سمير عادل

صعود نجم الاسلام السياسي في المنطقة، يعود الى تبوء الملالي السلطة في ايران بعد اجهاض ثورة عام ١٩٧٩ وبدعم الغرب، للتصدي الى نهوض العمال والحركة الشيوعية واليسار عموما في خضم الحرب الباردة. ولو لا قيام الجمهورية الاسلامية على جماجم الاف من الشيوعيين واليساريين ودعاة الحرية والمساواة، لما استطاع الاسلام السياسي في احراز موطئ قدم لا في المجتمع الايراني ولا في المجتمعات الموصوفة بالعربية ولا حتى في العالم.

 

اليوم تتصاعد حدة الاحتجاجات في جميع ميادين المجتمع الايراني، وتحتل احتجاجات النساء موقعا متقدما في النضالات الجماهيرية. وبالرغم من آلة القمع ودولايب الاعدامات التي لم تتوقف منذ نصب المقاصل في عام ١٩٨٠ وحتى الان، الا ان الجمهورية الاسلامية فشلت في قمع احتجاجات النساء من اجل المساواة. ان تمدد حركة الاحتجاجات النسوية في ايران ضد الحجاب هو احدى مظاهر كسر الخوف والرهبة التي مارستها الجمهورية الاسلامية على المجتمع الايراني. وليس عبثا ان يطالب عدد من الملالي في ايران بقتل النساء "انظر الى التقرير المنشور في هذا العدد ٤" اللواتي لا يرتدن الحجاب. فيمكن للإسلام السياسي الحاكم في اي مكان ان يغض الطرف على مضض على الاحتجاجات العمالية، بحجة انها ليست ضد النظام وانها اقتصادية صرفة، لكنه لا يمكن غض الطرف عن نزع الحجاب او لنقول بشكل اخر لتمرد النساء على الاعراف والتقاليد والقوانين الاسلامية.

 

ان الرعب الذي ينتشر في صفوف الجمهورية الاسلامية والتي تظهر في التصريحات المتناقضة لمرشد الجمهورية الاسلامية، التي تارة يقول ليس هناك عدو خارجي وراء الاحتجاجات، وتارة اخرى يقول انها تخدم الاعداء، والتصريح الاخير لروحاني الرئيس الايراني الذي قال من الممكن ان يكون مصيرنا مثل مصير نظام الشاه اذا لم نرد على مطالب الجماهير، او الدعوة لقتل النساء المذكورات انما تعبر عن الازمة المتفاقمة للجمهورية الاسلامية.

 

واذا ما حصرنا موضوعنا عن الاحتجاجات في أيران حول النساء، فأن هوية الاسلام السياسي تعبر عن نفسها باضطهاد النساء وفرض الخنوع عليهن. اي بلغة اخرى ان مشكلة الاسلام السياسي مع المرأة، بجميع تلافيفيه شيعييه وسنييه، داعشه وطالبانه، سعودييه وايرانييه، هي مشكلة هوياتية. فالأمر يتعدى بأنه في الاسلام المرأة اقل من الرجل، وان الرجال قوامون على النساء، وعليه لهم حق اي الرجال في تعدد الزوجات وفي ضعف حق المرأة في الميراث وفي حرية اللبس، وحق تبوء المراكز القيادية، وحق التحرش الجنسي وحق اغتصاب الاطفال الاناث عن طريق مؤسسة الزاوج او مؤسسات الدعارة مثل زواج المتعة والعرفي، وحق سبي النساء من اللواتي من غير اهل الكتاب، وحق تأديب النساء "العنف المنزلي"، انما يكمن باهتزاز سلطة الاسلام السياسي واعتباره وعنجهيته في المجتمع وبالتالي سيفتح الطريق لانهياره لو حدث خلل في المعادلة المقدسة، معادلة انعدام المساواة بين الرجل والمرأة لصالح الاخيرة.

 

ان المحاكمة التي يحاول الاسلام السياسي تسويقها للمجتمع حول مفاهيم الحلال والحرام وخداع البسطاء من الناس حولها مشروطة ان تكون خارج سياق السلطة وعدم المس بأسسها. وفي نفس الوقت غير مرتبطة بعمل الخير وبتطبيق صحيح الاسلام والخوف من الدنيا الاخرة وعقاب الله، للجم ثورة الجياع والمعوزين على اولياء الله على الارض، اللذين ينهبون الدنيا بينما تترك الاخرة للذين لا حول له ولا قوة. فعلى سبيل المثال وليس الحصر، فالجمهورية الاسلامية لم تعط رواتب قطاعات عمالية وخدمية وحكومية كثيرة منذ اشهر، وشرارة الاحتجاجات التي اندلعت في نهاية العام الماضي في مدينة تبريز كانت اساسها بأن مؤسسة مالية نهبت اموال المودعين من المواطنين التي يقف ورائها مسؤولين في الجمهورية الاسلامية، والاموال التي تسرق من عرق العمال ومن الثروات النفطية تبذخ على الحرس الثوري وقادته ومشاريعه خارج ايران، وكل هذا غير مرتبط بالحرام والحلال. وان مستشار مرشد الجمهورية الاسلامية علي ولايتي يجلس في خندق اللصوص والنهابين من افراد العملية السياسية في العراق للتهجم على الشيوعيين والليبراليين، وكل هذا غير متربط بالحلال والحرام. ولكن عندما تصل المسالة الى خلع الحجاب من قبل النساء، فترتعد الدنيا مع فرائصها، لأنه رمز التنديد والتمرد وتمزيق هوية الاسلام السياسي. واذا ما تذكرنا يوميات دولة الخلافة الاسلامية في الموصل والرقة، فدشنت بفرض الخمار على النساء والفصل بينهن وبين الرجال وارغامهن بأشكال مختلفة بالزام البيت وتشريع القوانين المعادية لحد النخاع ضد النساء، وهكذا بالنسبة للجمهورية الاسلامية التي دشنت هي الاخيرة ايامها بالرجم بالحجارة حتى الموت للمرأة التي لها علاقة خارج مؤسسة الزواج الاسلامي وفرض الحجاب عليها. الخ. ولا معنى لسلطة الاسلام السياسي دون فرض الاذعان والخنوع بكل الاشكال على المرأة. ولذلك انها ترى في نزع المرأة للحجاب نهاية لسلطتها الدنيوية.

 

لقد قال القائد الشيوعي منصور حكمت، ان الثورة المقبلة في ايران هي ثورة النساء، وتدل الاحداث منذ نهاية العام الفائت وحتى يومنا صحة نبوءته. ان ميزة الاحتجاجات التي تندلع في ايران تكمن بأن حاجز الخوف والرعب من آلات القمع للجمهورية الاسلامية قد انهار الى جانب تبدد الاوهام حول الاصلاحيين التي لم يكونوا الا مهندسين فاشلين لترقيع نظام الجمهورية الاسلامية وانقاذه من السقوط. لقد اصاب الرئيس الايراني حسن روحاني عندما قال بأن نهايتهم ستكون مثل نهاية نظام الشاه اذا لم يستجيبوا لمطالب الجماهير. فطبقة الملالي البرجوازية الحاكمة في ايران غير قادرة على عبور ازمتها الاقتصادية والسياسية، ونفذ ما في جعبتها من بدائل التي وصلت اوجها في صعود ما يسمى بالإصلاحيين، وعندما تتمرد النساء، فيعني نسيم الثورة بدئت تهب، وعندها سيكون نهاية للإسلام السياسي في المنطقة برمتها.

 

 

 

مقالات

سمير عادل

05/03/2018