نادية محمود

من هو المسؤول عن عزوف الناس عن الانتخابات ومقاطعتها؟

يردد مسؤولوا الاحزاب الشيعية بان مقاطعة الانتخابات ستؤدي الى دفع العراق الى المجهول، ستؤدي الى ازمة، وان من يقاطع الانتخابات هم بعثيون (ربما وان لم ينتموا!!). لكن السؤال الأهم الذي لم يطرحه اولئك المتنبأون بمآلات الامور هو لماذا يعزف الناس عن ممارسة هذه الظاهرة "الديمقراطية"؟ اذا كان لدى الناس فرصة لاختيار ممثليهم السياسين ليوصلوا صوتهم الى اعلى سلطة في الدولة لماذا اذن يعزفون عن الدخول في الانتخابات؟ ولماذا نسبة التصويت اصبحت في تنازل منذ انتخابات عام 2005 والتي شارك فيها 70%، ليهبط العدد الى 62%.. لينخفض مرة اخرى الى 52%؟ ما هو السبب؟ لنركز حديثنا عن موضوع حقيقة التمثيل والتعبير عن ارادة الناس من خلال الانتخابات البرلمانية، لنبين فيما اذا كان المراد فعلا هو تمثيل مصالح الناس ام تمثيل مصالح افراد ينتمون الى طبقة هدفها الاغتناء والانتفاع من التموقع في مركز الحكم و السلطة.

 

من الضروري اولا ان نتذكر هنا ماقاله ماركس من الانتخابات في وضع الديمقراطية السياسية البرجوازية هي ان يقوم الناخبون بانتخاب ممثلين من الطبقة البرجوازية (طبعا) لتقوم الاخيرة وممثلوها السياسيين بعد ان ياخذون اصوات الناخبين مرة كل اربعة سنوات، لادامة سلطتهم وحماية مصالحهم، وقيامهم حتى بقمع اولئك الذين صوتوا لهم باعتبارهم ممثلين لهم. اننا كماركسيين وشيوعيين نعتقد بان لا ديمقراطية حقيقية مع وجود حكم الاقلية البرجوازية في السلطة ضد الاغلبية التي لا تملك زمام السلطة السياسية، حيث في اخر المطاف الطبقة البرجوازية الحاكمة التي تمسك بالسلطة تنفذ السياسات التي تتلائم ومصالحها، ومدافعة بالنار والحديد عن تلك المصالح، وما الناس بالنسبة لها الا ادوات لتحقيق تلك المصالح.

 

المسألة الثانية التي يتوجب ذكرها ايضا والتي تبعد الناس عن الانتخابات هو ما خرجوا لنا به من ديمقراطية "توافقية"، والتي شرعت من اجل تقسيم المناصب البرلمانية والحكومية والقضائية وبما يتناسب مع الاقطاب البرجوازية في كل طائفة وقومية، او ما يحلو للسياسيين واعلامهم بتسميته بـ"المكونات"! ليتقاسموا وليتحاصصوا ويوزعوا "الكيكة" فيما بينهم، عقود وكوميشنات كما تقول البرلمانية حنان فتلاوي. انهم يدعون بان هذا النمط الديمقراطي جرى تبنيه نظرا لتعدد الطوائف والجماعات الإثنية والعرقية داخل الدولة... وهو من اجل توزيع السلطة على المجموعات السكانية المختلفة في سبيل تحقيق مصالحها!! كذب سافر. فتقسيم الحصص يتم بين اصحاب السلطة في تلك "المكونات" وليس للمجموعات السكانية. حتى يتمكنوا من ألوصول الى الثراء والسلطة، اما نصيب تلك المجموعات السكانية فهو الفقر والبطالة. وهنا لا فرق بين شيعة وسنة وعرب واكراد وتركمان مسلمون او مسيحيون او ايزيدون، كل هذه المجاميع، حصتها هي الفقر والبطالة والحرب واللاامن.

 

والان وبعد ان رأوا افتضاح سياسة المحاصصة والتقسيم على اساس الهويات الدينية والطائفية والقومية، بدأوا بالحديث عن التحالفات العابرة للطوائف! كذبة وزيف اخر! لان ما هو مهم لتلك الاحزاب هو حماية مواقعهم في المطاف الاول والاخير. فان كان التخندق خلف خندق الطائفية ينفعهم، يبدأوا باشهار الهوية الطائفية، وان كان الخروج من تلك الخنادق يخدمهم اكثر يرفعوا شعارات المدنية والعابرة للطائفية! و"المجموعات السكانية باقية على اوضاعها" فكيف سيعول عليهم الناخب، ان كانوا قادرين على تغيير خطاباتهم، وحسب المناخ السياسي!

 

الا ان المسالة لا تقف عند الديمقراطية التوافقية والاتجار بالهويات الطائفية والقومية، بل ان احزاب عملت على نشر الفساد في كل زاوية، ومستعدة لبيع نفسها للشيطان من اجل مصالحها، وقادرة على الارهاب والقتل والكذب والتزوير وكل شيء، لا يرتجي المواطن منها اي شيء. بينما يدور الحديث الان عن تمليك بيوت للعشوائيات، اما بشرائها او ايجارها، يتذكر الكثيرون تلك الوعود بتميلك اراضي سكنية وتوزيعها على المواطنين من قبل المرشحين، والتي اثبتت بعد الانتخابات عدم صحتها.

 

وهكذا، وللاجابة على سؤالنا الاول لماذا لا تريد الناس الدخول في عملية التصويت والانتخابات لهذا العام كما في المرات السابقة؟ الجواب هو لان لا الديمقراطية السياسية بشكلها الاوربي يمكن تطبيقها في العراق مع وجود الديمقراطية "التوافقية"، ولا الديمقراطية "التوافقية" والتقسيمات حسب الهوية، التي قدمت وخاصة الاحزاب الشيعية، فرصة لا يحلمون بها باسم "كونهم يمثلون اغلبية الشعب العراقي"! وهم لا يمثلون حتى اقليته القليلة.

 

ان المواطن ليس اداة شطرنج ليتم تحريكه كيفما شاءت تلك الاحزاب، انه يرى الفضائح والجرائم والاوضاع الاقتصادية التي يعيشها، فما الذي يمكن ان تقدم الوجوه ذاتها بعد 12 ايار للمواطن وهي التي قبل هذا التاريخ لم تقدم كهرباء ولا فرص عمل ولم تعبد طرق، ولم تبني مستشفيات تليق بالبشر وتحترم المرضى ولم تؤسس لمدارس تقدم علما للتلامذة وتخفف من كاهل الاسر بتعليم اطفالهم، ولم توفر لهم الامن (كيف توفر الامن اذا كان قائد القوات العسكرية يجري اغتياله واصابع الاتهام موجهة الى سرايا السلام، في مدينة سامراء، احدى مكونات البرلمان الحالي والحكومة)، ولا توفر الحريات السياسية والقمع والسجون تهدد من يرفع قضية فضح لاعمال فساد مثلما تعرض باسم خشان. لماذا تنتخب الناس اذن؟ ومن تنتخب اذا كانت التحالفات الثمانية الاكثر حظوظا بالفوز بالانتخابات هي ذات الوجوه، او بتطعيم وجوه جديدة!

 

ان بعض من قدم اسمائهم للانتخابات وباقرار من برلمانيين بعضهم مطلوب قضائيا، منهم قتلة وارهابيون، والبعض لم يحضر الا جلسة برلمانية واحدة. فلماذا يصوت الناس ويشتركون في الانتخابات؟ يقولون ان لم تشارك الناس في الانتخابات، سيأتي الفاسدون؟ ولكن هذا ما قيل في الانتخابات السابقة ايضا. وان ذهبت الناس افواجا افواجا لن يحتل المواقع في البرلمان غير الاسماء القديمة التي رشحت نفسها باسماء كتل جديدة واحزاب جديدة: النصر والفتح والقانون وسائرون والحكمة. ان الحصة موزعة اساسا، ولا يجد المواطن طائل من ورائها، وبدلا من توجيه النقد الى المواطن بعزوفه عن المضي الى الانتخابات، على الكتل ذاتها ان تجيب على السؤال: مالذي قدمته للمواطن، من اجل ان يصوت لها من جديد؟.

 

مقالات