نادية محمود

لماذا يجب مقاطعة انتخابات 2018

بدون شك ان مسالة الموقف من الانتخابات والمشاركة او عدم المشاركة فيها تشكل محور الاختلاف بين مؤيد للانتخابات، ومقاطع لها في الاونة الاخيرة. ان امر المشاركة او عدم المشاركة من قبل مختلف الاحزاب تنبع بالدرجة الاولى والاخيرة من اهداف الاحزاب التي يريد تحقيقها وفيما اذا كان الدخول في البرلمان هو وسيلة لتحقيق تلك الاهداف ام لا؟ ان جمعا عشائريا، او تنظيما ميلشياتيا يريد ان يجد له مكانا تحت الشمس، بالوصول الى المقاعد البرلمانية والحكومية من اجل جني الثروات والقوة والنفوذ والاراضي والعقود، ليس هنالك ما يمنعهم على الاطلاق من التنافس والمشاركة للحصول على هذا الاستثمار، وتسويق الانتخابات باعتبارها "عملية ديمقراطية" ل... "تمثيل الناس"!!!. انها عملية مربحة لاهدافهم هم. لمصالحهم هم. وفساد ونهب العقد والنصف الماضيين دليل اوضح من الشمس على هذه الحقيقة. وليس غائبا هذا عن وعي الجماهير التي تردد في كل مكان معبرة عن النقمة والغضب واليائس من ان تجلب لهم الانتخابات القادمة اي تغيير في حياتهم، بل ما يرددوه هو ان الانتخابات ستجلب ذات الوجوه ولن يتغير اي شيء على الاطلاق.

 

في هذه الانتخابات، كما في الانتخابات التي سبقتها، ليس هنالك برامج اقتصادية واجتماعية تطرحها الكتل المتنافسة والتي بلغ عددها 27 تكتلا و143 حزبا، لا يعلم احد ما هو برنامج ائتلاف الوطنية، عن ائتلاف النصر او الفتح، وائتلاف سائرون عن ائتلاف دولة القانون. وكل الضجيج يدور حول من تحالف مع من؟ ومن خرج من كتلة من؟ ومن انضم الى كتلة من؟ وهذا يعني ببساطة ان المسالة كلها تتعلق بالمنافسة للحصول على مقاعد. يصبح المقعد هو غاية وليس وسيلة من اجل تحقيق برنامج اقتصادي او اجتماعي معين. هو غاية للحصول على مكسب اخر، ليس من ضمنها تحقيق برنامج اقتصادي ذو نفع للناس الذين يراد لهم ان يمنحوا اصواتهم لتلك الاحزاب.

 

بالنسبة للحزب الشيوعي العمالي العراقي ينبع موقفه بمقاطعة الانتخابات من تعقبه لاهدافه السياسية والتي هي تحقيق تطلعات المواطنين، والتي هي وباختصار شديد: توفير الخدمات والكهرباء، توفير فرص عمل، أقرار ضمان بطالة للعاطلين عن العمل، انهاء الميلشيات وتوفير الامن في المجتمع، فصل الدين عن الدولة، الحريات السياسية، لذكر بعض منها. اي من هذه الاهداف لا يمكن الدفع بها للامام عبر "البرلمان" الذي هو اساسا سيتكون، بعد الانتصار على داعش، من قادة الميلشيات انفسهم، ومن رجال الدين الذي يمسكون المجد من طرفيه: المال والدين! وشيوخ العشائر، وفاسدين يعلنون عن فسادهم على شاشات التلفزيون وبكل فخر!!! هل بهكذا برلمان ستدفع باي مطلب من مطاليب الجماهير ولو خطوة صغيرة جدا للامام؟ ان الذي يتحدث عن هذه المسائل في البرلمان، كالذي يتحدث في سوق الصفافير!

 

ان برلمانا مكونا من لصوص وفاسدين ورجال ميلشيات يتقاتلون فيما بينهم ويمرغون بعضهم البعض بالارض (الضرب بين العصائب والتيار الصدري او سرايا السلام)، هو وصفة للنهب والفساد والقمع والارهاب، وليس للاستجابة الى مطالب الناس! 100 يوم من الاصلاح التي جاء بها المالكي، وحزمة اصلاحات المالكي، انتهت، وللمفاجاة، بخصخصة الكهرباء!

 

ان تحقيق مطالب الجماهير، وهو مربط الفرس بالنسبة لنا، وانهاء الطائفية التي جلبت الدمار للمجتمع، وتحسين الخدمات، لن يتحقق في "النضال البرلماني" في عراق ما بعد 2003. بل في حركة طبقية عمالية وجماهيرية منظمة وبنضال حقيقي جدي، وسيكون مريرا ودمويا بالضد من احزاب هذه الطبقة المؤتلفة في كيان اسمه البرلمان لاسباغ الشرعية على نفسه! لن تتحقق تلك المطاليب لا بائتلاف دولة القانون ولا النصر ولا الفتح ولا بسائرون ولا بواقفون.

 

هل مقاطعة الانتخابات امر سلبي ويعني الجلوس في البيت دون عمل شيء؟ كلا! لا يعني هذا اطلاقا، بل على العكس تماما. يعني عمل جديد حقيقي ضد الانخداع بهذه "العملية السياسية". ان المرء ليتسائل اذا كانت احزاب الطبقة البرجوازية باحزابها، وميلشياتيها وشيوخ عشائرها ورجال دينها مشغولين باعادة ترتيب بيتهم الداخلي كل اربع سنوات، ما شأن الطبقة العاملة بالبرجوازية بعملية "ترتيب البيت هذه"؟ ان عملنا هو اخراجهم من هذه السلطة التي سرقوا فيها المال العام وافسدوا وارهبوا، وادخلوا داعش، واختطفوا الشبان والصحافيات، وقتلوا المدنيين، واحرقوا وفجروا مقرات الاحزاب، ان عملنا هو ابعادهم عن السلطة لانهم خطر على البشر في العراق، وليس اعطاءهم الختم بلعبة سمجة اسمها" الانتخابات"!، ان عملنا هو تمكين وتقوية الجماهير من اجل ان تقدم الممثلين الحقيقين عن العمال والكادحين والعاطلين عن العمل والنساء ، وتمكينهم للوصول الى السلطة عبر تنظيم أنفسهم على الارض، ومن الاسفل الى الاعلى، وليس السجود امام عمليتهم السياسية! وبالتاكيد ان هذه لمهمة اكثر مشقة واكثر صعوبة من عملية الدخول في هذه الانتخابات التي محسومة ومعروفة نتائجها مقدما!.

 

مقالات