نادية محمود

حول طرد العمال المياومين من معمل سمنت كربلاء

قامت شركة لافارج في بدء العام الجديد بتسريح 150 عامل من عمال سمنت كربلاء. ان الذريعة التي اطلقتها الشركة هي من اجل تقليل نفقات الشركة. ان هذا هو التعبير الاخر لمعنى زيادة ارباح الشركة على حساب العمال وتقليص اعدادهم، وتكثيف العمل على اولئك العاملين منهم. هؤلاء العمال الذين يتعرضون "للتسريح من العمل" هم عمال اجراء مياومين لم تبرم معهم اية عقود تنص على حقوقهم وواجباتهم، رغم انهم اشتغلوا مع الشركة لفترات تتراوح بين سنة ونصف الى ثلاثة سنوات او اكثر.

 

ان عدم توقيع عقود مع العمال في القطاع الخاص يعني السماح واتاحة الفرصة للشركات للتنصل من اية مسؤولية تجاههم والتي تتوفر عادة لعمال العقود في القطاع الخاص، او ما يطلق على بعض منهم "موظفين" من العاملين في القطاع العام. ان هذا التنصل وحرمان العمال امر لم يتطرق اليه القانون الاخير (37 لسنة 2015). مما يعني حرمانهم من حقوق التقاعد او الضمان الاجتماعي والصحي واصابات العمل والخ من الحقوق التي ينص عليها قانون العمل للعمال في القطاع العام. مما يؤدي الى تسريحهم من العمل حالما استدعت مصلحة الرأسمالية ذلك، وبدون سابق انذار، وبغض النظر عما سيسببه ذلك من تردي اوضاعهم المتردية اساسا. خاصة ان كانوا اولئك العمال هم المعليين الوحيدين لاسرهم. مما يعني مزيد من الافقار للاسر العمالية الفقيرة. تساندها بذلك ممارسات الدولة ومسؤوليها، باعتبارهم منتفعين نفعا هائلا وكبيرا من هذه الشركات وبشكل مباشر. ان طرد 150 عامل يعني وضع حياة 150 عائلة في قيد المجهول.

 

تقوم الشركة بهذا العمل وهي نائمة قريرة العين بانها لن تقع تحت طائلة اي قانون، ان وجد القانون، وليس من محاكم تلاحقها، خاصة وان بامكان اموالهم وارباحهم شراء سكوت المسؤولين في دولة يضرب فيها الفساد من الرأس الى اخمص الاقدام.

 

ان عدم أبرام العقود مع العمال المياومين يعني عدم وجود اي حد من شروط الامان الاقتصادي والضمان الاجتماعي للعمال. وهذه هي مسؤولية الدولة التي يجب ان تتحملها وتتكفل بها. ان ما تتمناه شركة لافارج وغيرها من الشركات في كل مكان في العالم، هي احلال الالات محل الايدي العاملة البشرية حتى تتخلص وبشكل كامل من كلف نفقاتها، ولكن ماهي مسؤولية الدولة عن العمال؟ وماهي الالتزامات التي يجب ان تفرضها الدولة على الشركات الاستثمارية حتى تؤمن ليس ارباح الشركات، وليس ارباح الدولة من العمولات مع الشركات، بل ايضا الحد الادنى من معيشة وحياة العمال؟.

 

الحكومة تعلن تبنيها لسياسات الاقتصاد الحر ( النيولبرالية) وتفتخر وتسعى لجلب الاستثمارات الاجنبية، دون ان تلتفت الى حقوق العمال في هذه الشركات. ان ما حققه العمال في الدول الغربية هو فرض تقديم ضمانات البطالة للعمال حتى وان كانت الدولة تتبنى سياسات الاقتصاد الحر. ان تبني سياسات الاقتصاد الحر لا يعني تنصل الدولة من مسؤوليتها بتقديم الضمان الاجتماعي، خاصة وان هذه الضمانات لا تمنحها الدولة من المال العام الذي تقوم بنهبه من بيع النفط، بل من الضرائب التي يدفعها اصلا العاملين والموظفين والذين تستقطع منهم وبشكل متواصل وشهري طوال مدة عملهم. وهذا ما تفعله الدول الرأسمالية الغربية انها تجعل القسم العامل يدفع للقسم العاطل عن العمل. فليست هنالك منة ولا هنالك فضلا.

 

لقد اعيد عمال البلديات في البصرة بعد ان تمت تسريحهم من العمل في الاسبوع الاول من هذا الشهر والذي كان عددهم يناهز على ال 5750 عامل. ان على الحكومة المحلية في كربلاء اعادة العمال الـ 150 في شركة لافارج الى عملهم، فالشركة لديها من الارباح ما تتقاسمه مع الحكومة ووزارة الصناعة وشركة الاسمنت الجنوبية. وان لا تعرض حياتهم الى المزيد من الافقار بالقائهم في الشارع وبشكل مفاجيء وبدون اية تعويضات تمكنهم من تدبر امور معيشتهم لحين حصولهم على فرصة عمل اخرى. كذلك ان تهب الاتحادات والمنظمات العمالية للدفاع عن هؤلاء العمال، وان يلعبوا دورا جادا وموحدا للوقوف الى جانب العمال الـ 150 من اجل اعادتهم الى العمل.

 

في الوقت الذي يجب العمل على اجراء هذه الاصلاحات، فان الحقيقة الدامغة هي ان شركة لافارج والشركات الاستثمارية الاخرى هي ما يتكون منه النظام الرأسمالي في العراق، فالقانون في العراق، والحكومة المحلية منها والمركزية ما هي الا غطاء قانونيا وسياسيا وامنيا لحماية هذه الشركات، وعلى الضد من مصلحة العمال. واذا كان هنالك شيء يعبر عن نفسه في اعمال الطرد والتسريح الجماعي للعمال، سواء في عمال بلدية البصرة الذين اعيدوا الى عملهم مؤخرا او عمال شركة لافارج الذين تم طردهم، هو ان الرأسمالية خطر على الطبقة العاملة وخطر على اسرها وعلى المجتمع برمته. واذا ما اريد فعلا الحصول على الامان الاقتصادي للعمال وليس فقط تراكم الارباح بايدي فئات اقلية في المجتمع، لابد للطبقة العاملة وتنظيماتها التصدي للطبقة الرأسمالية بشركاتها وحكوماتها والجهات المدافعة عنها

مقالات