سمير عادل

الحرامية والانتخابات وشرعية الجماهير

من يتابع التقارير المنشورة على صفحات "الى الامام" في هذا العدد حول بيع الشباب في العراق لدمائهم للحصول على قوتهم اليومي، او الذين يمزقون ثيابهم امام عدسات كاميرات الفضائيات احتجاجا على الفقر والجوع، او الذين مزقت التفجيرات اجسادهم في ساحة الطيران وهم يحلمون بالحصول على خبز يومهم لهم ولأسرهم، يعتقد بأن هذه المشاهد تنقل من افلام وثائقية لبلدان جزر الموز، وليس من بلد يصدر اكثر من ثلاثة مليون برميل نفط يوميا الى الشركات العالمية.

 

يستشيطون غيضا وخاصة القوى الاسلامية عندما نحدث مقارنة بين النظام البعثي الذي شيد القصور الرئاسية والجوامع بأبنيتها الشاهقة، على حساب الام بطون الملايين من العمال والكادحين بسبب الجوع والعوز في سنوات الحصار الاقتصادي، وبين السلطة الاسلامية - القومية الحاكمة اليوم بقيادة حزب الدعوة والتحالف الشيعي الذين حولو العراق الى مزرعة للعبيد بامتياز. الا ان الفارق الوحيد بينهما هو ان الاول كان لا يستحي ولا يخجل وحكم بالحديد والنار بشكل علني، وكان يلعن كل يوم "الديمقراطية" لان الشعب العراقي غير مؤهل وناضج لممارسة حرياته السياسية، "انظر وثائق اجتماعات مجلس قيادة الثورة والقيادة القطرية بعد انتهاء الحرب العراقية - الايرانية حول الديمقراطية والتعددية السياسية"، اما الثانية فأنها تحكم باسم الدين الى جانب الديمقراطية الخاصة بها، التي ترغم الناس المشاركة بالقوة في الانتخابات لتزوير ارادتها وبالتالي لإعادة انتاجها في السلطة.

 

وثيقتان هزيلتان صدرتا عن السلطة وشخصياتها بصدد عزوف الجماهير عن المشاركة في الانتخابات المزمع تنظيمها في ايار المقبل، فهي بقدر ما تكشف عن عمق الهوة بين الجماهير بعموم شرائحها الاجتماعية، وبين الطبقة الحاكمة من اللصوص والحرامية والفاسدين، وبنفس القدر تكشف عن الوجه الدكتاتوري للسلطة الحاكمة في العراق التي طالما ما كانت تختبئ وراء رتوش وفقاعات الديمقراطية، التي صنعتها دعايات النفاق الامريكي والغربي ومنظمة الامم المتحدة. الوثيقة الاولى هي تلك التي صدرت عن مكتب العبادي التي تقول لا رواتب دون استلام الموظف البطاقة الانتخابية، والثانية ما قاله أحد الشخصيات البارزة في هذه الطبقة، وهو موفق الربيعي الذي شغل اول منصب لمستشار الامن القومي بعد الاحتلال في تصريح له عبر مقابلة مع احدى الفضائيات بأنهم سيرسلون الناس بالقوة الى الانتخابات.

 

مسالة مهمة يجب التركيز عليها في الوثيقة المذكورة وفي تصريحات الربيعي اضافة الى المحاولات الحثيثة لاستحصال على فتوى دينية سنية كانت او شيعية لجر الجماهير للمشاركة في مهزلة الانتخابات المرتقبة، وهي بالرغم من كل الهالة التي صنعت حول انتصارات الحكومة على الارهاب وعلى تقليم اظافر القوميين الكرد على الاقل في هذه المرحلة، وبالرغم من استعادة سلطة الاسلام الشيعي ما تبدد من هيبتها بعد الحاق الهزيمة بدولة الخلافة الاسلامية، التي تمددت حتى بوابة بغداد وباتت تهدد المنطقة الخضراء في صيف ٢٠١٤، الا انها فشلت في تجهيز نفسها من جديد كبديل واحد اوحد للسلطة السياسية للجماهير في العراق.

 

اي بعبارة اخرى ان الانتخابات ليست قدر الجماهير في اختيار مصيرها السياسي، كما خطط ورسم لها وصورتها فتاوى قائمة الشمعة، او من لن يشارك في الانتخابات فزواجه باطل كما روج لها فطاحل المرجعيات الاسلامية في اول انتخابات اجريت في العراق بعد اعلان "العراق الجديد". والمفارقة تكمن بأن القوى المتكالبة على بعضها في العملية السياسية والمتفقة حول برنامج الخصخصة وافقار المجتمع، وقمع الحريات النقابية وحرية التعبير وتقاسم الوزارات والمناصب الحكومية حسب نظام المحاصصة الطائفية والقومية، وقانون الاحزاب الذي هو نسخة معدلة لقانون الاحزاب البعثي، فهي بأمس الحاجة الى الجماهير كعدد في صندوق الانتخابات لإعادة تأهيلها الى السلطة، في حين ان الجماهير تبحث عن الخلاص في مكان اخر غير صناديق الانتخابات.

 

وبلغة اخرى وبأكثر وضوح، ان خوف القوى الحاكمة بجميع تلافيفها ودون اي استثناء، ليس في عزوف الجماهير عن المشاركة في الانتخابات وعدم كسب الشرعية منها لإعادة انتاج سلطتها الفاسدة، بل يكمن الخوف وكل الخوف، بأن الجماهير قد تبحث عن طريق اخر غير طريق الانتخابات لاختيار بديلها السياسي، كما حدث في انتفاضة شباط 2011، عندما رفع الالوف المؤلفة في كل ساحات وميادين العراق صورة عض الاصبع الذي تلون باللون البنفسجي وبصم على انتخاب تلك القوى.

 

وان هذا يفسر تهديد مكتب العبادي بقطع الرواتب عن الذين لا يستلمون البطاقة الانتخابية والذي لم يتورع نظام صدام ان يذهب اليه في تهديد جماهير العراق في كل استفتاءاته وانتخاباته، برغم من انه كان من اكثر الانظمة استبدادية وفاشية في العالم، ولم يستطع اي شخص من ذلك النظام بالتهديد بشكل علني وسافر بأطلاق التهديدات لمن لا يشارك في الانتخابات، مثلما يهدد اليوم موفق الربيعي بأرسال الناس بالقوة الى الانتخابات.

 

فاذا كان يرسلون اليوم الجماهير الى الانتخابات بالقوة وقطع الارزاق، فما بالك لو انتهت الفوضى السياسية بحسم السلطة السياسية بشكل نهائي للإسلام السياسي الشيعي، التي بفضلها اي الفوضى السياسية ننعم ببعض الحريات النسبية، فهل سيكون العراق افضل نموذجا من ايران التي تحكمها الملالي!

 

وكلمة في هذه المناسبة نقولها لأولئك اليائسين والذين لا يجيدون اي شيء سوى بضرب الاخماس بالاسداس والحسرات وباتهام جماهير العراق بأنها لا تمتلك الوعي، ويطلقون السب والشتم عليها عشية كل انتخابات وبعد الانتخابات، فأن مجرد اطلاق التهديدات من قبل السلطة الحاكمة لمن لا يشارك في الانتخابات، يعني ان الجماهير بوعيها الجنيني تلفظ تلك السلطة بالرغم من كل القصف الاعلامي المهول، وتسخير كل الجعب التي تحت العمائم في اطلاق الفذلكات والخرافات والفتاوى وشحذ كل سفسطات الاقلام المأجورة، ويعني لن تمنح الجماهير الشرعية مرة اخرى الى الحرامية واللصوص من جديد مهما اسفرت نتائج الانتخابات.

 

مقالات