هدى الجابري

التحرش الجنسي بين التبرير والواقع

جريمة التحرش الجنسي بالنساء والفتيات في المجتمع العراقي بدأت تتزايد بشكل مثير للتساؤل وبالقدر نفسه مثير للانزعاج والقرف. الكثير يدعي ان التحرش الجنسي هو مشكلة أجتماعية، لكن الحقيقة ان التحرش الجنسي بالمرأة يجب ان يعتبر جريمة أجتماعية يستحق فاعلها العقوبة والمحاسبة القانونية، لما تتركه من تأثيرات سلبية واجتماعية على الشخص الذي وقع عليه التحرش الجنسي، مثل عدم الثقة بالذات، عدم الثقة بالاخر وبالمجتمع، الانسحاب من المشاركة الاجتماعية وخلق جو من القلق والخوف والرغبة في الانزواء وعدم التواصل مع الحياة الاجتماعية والعملية بسبب الخوف من الاخر.

 

أحب هنا ان اتعرض الى تعريف معنى التحرش الجنسي وايضا ماهية أشكاله. يُعرف التحرش الجنسي بالمقاييس العالمية والتي أتفق عليها خبراء حقوق الانسان، علماء الأجتماع، ناشطات حقوقيات وأختصاصيون أخرون على انه "أي تصرف أو تعرض غير مرحب فيه وغير مرغوب فيه من احد الجنسين على الجنس ألأخر وبدون موافقة هذا الأخر". عليه من المهم أولاً التركيز والتأمل بوعي في الكلمات التالية وشرحها:

 

1-

هو "تصرف"، التصرف يعني فعل مادي وملموس ومحسوس قام به شخص معين وهو الفاعل على شخص اخر.

 

2- "

تعرض غير مرغوب فيه" ويعني مرفوض ومستهجن أجتماعيا ومنافي للقيم الانسانية.

 

3- "

بدون موافقة الجنس الأخر" ويعني ان الفاعل قد قام به بالضد عن أرادة الاخر وبدون موافقته.

 

التحرش الجنسي ممكن ان يكون لفظي، جسدي، ونفسي ومن اشكاله:

 

-

لمس جسد الجنس الاخر كالشعر، الايدي، الاكتاف، او اي جزء من الجسم من دون موافقة الجنس الاخر..

 

-

ارسال الرسائل الخطية والالكترونية مع الايحاءات الجنسية وبدون موافقة الجنس الاخر..

 

-

التعرض بالالفاظ والعبارات الموحية الى وبدون قبول او موافقة الجنس الاخر..

 

-

أطلاق الاسماء والالقاب التي تنعت الجنس الاخر بالاوصاف الجنسية..

 

-

القرص، عض الشفاه، النظر بطريقة توحي الى الميول الجنسية او الرغبة..

 

-

طريقة الوقوف التصفير والغمز والمتابعة او المشي وراء الجنس الاخر واعتراض سبيل الاخر في الطريق..

 

والكثير الكثير من التصرفات المفروضة على الشخص ألاخر التي تصل أحيانا الى الاغتصاب.

 

أذا لماذا يعزي أغلبية الرجال التحرش الجنسي على المرأة وهم الذين يقومون فيه في المجتمع العراقي؟ بعض الرجال يصرون على ان طريقة لبس المرأة ومظهرها الخارجي يثير الرجال ويدعوهم ضمنيا الى التحرش. أسبابا مثل وضع المكياج، عدم لبس الحجاب، الملابس المغرية، الخروج من البيت، واسباب اخرى من المخجل ان تصدر من اناس لديهم ولو ابسط قدر من العقل والمنطق. وهم ينتقدون المرأة على التحرش الجنسي الذي هم من يقوم به. الرجال قاطبة القوا اللوم على المرأة واخلو سبيل انفسهم من المسؤولية.

 

السؤال الملح هو لماذا يلقون اللوم على المرأ ة؟ ألا يخطر في بال الرجل أنه هو "الرجل" وليس المرأة هو من قام بفعل التحرش؟ ألم يخطر في باله وهو يقوم بفعل غير مرغوب فيه ان هذا الفعل مستهجن ومرفوض.. وانه ستثور ثائرته أذا تعرضت واحدة من نساء عائلته لنفس الفعل من التحرش؟ ألا يخطر في باله ان يتحمل مسؤولية هذه المشكلة ولو حتى بجزء منها بافتراض ان هناك أسباب موضوعية أخرى اكبر من المرأة والرجل وتعود الى المجتمع وأزمته ألاقتصادية والسياسية والاجتماعية والاخلاقية؟ ألا يعترف الرجل بدوره في تفاقم المشكلة او يفكر بالقضاء عليها جنبا الى جنب مع المرأة، غير ألقاء اللوم على النساء؟ لقد جرت تغذية تصور الناس بضرورة زيادة الضغط والسيطرة على النساء في الوقت الذي من المفروض ان يعمل الرجال يدأ بيد مع النساء للقضاء على هذه الجريمة ومعالجة اسبابها. بالتاكيد الموضوع هو أكبر بكثير من ان يحل بشكل فردي او اخلاقي، وتعود اصوله الى التربية الاجتماعية والاخلاقية والدينية التي تربى عليها هذا الشخص المتحرش.

 

هذا التصرف هو انعكاس لمنظومة كاملة من المفاهيم القائمة على عدم المساواة بين الجنسين وسيطرة الرجل وموقع المرأة الادنى في المجتمع العراقي. ثقافة المجتمع القائمة على فصل النساء عن الرجال وتحجيم دور المرأة ودفعها الى العودة للعمل المنزلي وتربية الاولاد، اعتبار المرأة كسلعة وموضوع للعملية الجنسية، انعدام التوعية والتعليم القائم على التفكير العلمي والمنطقي واعتماد التعاليم الدينية كاساس لبناء المجتمع، انعدام فرص المرأة بالعمل وتقوية موقعها الاقتصادي في العائلة والمجتمع، غياب الدستور والقوانين التي تحمي المرأة من اي تعرض غير مرغوب فية.

 

كل هذه الاسباب يجب ان تفهم وتدرس وان يعمل الرجال مع النساء في العراق يدا بيد للقضاء عليها من خلال المطالبة بتغيير القوانين المبنية على التفرقة الجنسية، العمل على المطالبة باستحداث دستور يحمي الحقوق المتساوية بين الرجال والنساء ويجرم أي اعتداء مهما كان صغيرا ويعاقب مرتكبه، ايضا العمل على التوعية الاجتماعية وتغيير الفهم الاجتماعي في ان المرأه كائن ضعيف ومن السهل الاساءة او الاعتداء عليها. واخيرا احب التذكير ان القاء اللوم على الاخر هو طريقة للتملص من اي مسؤولية وايضا أنه اسلوب قديم حتى الاطفال مهما كانو صغاراً في العمر يتقنوه. لننظر الى الامام بحب ونعمل جميعا لمستقبل افضل بلا تحرش..

 

مقالات