالكي وهو افقر التحالفات سمعة وشخصيات واعتبارا لو بقي صامدا، او تحالف العامري الذي عقده مع العبادي اذ دخل في ائتلاف معه وقلبه مع المالكي، فبرنامجهما هو بالترديد معا النشيد الوطني "موطني" بصوت الحشد الشعبي، لكن روحهما اسيرة لتجربة الجمهورية الاسلامية الاسلامية في ايران، وسينتظران معا نتائج الانتخابات، كي يعرف العامري بالنهاية هل ما زال المالكي كارت محروق ام من الممكن ان يكون ورقة حظ بالاندماج معا في تحالف العبادي. وبالرغم من تشظي قائمة الاسلام السياسي الشيعي في هذه الانتخابات، لكنها ستلتحم من جديد بعد الانتخابات، ولكن في هذه المرة ايضا لن يكون الصراع على البرامج الانتخابية التي لا يملك اي طرف منها سوى المضي قدما بنفس السياسات القديمة، وهي ادامة الظلم الطائفي وسياسة الخصخصة والتقشف وغض الطرف عن تطاول المليشيات على حياة الافراد وحرياتهم الشخصية، بل الصراع سيكون حول حسم السلطة وترجيح كفتها وميلانها نحو الحلف الايراني بدولة طائفية شيعية، او نحو الحلف الغربي بدولة قومية - اسلامية وبقناع ليبرالي.

 

واخيرا ان "مقولة الديمقراطية" لا تعني الحرية ابدا، بل هي تقنين لمقولة الحرية وتقويضها وتحويلها الى صندوق انتخابي. وفي مفهوم النظام الديمقراطي ليس مهما من مشاركة 90 % او 10 % من الجماهير بأدلاء صوتها في الانتخابات، الا ان المهم هو مضي العملية الانتخابية لإعادة انتاج السلطة. لذلك ان الانتخابات ماضية في العراق من اجل اضفاء صفة شرعية على سلطة اللصوص والحرامية التي لن تنتج الا سواهم، لان لديهم المال والمليشيات.

 

بالنسبة لنا نحن العمال ومحرومي المجتمع والتواقين الى الحرية، علينا البحث عن التغيير في مكان اخر، وليس عن طريق الانتخابات، فلدينا تجربة أربع انتخابات ولم تسفر عنها غير تفاقم الاوضاع الامنية والاقتصادية والاجتماعية والصحية. ان الحاق الهزيمة بإقرار قانون الاحوال الشخصية الاسلامي في البرلمان، ولجوء الحكومات المحلية اضافة الى حكومة العبادي الى الكذب حول خصخصة الكهرباء كما أشرنا، يعلمنا بأن التغيير قادم من الشارع ومن محلات سكن ومعيشة العمال والكادحين الذين يشكلون الاغلبية المطلقة والمسحوقة من جماهير العراق.

 

مقالات