فارس محمود

وقاحة يندى لها الجبين! (حول الانتخابات واعادة النازحين القسري الى مدنهم!)

ليس ثمة امر مقزز في عالم سياسة اليوم في العراق بقدر سياسة وممارسة احزاب الطبقة البرجوازية الحاكمة على اختلاف مشاربهم السياسية والفكرية. ان "لاتمت بصلة" بمصالح الجماهير و"معاداة" هذه المصالح و"تناقضها" مع مصالح الاغلبية الساحقة للمجتمع هي عبارات ليست كافية لوصف ماهية ومحتوى هذه الاحزاب والتيارات. انها تيارات وجماعات مليشياتية مسلحة مخضبة اياديها بدماء الابرياء. فماذا بوسع الانسان ان ينتظر ويتطلع منها. انها تفتقد الى ابسط المشاعر والحس الانساني العادي والبسيط، وحتى الغريزي للبشر. انها عديمة الضمير لحد المسخ.

 

ان مسالة التعامل مع اللاجئين هو تعبير سافر اخر عن ماهية هذه القوى والتيارات. اذ ما ان طرحت مسالة الانتخابات، حتى راينا هذه القوى وهي تشمر عن سواعدها بممارسة الضغوطات، التهديد، التضييق وترهيب المهجرين. اذ تسعى الى اعادتهم قسرا الى مناطق سكناهم، كي "يمارسوا حقهم الانتخابي الذي كفله الدستور!!"، كي يقوموا بتلك العملية الهزيلة المسماة "انتخابات"، عملية الضحك على الذقون.

 

يمارسوا الضغوطات المادية والمعنوية لحد الترهيب السافر كي يجبروهم على العودة، قل الى خرائبهم "المحررة" من جماعات دموية لتقع بايدي جماعات دموية اخرى، الى بيوتهم المدمرة جراء الحرب والقصف، دون عمل، دون ماء وكهرباء، دون خدمات، دون مستشفيات، مدارس.

 

مئات الالاف، مايقارب المليونين، من الابرياء والعزل، من اؤلئك الذين ليس لهم اي مصلحة في اوضاع مثل هذه، اوضاع الحرب والتشرد والهجرة، بل هي المتضرر الاساسي منها، اوضاع خلقها دعاة الانتخابات و"العملية السياسية" و"العراق الجديد" من امثال الدعوة، منظمة بدر، العصائب، المجلس الاعلى وداعش والطائفيين والقوميين العرب والكرد. لم يبق جرائها امام الناس مفر وملاذ سوى ترك بيوتهم وعملهم ومعيشتهم كي يامنوا على وجودهم ووجود اطفالهم الفيزيقي.

 

فبدلاً من الرد على حاجاتهم ومتطلباتهم الاولية والبدائية، وبدلاً من الرد على محنتهم وما مر عليهم من مصائب وويلات، وبدلاً من مد يد العون لهم وانتشالهم من اوضاع البؤس والحرمان، وبدلاً من الرد على انهيارهم الروحي والمعنوي وانعدام الامل ومجهولية المصير، وبدلاً من عمل شيء ما لبث الامل والتفاؤل في افئدتهم المتعبة، يسعون الى دفعهم الى وضعية في غاية السوء والخطورة لا لشيء الا لاجل اضفاء شرعية على امر ليس له اي مكانة واقعية وحقيقية في حياتهم، الانتخابات.

 

اناس يقولون، بالف لغة ولغة، "لانملك اي شيء هناك، لايوجد سوى الدمار والخراب، فالى اين نعود؟!". اناس "ارتضوا" بـ"نعمة" المخيمات رغم كل بؤسها وشقائها وحرماناتها وعدم وضوح مصيرها وغدها، على العودة الى مدنهم! فكيف هو حال مدنهم اذاً؟.

 

لايفكر احد من اؤلئك المتشدقين بـ"عدم مخالفة الدستور"، هذا الدستور الذي يدوسوا عليه يومياً باقدامهم و"كي لايحدث فراغ سياسي" والخ من ترهات بالماسي الواقعية للنازحين. الادهى من هذا التاكيد على ضرورة ان "تمارس الناس لارادتها بانتخاب ممثليها!!". ان كانوا يريدوا حقا ان تمارس الناس ارادتها، فان هناك الف سبيل لذلك غير هذه المهزلة العقيمة التي اسمها "انتخابات". ان امرء يغط في جوع وفقر، انعدام خدمات، عدم وضوح مستقبله مصيره، لايتمتع باي ارادة لتقرير مصيره. ان تقرير مصير الانسان يبدأ من انهاء عمر هذه التيارات في المجتمع.

 

ان ماينشده من امثال البدريين والصدريين والعباديين والمالكيين والبرزانيين والخزعليين و.... هو ليس ارادة الناس، بل حبر ازرق في اصبعهم، حبر انتخابي، حبر اعطاء شرعية مزيفة وكاذبة لهذه القوى من اجل اعادة تقاسم كعكة السلطة والثروة، النهب والسلب، من اجل التلاعب بمصير المجتمع بصورة "دستورية" و"قانونية" و"شرعية" لاربعة اعوام اخرى، اربعة اعوام اخرى من تزييف ارادة الجماهير، وفي الحقيقة سلبها التام منهم.

 

انها تيارات لايهمها حال هؤلاء المبتلين باوضاع خلقتها هي نفسها لهم. لايهمها اكلهم وشربهم، امانهم، مستقبل اطفالهم. لقد اثبتت الوقائع ذلك الف مرة ومرة منذ 2003 ولحد اليوم. ليس في جعبتها اكثر من هذا. ولهذا لاعجب ان يحذر زعيم مليشيا بدر "ان عدم اجراء الانتخابات في وقتها سيدفع الاوضاع نحو المجهول"، ان سؤال يطرح نفسه هنا، هل ثمة مجهول اكثر من هذا المستنقع الذي يغط فيه المجتمع تحت سلطة حرابهم؟ اكثر من نصف المجتمع تحت خط الفقر في بلد ينام على ثروات لاحصر لها، حروب، قتل، غياب القانون، احياء النزعات العشائرية، بطالة، حكم مليشيات، تفجيرات، عصابات جريمة منظمة، فساد، نهب، الحاق الدمار بمدنية المجتمع، احياء احد المشاعر الطائفية والقومية و.... بعدها ياتي العامري ليتحدث عن مجهول؟!

 

ان "الدستور"، "الانتخابات"، "العملية السياسية" هي تلك القوالب التي صاغتها هذه التيارات المليشياتية من اجل ادامة سلطتها المشؤومة. ان جزء مهم من مصيبة الجماهير هي هذه القوالب المفروضة عليها. هذه القوالب التي يجب تحطيمها على رؤوس اصحابها مرة وللابد كي تنعم بغد افضل.

 

 

مقالات

فارس محمود

23/11/2015