نادية محمود

افلاس وتهافت الخطاب الانتخابي الشيعي!

ضمن حملته الانتخابية صرح عباس البياتي، المرشح عن تحالف النصر الذي يقوده العبادي، بان التحالفات الشيعية الخمسة (النصر والقانون والفتح والحكمة وسائرون) بانهم "اصحاب الكساء"! واصحاب الكساء "هم في العقيدة الشيعية محمد وأبنته فاطمة وزوجها علي، واولادها الحسن والحسين"، ويعتبرون وفقا لهذه العقيدة "اسمى من خلق في الكون" ولا يجوز لاحد اي كان التشبه بهم.

 

هذه التصريحات من طرف البياتي تدلل على مجموعة حقائق وهي:

 

اولا: مدى رثاثة وبؤس الخطاب الانتخابي للاحزاب الشيعية. ان اللجوء الى هذا النوع من الخطاب يؤكد على مدى افلاس هذه الاحزاب نفسها وعجزها عن التعهد بتقديم اي شيء للناخب، فلا برامج اقتصادية ولا برامج اجتماعية، ولا مشاريع ولا خطط للمستقبل. فقط المضي الى دغدغة مشاعر المسلمين وبالاخص الشيعة منهم، باستخدام استعارات وخطابات دينية يسعون فيها الى اسباغ القدسية على أنفسهم، علهم يحصلون على اصوات. وواقع الحال، ان هذا الخطاب جاء متاخر جدا جدا، فالملايين ادركت وبتجربتها الحية والواقعية واليومية ان هذه الاحزاب وشخوصها، ماهم الا سراق ولصوص وفاسدين ولا يعنيهم لا من بعيد ولا من قريب الملايين التي يريدون منها اصواتها فقط، ليقوموا بالنهب والفساد.

 

ثانيا: ان هذا النوع من الخطاب الانتخابي هو تقليعة جديدة بعد ان فشلت الشعارات الانتخابية السابقة. ان مواصلة هذا النوع من الخطاب الانتخابي لم يعد مجديا مع الجماهير التي خبرت على امتداد عقد ونصف سياسات وممارسات عباس البياتي وامثاله وحزبه وتحالفاته، وهو تقليعة جديدة. لقد استخدمت احزاب الاسلامي السياسي الشيعي من قبل في حملاتها الانتخابية لاعوام 2005 و2010 خطابا يثير مشاعر التخويف وارعاب الناخبين، من عودة البعث ومجازره في حالة امتناع العراقيين المشاركة في الانتخابات وعدم التصويت لهم. الا ان هذا الخطاب قد فقد مفعوله وتأثيره في الانتخابات، فرفض الجماهير للاحزاب الاسلامية اصبح واضحا كالشمس، لذلك اراد المرشحون الشيعة المضي الى اخر حد يمكن ان يصلوه وهو انهم يمثلون "اصحاب الكساء"!

 

ثالثا: لم تخدع هذه الشعارات الاخيرة الجماهير التي وقفت ضد هذا الاحزاب وسياساتها وشعاراتها. لقد سأمت واتخمت الجماهير بكذب وصلف ورياء هذه الاحزاب وشخوصها. وقد عبرت عن موقفها من هذه الاحزاب بتظاهراتها المليونية في عامي 2011 و2015، وبرفعها مختلف الشعارات الرافضة لهذه الاحزاب جملة وتفصيلا. ولم تضف تصريحات البياتي الا كذبا جديدا، لم ينل الا سخرية واستهجان الجمهور الذين يريدون اصواته. لقد رددت الجماهير الاف المرات في تظاهراتها: باسم الدين باكونا الحرامية!

 

رابعا: ان من ثار غضبه من تصريحات البياتي هو الاحزاب والميلشيات المتنافسة فيما بينها ومع بعضها البعض. اليعقوبي، المرجع الديني لحزب الفضيلة وواثق البطاط قائد ميلشيات جيش المختار، قد ردا على تصريحات اخوهم بالاسلام البياتي. ولكن اذا كان الاول ردا ناقدا، رد الثاني مهددا بالقتل ودعوة المجاهدين الى القيام بما يتوجب عليهم القيام به والا لن يستحقوا كلمة "مجاهد"! اي التهديد بالقتل من قبل قائد ميلشيا شيعي لمرشح برلماني شيعي! انه استخدام الارهاب وبشكل علني ومصور وعلى شاشات التلفزيون وفي رابعة النهار! واين هي "الحكومة" و"الدولة" التي تجري المنافسة "الديمقراطية" لادارتها، في ألرد على هكذا دعوات ارهابية في اجواء "المنافسة الديمقراطية"! ففي اخر المطاف، لم يرفع البياتي سلاحا، بل نطق كذبا لخداع الجمهور على اية حال! فما هو الرد على الدعوات بالقتل والارهاب، من قبل "الدولة" ان كانت هنالك دولة بالاساس؟!

 

 

خامسا: ان تصريحات البياتي تؤكد وعن حق بان حصة الاسد في المقاعد البرلمانية القادمة ستكون محجوزة وموزعة ومقسمة على هذه الكتل الخمسة ابتداء، ضمن المحاصصة الطائفية بين الشيعة والسنة ومحاصصة شيعية- شيعية ايضا. وانها محجوزة مقدما لهم اي كانت نتائج الانتخابات. فاية ديمقراطية انتخابية لمن لا زالوا يعتقدون بالدخول في هذه الانتخابات؟!

 

اخيرا: لم تثر تصريحات البياتي غضب العلمانيون، فالعلمانيون يطالبون ومنذ عام 2003 بفصل الدين عن الدولة، من اجل ان يكف اشخاص مثل البياتي واحزاب مثل الاحزاب التي ينتمي لها البياتي وامثاله عن زج الدين بالسياسة باضفاء القدسية على انفسهم، من اجل ارهاب وارعاب الجمهور الذي قد وربما تنطلي عليه مثل هذه الخزعبلات التي اثارت غضب اخوتهم في الاسلام قبل ان تثير اي احد اخر. العلمانيون يطالبون بتاسيس دولة علمانية، دولة يخرج فيها الدين ومؤسساته وميلشياته من حياة الناس من اجل ان ينعموا بمجتمع يحترم في اقل تقدير عقل الانسان وارادة الانسان وخيار الانسان. العلمانيون يسعون من اجل اخراج المجتمع من الاوضاع الكارثية الذي خلقتها احزاب الاسلام السياسي بنهبها وفسادها الذي فاق الخيال، واستخفافها بحياة وعقول الملايين التي تريد الضحك على ذقونهم المرة تلو المرة، وانتخابات بعد انتخابات، بذريعة "الممارسة الديمقراطية" و"ايجاد حلول للمجتمع، بواسطة وعبر، ومن خلال التنافس بين هذه الاحزاب ومع هذه الاحزاب من اجل اصلاح الوضع وتامين حياة افضل للناس". الامر الذي تثبت كل مرحلة انتخابية وما بعدها كذب هذه الترهات، والناس ما كفوا عن عض اصبع الندامة.

 

ان ما يجري هو ليس " نهاية التاريخ" على حد تعبير فوكوياما، ان نمطا اخرا للتعبير الحقيقي عن ارادة الناس وخيارها السياسي امر ممكن، حين تفصل الجماهير خطها وصفها عن هذه المهزلة التي اسمها الانتخابات، وان تفرض نظاما انتخابيا اخرا من الاسفل الى الاعلى لاولئك الذين يمثلون الجماهير من كل معمل ومصنع وحقل ومدرسة وجامعة وحي، تمثيلا حقيقيا، وبهيئات تقررها الجماهير، ولا تفرض عليهم فرضا وكذبا وبشراء الذمم وبشراء الاصوات وبالارهاب والتزوير.

 

مقالات