احمد عبد الستار

لاغارد ناصحة للحكومات العربية

في خبر ورد في وسائل اعلام عديدة عالمية ومحلية، اثناء حديثها في "منتدى المالية العامة في الدول العربية"، نصحت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستين لاغارد الدول العربية على خفض رواتب القطاع العام والدعم الحكومي... من أجل ضبط الانفاق وتحقيق نمو قابل للاستمرار وخلق وظائف" ورحبت" بالإصلاحات "الواعدة" التي تبنتها بعض الدول العربية، لكنها شددت على وجوب اتخاذ المزيد من الخطوات للتغلب على مشكلات اقتصادية واجتماعية كبيرة.

 

وحتى لا تؤخذ نصائحها مأخذ بعيد وتفسر تفسير في غير موضعه، ارجعت اسباب حرصها ونصائحها لأجل "خلق وظائف للشباب العرب" "لأن البطالة بين الشباب هي الأعلى في العالم. كما تقول فإن معدلها 25 بالمئة وتتعدى 30 بالمئة في تسع دول"، وبشرت بأن "أكثر من 27 مليون شاب طامح سينضمون إلى سوق العمل في السنوات الخمس القادمة".

 

وعلى ما يبدو من خلال تحفيزها على الاصلاحات، نلمس مدى التمسك برفع الدعم الحكومي عن الطاقة ومواد الإعاشة للعمال وغالبية الجماهير الفقيرة، لأنها حسب ما ترجع ذلك خلال حديثها في هذا اللقاء "مكلفة جدا"، وتؤكد بكل ثقة "ليس هناك حقيقة أي مبرر لمواصلة استخدام دعم الطاقة". ودعم الطاقة, تقصد في البلدان النفطية التي تدعم مشتقات البترول للاستهلاك المحلي، وكانت السعودية والإمارات بالخصوص قد رفعت الدعم عن الوقود وباقي المشتقات النفطية بسبب حاجتها لتوفير المال لدعم تكاليف الحرب باليمن، وكان ذلك مرحبا به من قبل لاغارد واعتبرتها مثل من الضروري الاحتذاء به، من امثلة السياسة النيوليبرالية واقتصاد السوق الذي تنتهجه الدول الغربية.

 

صندوق النقد الدولي كمؤسسة امبريالية بامتياز مشهود لها وعلى مستوى العالم، ما تخلفه شروطها وسياساتها التي تجبر دول العالم المدينة لها على انتهاجها، من اثر سلبي غاية بالخراب. وهذه المؤسسة ومنذ تأسيسها بإعقاب الحرب العالمية الثانية، أرسيت دعائم وجودها الاولى من اجل الحفاظ على سلامة الاقتصاد الرأسمالي العالمي مثل اعلن حينها عند بدايات التأسيس، كيفية إملاء الشروط على الحكومات المحتاجة للمال اجبرتها على تدمير اقتصادات بلدانها وحولت كثير منها الى خراب عانى منها العمال وعموم شرائح المجتمع الفقيرة، وقد شهد اقتصاد اليونان على سبيل المثل تدميرا مبرمجا وتراجع كبير لا زالت تداعياتها متواصلة الى اليوم، والتي بلغ نسبة ديون للناتج تفوق 175% في عام 2015. وكذلك ما سمي "بالعقد الضائع" من حياة جماهير البرازيل التي دفعت للصندوق بين عامي 1985 و1989 ما يقارب 150 مليار دولار 90 مليار منها فوائد للدين، وقد دمرت حياة خمس ملايين فلاح برازيلي والحقوا بطوابير العاطلين بالمدن المكتظة بالبطالة، وكذلك تدخل الصندوق بالسياسة الاقتصادية للأرجنتين التي ادت الى انحدار المستوى المعيشي الى مستويات قياسية افلست الملايين وافقرتهم، من خلال اكبر خطة شهدتها الارجنتين لخصخصة النفط والغاز، والمياه، وشركات الكهرباء والبنوك الحكومية، ثم خصخصت الأرجنتين حتى نظام الضمان الاجتماعي، وتم تحويل الكثير من مخصصاته إلى حسابات خاصة، معظمها خارج الحدود، ودن الخوض بالتفاصيل يعرف العالم ايضا ما شهدته مصر وتركيا واندونيسيا وماليزيا ودول كثيرة في افريقيا ومن آسيا ومن اوروبا الشرقية، وهذه بلدان كأمثلة تم تدميرها لأن الصندوق "يهدف إلى تشجيع استثمار رؤوس الأموال بغرض تعمير وتنمية الدول المنضمة إليه والتي تحتاج لمساعدته في إنشاء مشروعات ضخمة تكلف كثيرا وتساعد في الأجل الطويل على تنمية اقتصاد الدولة".

 

لكن الحقائق التي لا لبس فيها بعيدا عن العبارات الفضفاضة تؤكد إن العبء الاكبر يقع على عاتق الملايين وافقارهم الى حد المجاعة احيانا، ونزع لحم الناس عن عظامها لإشباع جوع رأس المال للمال الذي لا ينتهي وليس له حدود.. لقد شبه ماركس جشع الرأسماليين للاستغلال بـ "جوع الذئاب". كما قال ايضا: "إن الرأسمالية جاءت إلى الوجود وهي تنزف دماً وقذارة، من جميع مسامها، من رأسها وحتى أخمص قدميها". ولقد جاء صندوق النقد الدولي الى الوجود وهو يقطر خصخصة ورفع الدعم عن المواد الغذائية الاساسية لمعيشة الناس، وهو الذي تبشر به لاغارد وتنصح الاخرين بالعمل به.

 

مقالات