سمير عادل

الشهادة الجامعية والانتخابات

القرار الاخير للمحكمة الاتحادية الذي يقضي بمنع ترشيح اي شخص للانتخابات البرلمانية إذ لم يكن حاصلا على شهادة لببكالوريوس الجامعية، يكشف عن المنحني التصاعدي لحصر السلطة بالأغنياء فقط.

 

القيمون على القرار وعدد ليس قليل من الحمقى الذين لا يرون أكثر من مما تحت اقدامهم، يحاولون ان يرسموا لنا صورة وردية بأنها خطوة نحو محاربة الفساد وايصال ذوي الاختصاص والشهادات والعقول "النيرة" الذي يسمونه بالتكنوقراط الى البرلمان والحكومة، الا ان الحقيقة وعلى المدى الاستراتيجي بالنسبة للسلطة الحاكمة، هي خطة لحرمان العمال والكادحين وبناتهم وابنائهم لترشيح أنفسهم، كي تكون الدولة المرتقبة التي مراد اكمال تأسيسها دولة حفنة طفيلة من الاغنياء، على حساب الاغلبية المطلقة من العمال والموظفين والمحرومين.

 

ان التعليم الجامعي هو حق مكفول للجميع، ويعتبر جزء من رزمة حقوق الانسان، ولذلك نصر نحن الشيوعيين بعدم السماح لخصخصة التعليم كي يتمتع جميع افراد المجتمع به. وكما نوهنا في عدة مناسبات هناك خطة متكاملة دشنتها ادارة بول بريمر بعد الاحتلال مباشرة في خصخصة جميع القطاعات في العراق ومن ضمنها قطاع التعليم. وإذا ما تمعنا في نمو الجامعات الاهلية وتوسع رقعتها على صعيد العراق، ويصاحبه في الجانب الاخر التخطيط المتعمد في تحطيم التعليم الجامعي الحكومي وتدهوره على صعيد المناهج الدراسية، وتقليل معاشات ورواتب الاساتذة ومخصصاتهم للذهاب الى الجامعات الاهلية وتقويض الاقسام الداخلية او عدم الاهتمام في توفير الخدمات لها، وحرمان الطلبة من المخصصات وتفشي الفساد في جميع اروقة التعليم الجامعي..الخ، فهي تصب في مساعي حثيثة لخصخصة التعليم.

 

ان مخطط حرمان العمال وكادحي المجتمع من التعليم الجامعي، يعود الى حقبة الثمانينات من القرن المنصرم، عندما كان العراق يخوض حربا مع ايران مدة ثمان سنوات، فالنظام البعثي احتاج الى بشر لتجنيدهم في حربه القذرة والدموية مع غريمه الجمهورية الاسلامية، فعمل بكل الطرق للحيلولة دون ذهاب اكبر عدد من الطلبة الشباب الى الجامعات وتحويلهم الى سلك الجيش، من خلال الغاء الاقسام الداخلية ومخصصات الطلبة ورفع معدلات النجاح بالدخول للجامعات وتقليل نسبة المقاعد الدراسية، وهكذا جاء الحصار الاقتصادي الذي اطبق بأسنانه ومخالبه على المجتمع العراقي لإكمال ما بدئته الحرب، وحرم الالاف المؤلفة من الشباب في تكملة دراستهم الجامعية، لينتهي باحتلال العراق واقفال دائرة المآسي، حيث اصبح فيها اكثر من 30 % من الشعب العراق يعيشون تحت خط الفقر، فبالكاد يحصلون على رغيف الخبز ويعيشون يومهم فما بالك ان يفكر المرء بالدراسة الجامعية، هذا اذا لم يترك المقاعد الدراسية وهو في المراحل الابتدائية، في الوقت الذي عادت الامية بشكل وحش كبير الى العراق لتجتاح صفوف جماهيره بعد انقراضها في نهاية السبعينات من القرن العشرين.

 

بالنسبة لأولاد "الذوات" من جماعات الاسلام السياسي الشيعي فهي تهيمن على ثروات المجتمع وتسرقها دون اي حساب او كتاب او رادع، فليسوا بحاجة الى التعليم الجامعي الحكومي. فهم يسيطرون بذكائهم الفطري الالهي على صناع القرار، فعلى سبيل المثال وليس الحصر، ابن نوري المالكي الامين العام لحزب الدعوة المدعو احمد الذي تَسَيدَ على الجيش والشرطة والقضاء، والذي تيمن به ابيه في لقاء تلفزيوني عندما قام بغزوة المنطقة الخضراء على احد مالكي العقارات لتجاوزه على املاك الدولة حسب ادعاء نوري المالكي وتسليمه للعدالة الاسلامية، وابن هادي العامري رئيس منظمة بدر ونائب رئيس الحشد الشعبي الذي امر ابنه بمنع هبوط طائرة ركاب بعد اقلاعها من مطار بيروت باتجاه بغداد، لأنها طارت ولم تنتظره اكثر من الوقت اللازم وكاد يعرض المسافرين على متنها لكارثة انسانية، واخيرا وليس اخرا ابن محافظ النجف لؤي جواد حسين الياسري القيادي في حزب الدعوة واسمه جواد ضابط في المخابرات اكتشف مؤخرا امره وهو يتاجر بالمخدرات.. نقول ان اولاد الذوات ليسوا بحاجة الى الدراسة في الجامعات الحكومية، فبمجرد تسجيل اسمائهم في الجامعات الاهلية ودفع الاقساط الدراسية المنهوبة من عرق العمال وثروات المجتمع، فسترسل الشهادة الجامعية بكالوريوس وماجستير والدكتوراه بالبريد المستعجل الى قصورهم بكل ممنونية.

 

كما هو معلوم للجميع وعبر ثلاث دورات برلمانية وخمس حكومات متعاقبة، فليس كل من حمل الشهادة الجامعية، كان فطحلا من فطاحل الاقتصاد او السياسية او الحرب او العلوم بكل انواعها، بل على العكس فأن اعضاء البرلمان العراقي والحكومة العراقية لم يتقنوا العلوم الدراسية التي اغتوا بها عبر شهاداتهم الجامعية، لو افترضنا ان الجميع حاصل على شهادة جامعية دون تزوير او شرائها، نقول لم يتقنوا الا في الثرثرة والسمسرة وامتهان الكذب والنفاق الاعلامي، والتمتع بأيام العطل العديدة وانتزاع الامتيازات والرواتب العالية واستغلال مناصبهم للتكفير عن كل عمليات السرقة واللصوصية والفساد عبر الحج الى "بيت الله"، والمشاركة بالمناسبات الدينية وغسل ذنوبهم التي لا تغتفر لا في الدنيا ولا امام الجموع الغفيرة من العمال ومحرومي المجتمع. وهكذا فكل من يعتقد ان مشكلة الفساد في العراق والازمة الاقتصادية التي نتج عنها سياسة التقشف ودفع ثمنها فقط العمال والموظفين والعاطلين عن العمل، بسبب وجود اشخاص في البرلمان لا يحملون شهادات جامعية او عدم وجود حكومة تكنوقراط، فأنه قرر ان يدون اسمه في موسوعة غينس للحمقى والاغبياء.

 

واخيرا نقول ودون اية مبالغة بأن العمال وعلى سبيل المثال عمال القطاع النفطي الذين يديرون ٩٠٪ من الاقتصاد العراقي، وان اغلبهم لا يملكون شهادات جامعية للأسباب التي ذكرناها، بإمكانهم ان يحكموا البلد، ويديروا دفة السلطة أفضل بما لا يقاس ولا يقارن مع حفنة اللصوص والسراق حملة الشهادات الجامعية في الحكومة والبرلمان. وعليه ان خلفية القرار المذكور تكمن في رعب السلطة الاسلامية الحاكمة من تسلل ممثلي العمال والمحرومين في المجتمع يوما ما الى مركز القرار.

 

مقالات