فلاح علوان

بصدد رسالة السيد رائد فهمي الى التحالف الجديد

جاء في رسالة السيد رائد فهمي سكرتير الحزب الشيوعي العراقي الموجهة بمناسبة اعلان التحالف الانتخابي الجديد والمنشورة نسخة منها على صفحة الحوار المتمدن وبالرابط ادناه:

 

 

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=586300 الفقرة التالية:

 

"

تحتل قضايا وتحديات الاقتصاد الوطني مكانة مهمة في مشروع "سائرون"، فلا يمكن رسم افق واعد لبلادنا من دون تحقيق التغييرات والاصلاحات الضرورية للنهوض بواقع الصناعة والزراعة والخدمات الانتاجية وتشجيع الاستثمار الوطني واجتذاب الاستثمار الخارجي، وتقليص الطابع الريعي لاقتصادنا."

 

ان هذا المقطع هو برنامج سياسي وتوجه اقتصادي رأسمالي خالص ولا صلة له بخطاب التحالف، وبالتالي فهو سياسة ثابتة مقرة اصلا وليست تاكتيكاَ يبرره الوضع الراهن. وان نفس هذا التعبير يرد في مقالات الدكتور كاظم حبيب، وفي طروحات الدكتور مظهر محمد صالح مستشار رئيس الوزراء للشؤون المالية، وفي خطب رئيس الوزراء السيد حيدر العبادي.

 

بأمكان السيد رائد فهمي تبرير تحالفه وابرازه على انه تكتيك مرحلي، واصدار ما شاء من الخطب، أما توجهه الاقتصادي المطابق لمشروع العبادي وصندوق النقد والبنك الدولي، فهو سياسه، وهو مطابق لمجمل النظام السياسي القائم، وهو اعلان تمسكه واخلاصه للسياسة البرجوازية القائمة.

 

ان الدعوة للاستثمار، وهو الاسم الذي تستخدمه الحكومة منذ سنوات عنوانا للخصخصة، بسبب الرفض الشعبي للخصخصة عموما، هو بديل البرجوازية لتطوير الاقتصاد من وجهة نظرها ومن مواقعها الطبقية. اي تركيز الثروة بيد حفنة بعد الاستيلاء على ثروة المجتمع، مقابل افقار الملايين. وبالتالي فهذا ليس طرح العمال ولا الاشتراكية ولا حتى الاصلاحية. وفضلا عن هذا ان المثقفين والسياسيين الذين ينتقدون الحزب الشيوعي العراقي، يكتفون بالتعليق على الاطراف المشاركة في تحالف "سائرون" في حين تمر دعوة السيد رائد فهمي للاستثمار والتخلص من الريع وكانها جملة عابرة.

 

ولكن من سيقوم بالاستثمار لن يكونوا من فقراء امريكا واوربا ولا الاشتراكيون، بل الشركات الاحتكارية التي تعتاش على نهب وتجويع قارات بكاملها، وتنظم الانقلابات وتدير الحروب والمجازر، لتعظيم ارباح رأس المال. علما ان المستثمرين لم ينتظروا خطبة السيد رائد فهمي ولا تحالف سائرون، فهم يستثمرون، بل يستولون على العديد من الصناعات الرابحة في العراق منذ سنوات.

 

ان احدى الشركات التي تستثمر في صناعة الاسمنت وهي شركة لافارج التي تستثمر في منطقة بازيان وطاسلوجة في كردستان اضافة الى منطقة كربلاء، قد اعترف رئيسها التنفيذي بأنه كان يدعم داعش في سوريا، لغرض زيادة الدمار وبالتالي زيادة الطلب على الاسمنت.

 

شركات شل، هالبيرتون، برتش بتروليوم BP، اكسون موبيل، كلها تستثمر وتسيطر على الصناعة النفطية، وهي شركات تتدخل في وصول الرؤساء الاميركان للحكم، وتدعم الانقلابات والحروب لتأمين مصالح رأس المال، حتى لو تكلف الامر تدمير بلدان بكاملها.

 

هل هؤلاء هم من يبشرنا بهم رائد فهمي ويعدنا بفتح اسواق البلاد ومنشآته امامهم للاستثمار؟ وحين يقول " تغيير الطابع الريعي لاقتصادنا" هل يعتبر الاقتصاد الحالي اقتصاد اشتراكي لكي يعتبره اقتصاد "نا" وليس اقتصاد رأسمالي تسيطر عليه مافيا معقدة نهابة؟ لِمَ لَمْ يقل انه قد تم نهب الثروة والاقتصاد؟ ربما سيجيب احد المتحمسين من اتباع "واقع الحال" ان التخلص من الريع سيخلصنا من الفساد. اي انه سيحل الامر بان يسلم الثروة رسميا للفاسدين لكي لا يبقى هناك سرقة وفساد بل سيصبح الريع من مستحقات افراد السلطة.

 

وبالمناسبة، كان اسم الحزب الشيوعي العراقي وطوال عام كامل اي لغاية 1935 هو " لجنة مكافحة الاستعمار والاستثمار" وهذا الاسم جزء من تاريخ الحزب المدون، وجزء من التاريخ الذي يعتبره اعضاء الحزب اساس مصداقيتهم ووجودهم السياسي. مالذي تغير من الاستثمار؟ هل هناك استثمار اشتراكي؟ هل هناك استثمار غير رأسمالي وغير امبريالي؟ وهل تحتاج الشركات الاحتكارية العملاقة الى دعاية وترويج؟

 

لست هنا بصدد الحديث عن التحالف وليس غرضي الحديث عن الاطراف التي تحالف معها الحزب الشيوعي العراقي، انا بصدد القول ان خطاب الحزب هو توجه رأسمالي فاضح ولا يرقى حتى الى الاصلاحية.

 

ان الاخطر في الامر هو انعكاس وتأثير هذا الخطاب في اوساط الجمهور الذي لم يفقد الامل بالاشتراكية وبالشيوعيين، حيث سيترك هذا الخطاب الترويجي للرأسمالية أثراً في صفوف اقسام من الطبقة العاملة ومن الجمهور عموما. فاذا كان متخصصون بالاقتصاد مثل الدكتور حسين علوان حسين الذي يترجم وينشر اجزاءاً من الكتاب الرابع من رأس المال " نظريات فائض القيمة" والذي يستعصي على الكثير من غير الدارسين، قد اشاد بالرسالة وبررها ودافع عنها بوجه الدكتور طلال الربيعي الذي انتقدها، فما عسى ان يكون تأثير هذه السياسة على الجمهور غير المطلع على الاقتصاد، وعلى الفئات التي يصل نفوذ الحزب اليها والتي تتأثر بالتعبئة الشعبوية.

 

لم يتراجع خطاب الحشع حتى اثناء تحالفه مع حزب البعث الحاكم اوائل السبعينيات الى هذا الحد، عدا عن توصيف صدام بالفتى اليساري وبكاسترو العرب....الخ.

 

وبما ان الحزب لم يصدر نقدا علنيا للرسالة فهذا يعني انها تمثل خطا سياسيا وليست رسالة او خطبة عابرة.

 

عندما كانت تنطلق تظاهرات العمال الحاشدة ضد الهيكلة والتقشف وضد الخصخصة حتى اواسط عام 2015 وخاصة عمال وزارة الصناعة، كان اعضاء من الحزب الشيوعي يهرعون الى المشاركة في التظاهرات والهتاف مع العمال، وتقوم جريدة طريق الشعب بنشر صور التظاهرات وتظهرها وكأنها من انشطة الحزب. اي حين تتصاعد حركة العمال ينتحل الحزب الشيوعي العراقي شعارات العمال، وحين يتحالف مع البرجوازية يتحدث كاخلص ممثل لمصالح رأس المال والسياسة الاقتصادية الجديدة بابشع صورها. .... ماهذا؟ وماذا يسمى هذا في السياسة؟

 

لماذا لا يبادر النقابيون الشيوعيون والناشطون الذين يحضرون ويهتفون في تظاهرات العمال، الى مواجهة سكرتير حزبهم، ويثبتوا له ان توجهه الاقتصادي هو توجه امبريالي مؤيد للتعديل الهيكلي والخصخصة، وبالتالي لايمكن بناء سياسة غير امبريالية على اساسه، وهو لا صلة له بمصالح الطبقة العاملة سوى صلة العداء وتمثيل مصالح مناقضة لهم؟

 

لا اعتقد ان الاجواء في الحزب الشيوعي العراقي تسمح بالنقد العلني المفتوح امام المجتمع، على رغم وجود الاف الاعضاء المنتمين للحزب بهدف تحقيق مصالح طبقية عمالية واهداف اشتراكية. في حين سيردد الجمع المسيطر والمهيمن، بان الحفاظ على التاريخ والتراث وعبق الماضي اهم بكثير من بناء وسيلة نضالية بيد الطبقة العاملة.

 

ولكن هذا اقرار بان الحزب الشيوعي العراقي اليوم هو حزب يقف في خندق البرجوازية، ويطرح نفس المفاهيم البرجوازية المطابقة لطرح رئيس الوزراء، وطرح صندوق النقد والبنك الدولي. وان الحزب اصبح وسيلة لتبرير الوضع القائم وليس تثويره، وقد لعب هذا الدور في مراحل متعددة من تاريخه، وهو ما يتعارض مع الف باء الماركسية. واذا كان الحزب لا يعرف نفسه كحزب يعتمد المنهج الماركسي، فما احوجه الى تعريف اسسه الفلسفية والسياسية بصورة مكشوفة.

 

لا يمكن ان تخدم سيدين في ان معاً كما يقول الاوربيون عادة نقلا عن الانجيل، اما الله او الشيطان، فاما العمال او رأس المال.

 

ان تخويف الكوادر والشعب المتعاطف مع التاريخ النضالي للشيوعيين بخسارة الارث النضالي، هو خرافة، فبقدر ما يتطور نضال الحزب الطبقي، اي اداء مهامه التاريخية، فان كل خبرات الماضي ستصبح جزءا من حياة ونشاط ومصداقية القضية الطبقية، وستصبح كل تضحيات الماضي جزءا من الحياة المعاصرة للمناضلين وليست ذكريات مرتبطة باناس عاشوا في الماضي. ان الحفاظ على التراث النضالي هو بالتخلص الثوري والمباشر من الطرح البرجوازي الخالص والذي يجري تمريره بأسم الاشتراكية والشيوعية.

 

ان العمال الطليعيين في العراق اليوم والذين يسعون الى تقوية التيار الاشتراكي في صفوف الطبقة العاملة، يعتبرون كل نضال طبقي في العراق ينتمي الى خطهم وينتمون الى خطه، نحن نعتبر المبادرات الاولى للماركسسين الاوائل في العراق والتي سعت الى ترسيخ مفاهيم طبقية اوائل العشرينيات اي قبل سيطرة الستالينية في الاتحاد السوفيتي ونشر نفوذها وفرض هيمنتها على الاحزاب الاشتراكية في العالم ومنها العراق، هي جزء من نضال الطبقة العاملة في العراق. نحن نرى في خطب محمود احمد السيد بين العمال، وفي الحلقات الماركسية الاولى لحسين الرحال، وجريدة الصحيفة المناضلة التي اغلقت عام 1924 هي جزء من التاريخ النضالي الطبقي للعمال وليست من الماضي.

 

اخيرا نقول للسيد رائد فهمي ان الاشتراكية حية، لا بالخطب والشعارات اليساروية، بل كحركة وبديل للعالم المعاصر. وان الخطب التي يرددها القادة السياسيون للحزب الشيوعي العراقي لم تعد حتى مغطاة بقشرة اشتراكية، لقد اصبحت امبريالية بصورة علنية وغير مستورة. ولم يعد للحزب سوى اعاقة بناء وتطور التيار الاشتراكي في اوساط الطبقة العاملة.

 

ان الطبقة العاملة امام الضرورات التاريخية والتحديات القائمة، لن تبقى في الانتظار، وستكون مهمة بناء وسائل نضالية تستند الى العلم التاريخي الذي ارسى دعائمه منظرو الطبقة العاملة، وحمل اسم الماركسية واللينينة بالدرجة الاساس، وسائر القادة الذين ادوا ادوارا تاريخية، احدى المهام الملحة امامها.

 

مقالات