سمير عادل

-الربيع العربي- بين باريس وسوريا وليبيا ومصر...

قبل انتهاء عام 2014 نشرت مئات التقارير والاحصاءات والارقام حول اعداد القتلى والجرحى واللاجئين والاعدامات وخروقات حقوق الانسان بمختلف اشكالها، واغلبية تلك الارقام جاءت من البلدان التي وصفت بحلول "الربيع العربي" عليها. وفي خضم تلك الارقام رسمت صورة تشاؤمية قاتلة حول مستقبل الشعوب القاطنة في البلدان المذكورة ليتوج بافكار وتصورات بأن "السني" و"الشيعي" و"المسيحي" و"الايزيدي" و"العربي" و"الكردي" و"التركماني" في العراق وسورية ولبنان.. لا يمكنهم العيش معا بعد الان بسبب هزيمة "الربيع العربي" او انتهاءه الى فضيحة مجلجلة على حد تعبير غسان شربل رئيس تحرير جريدة "الحياة" اللندنية وهي من اكبر الصحف واكثرها انتشارا باللغة العربية في العالم. وافتتح الهجوم على مجلة "شارلي ايبدو" في باريس العام 2015 ليكمل الصورة او المشهد العام الذي يخيم على سورية والعراق ولبنان وليبيا واليمن، وليؤكد ماذهب اليه محللي ومفكري وكتاب العام الماضي على فقدان الامل وغياب الافاق المستقبلية ليس في البلدان التي حل عليها "الربيع العربي" فحسب بل على العالم اجمع.
بيد ان هذا المشهد وضع السيناريو له فقط من جانب الحكومات والدول والانظمة التي تمثل المؤسسات المالية والاقتصادية واصحاب الشركات العملاقة، وهي وراء تحويل الانتفاضات الجماهيرية التي اجتاحت مصر وتونس وهب نسيمها على تلك البلدان الى بحار من الدماء وحولت ساحاتها الى مخيمات للاجئين والنازحين ليكون درسا لكل انسان يفكر بالتغيير والثورة والمساواة والحرية والرفاه. وهذه الحقيقة غيبت مشهدها بالكامل. وببساطة لو ان الانتفاضة او الثورة المصرية والتونسية كتب لها النجاح ولم تعط الفرصة للالتفاف عليها لما كان هناك سيناريو الدم والقتل في سوريا والعراق ولبنان واليمن وليبيا، ولذابت الهويات القومية والطائفية والدينية الى ابد الابدين، ولما كان هناك شيء اسمه دولة الخلافة الاسلامية واستطاعت تعبئة مريديها للهجوم على مجلة "شارلي ايبدو" في باريس.
ان ما سمي كذبا وافتراء با"الربيع العربي" لاظهار الاعلام الغربي المأجور والناطقة بأسم الدول والانظمة الغربية بأنه متعاطف مع مطالب الجماهير التي خرجت في شوارع مصر وتونس والبلدان الاخرى من اجل رغيف خبز والحرية، حولوه الى سما واطعمه لشعوب البلدان المذكورة، ذلك السم هو اما القبول بدولة الخلافة الاسلامية واللجوء والتشرد والموت بردا او غرقا في احدى البحار عندما تحاول الهروب الى احدى الدول الغربية، او الموت غيضا وكبتا في ظل دولة استبدادية ووحشية وفقر مدقع لك ولاولادك وبناتك... اليوم اصبح قاطني باريس يتناولون نفس السم الذي اطعمته الاقطاب العالمية مثل روسيا والصين وامريكا وبريطانيا وفرنسا لجماهير البلدان التي هبت عليها نسيم الثورات المذكورة. فمثلما كان "الربيع العربي" هو هدية للمؤسسات الرأسمالية في ترسيخ عبوديتها ووحشيتها واعادة صيانة اجهزتها الفكرية والسياسية والامنية، فأن الهجوم على مجلة "شارلي ايبدو" سيعطي الفرصة في الغرب لتقويض الحريات وحرمان الهاربين من جحيم البلدان الذي تحولت الثورات فيها الى جحيم لا يطاق من حق اللجوء ومنح العيش الامن لهم والتشديد في دعم القمع والاستبداد تحت عناوين الحفاظ على هوية الامة والحرب على الارهاب وصيانة امن المواطنيين...الخ من تلك الأكاذيب.
بيد ان هذا السيناريو الجديد الذي دشن العمل به في الشرق، ويراد العمل به وتعميمه ايضا في الغرب ولكن بأشكال مختلفة يجب الوقوف بوجهه. وان فضح هذه السيناريوهات، وتعرية الصورة القاتمة التي يحاول فرضه على مستقبل الجماهير في العالم هو مهمة الشيوعيين بالدرجة الاولى. فاليوم ليس المصنفين قوميا او المصنفين دينيا او المصنفين طائفيا لا يمكنهم العيش معا كما تروج لها المؤسسات السياسية والدعائية الممولة من دولة ومؤسسات مخابراتية تحرك الاحزاب القومية والطائفية في الشرق فحسب بل انه يعمم هذا المشهد ايضا في الغرب بأنه لا يمكن للمهاجرين العيش مع الفرنسيين والألمان والبريطانيين، ولا يمكن للمسلم ولا اليهودي ولا المسيحي في تلك البلدان العيش معا أيضا...
ان الاهداف المرسومة وراء تلك الصورة التشاؤمية هي سلب الارادة الانسانية من قبل الدول والانظمة الحاكمة، وتحويل البشر الى اداة طيعة بيد الاجهزة الاعلامية والامنية والسياسية واصدارهوية قومية وطائفية مزيفة ووصمها بهم، ليتنقلوا بها هنا وهناك مقابل منحهم حق البقاء على قيد الحياة وليس ابعد من ذلك.

مقالات