سمير عادل

الشيوعية والحملات المسعورة ضدها

في لقاء لنا قبل ايام مع اذاعة "شعب كردستان" القسم العربي والتابع للاتحاد الوطني الكردستاني، طرح سؤال لماذا الشيوعية اليوم في العراق ضعيفة؟.

 

وعبر هذا العمود نود استغلال هذه المناسبة لمشاركة قارئ صحيفة "الى الامام" باستعراض ردنا على السؤال المذكور للإذاعة، كي يكون مدخلا لتسليط الضوء على الحملة المسعورة ضد الشيوعية من قبل رجالات الاسلام السياسي. هناك اسباب موضوعية ليس هنا المجال للخوض فيها، لكن نستطيع تلخيصها بشكل سريع؛ بانهيار الاتحاد السوفيتي، سوقت الاقلام المأجورة من مفكري واقتصادي وسياسي البرجوازية الى الرأي العام العالمي، على ان ما انهار ليس شكل من اشكال الرأسمالية التي هي رأسمالية الدولة، بل هي الاشتراكية، كي تشن حملة مسعورة على الشيوعية التي ابدا هي مرادفه للرفاه والحرية والكرامة الانسانية. لقد استطاعت البرجوازية في جميع الميادين، الايديلوجية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية ان تفرض تراجعا مهولا على الطبقة العاملة التي هي الاساس الطبقي للشيوعية. فكما الفكر الليبرالي والديمقراطي والقومي والاسلامي تستند على الاساس الطبقي البرجوازي فأن الشيوعية والاصلاحية النقابية والفوضوية هي الاخرى تستند على الطبقة العاملة. فليس هناك شيوعية مادية وملموسة بدون وعائها الطبقي، كما ليس هناك ليبرالية وديمقراطية او قومية او اسلامية دون وعائها الطبقي البرجوازي.

 

واليوم على الصعيد العالمي، فأن الطبقة العاملة في طور الدفاع وتحاول جاهدا ان تحافظ على ما تبقى من مكتسباتها الاقتصادية والاجتماعية. ما نريد ان نقوله، بعبارة اخرى أن ضعف الشيوعية مرهون بضعف طبقتها وحركتها العمالية. اما في العراق، فالحالة اكثر تعقيدا مقارنة مع البلدان التي يسودها الاستقرار السياسي والامني، فقمع الحركة العمالية بشكل وحشي من قبل النظام البعثي الذي لعب دورا محوريا بالفصل بين الماضي النضالي العريق وحاضر الحركة العمالية، والحصار الاقتصادي والحروب الثلاثة المدمرة، وتحطيم كل ما تبقى من ركائز المجتمع المدني بفعل الاحتلال، اضافة الى عوامل اخرى ادت الى تراجع الحركة العمالية بشكل مهول مقارنة بالتاريخ النضالي للطبقة العاملة في العراق.

 

ان هذه المقدمة السريعة التي نوردها هي من اجل التوضيح بأن الشيوعية ليست حزمة افكار كما يحاول ان يصورها رجالات الاسلام السياسي، وليس مشكلتها مع الايديلوجية الاسلامية هي عقائدية كما قلنا في مناسبة اخرى، بل تكمن بالصراع الطبقي، بين الطبقة العاملة التي رايتها الشيوعية وبين البرجوازية التي يرفع رايتها اليوم في العراق التيار الاسلامي. فعلى سبيل المثال لا الحصر، ان الفتوى الشهيرة لمحسن الحكيم "الشيوعية كفر والحاد" بعد انقلاب تموز ١٩٥٨، كانت للرد على قانون الاصلاح الزراعي الذي جرد الاقطاع من اراضيه وقام بتوزيعها على الفلاحين الفقراء وتغيير قانون الاحوال الشخصية لصالح المرأة. اي ان الفتوى جاءت مناصرة للإقطاع والقوى الرجعية ومحاولة حثيثة لإنقاذ ما تبقى من العلاقات الاقطاعية.

 

ان الشيوعية كما كان ردنا في المقابلة، يجب الفصل بينها كأفكار وبين الشيوعية كحركة سياسية - اجتماعية. ان القوى الاسلامية تدرك بأن جميع مسمياتها الاسلامية من الدعوة والعمل الاسلامي والمجلس الاسلامي ودولة القانون والنصر والحكمة، اصبحت مرادفة للسرقة والنهب وسياسة التقشف والخصخصة والقتل الطائفي والمليشيات المجرمة، والاعتقالات العشوائية والسجون السرية والقبور الجماعية والتفنن بالتعذيب والقتل ..الخ. اي بشكل اخر ان تلك القوى واعية لإفلاسها السياسي والاجتماعي والفكري، وان كل ادعاءاتها خلال أكثر من عقد ونصف بأن الشيعة اغلبية وهناك مظلومية تاريخية على الشيعة وصلت الى الافلاس المطلق بامتياز، ولا تستطيع من خلالها مرة اخرى في تعبئة المجتمع.

 

ان القوى الاسلامية على يقين ايضا، بأن الشيوعية المهادنة، والشيوعية التي ترتمي بأحضان الاسلاميين، والشيوعية المتخندقة مع السراق والنهابة من القوى الاسلامية تحت عنوان الحفاظ على العملية السياسية، والشيوعية التي اضفت الشرعية على التقسيم القومي والطائفي من خلال المشاركة بمجلس الحكم الذي اسسه الاحتلال، والشيوعية المدافعة عن اقتصاد السوق، والشيوعية التي تتملق للقوى الاسلامية في مناسباتها، هي صديقتها ورفيقتها بالدرب وواثقة منها، واصبحت اي تلك الشيوعية نافذة المفعول او خارج الصلاحية "Expire" لاستخدامها بضرب الحركات التحررية والمساواتية والساعية الى بناء عالم افضل للإنسان. وهي ليست الشيوعية التي تسطر الفتاوى ضدها واعلان الحرب عليها. انها تعرف جيدا، بأن الشيوعية التي تشن حملات مسعورة عليها هي البديل عنها على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي، هي تفضحها على جميع الاصعدة، هي جريئة ومبدئية بالدفاع عن الانسان في العراق وبغض النظر عن جنسه وقوميته وعرقه ودينة وطائفته، وتسعى بشكل حثيث لتقصير عمرها وانهائها، لأنهاء كل المآسي التي سببتها للجماهير، ولذلك تخشى ان تتقوى حركتها السياسية والاجتماعية، لأنها مدركة تماما ان جماهير العراق جربت مرة القومية العربية واخرى الاحتلال التي جاء باسم نشر الديمقراطية، واخيرا جربتها هي اي القوى الاسلامية، فلم يكون مصيرها الا الدمار والخراب والآهات والحسرات. نعم ان الشيوعية كحركة سياسية واجتماعية ضعيفة في العراق، ولكن نفوذها المعنوي والاجتماعي يكبر كل يوم في اوساط النساء والشباب والعمال، وهذا ما يرعب القوى الاسلامية. واخيرا اختتمنا ردنا على السؤال المذكور، بالرغم من كل نقاط الضعف التي تحيط بالحركة الشيوعية، فهناك شيئين يجب الاشارة اليها، لو كانت الشيوعية لا شيء في المجتمع لماذا هذه الحملات المسعورة عليها؟! والشيء الثاني هو اننا موجودين بالرغم من كل شيء، وان مهمتنا ورسالتنا تكمن في تقوية هذه الحركة

مقالات

سمير عادل

05/03/2018