نادية محمود

هجوم باريس.... وحرية التعبير بدون أي قيد وشرط!

ثارت الجريمة التي ارتكبت بحق جريدة "شارلي ابيدو" الفكاهية الفرنسية وكادرها في باريس صبيحة يوم السابع من شهر يناير الجاري على ايدي ارهابيين اسلاميين سخط واستياء عارم في مختلف ارجاء العالم. يبدو انها "هدية" جديدة تقدمها تيارات الإرهاب الاسلامية للعالم المتمدن بمناسبة العام الجديد، وكأنها تقول انها رسالة الإسلام السياسي لكم.
اخطأ الارهابيون الاسلاميون الحسابات وبشكل رهيب. الجريدة التي لم يسمع بها الكثيرون، الان، بات العالم كله يعرفها. الرسوم الكاريكاتورية التي لم يتسنى لنا رؤيتها، اصبحت الان في متناول الجميع. الجريدة التي تصدر ب 60 الف نسخة، سيصدر العدد القادم منها بتعداد مليون نسخة. الذين نسوا الارهاب الاسلامي في اوربا من عام 2005 على اثر تفجيرات محطات الانفاق في لندن، جرى تذكيرهم مرة اخرى بماهية هذا الاسلام. التردد الذي ساد في اوربا على اثر نشر الصور الكاريكاتورية في الدانمارك بعد نشر صور تسخر من الاسلام. الان حسم هذا التردد لصالح القناعة التالية: اذا كنا ننتقد المسيحية واليهودية، الاسلام ليس استثناءا. اذا كان الانسان ينتقد ويسخر من "دين"ـه ومن الاديان الاخرى، لماذا يجب ان يكون الاسلام استثناءا؟!
الارهابيون الاسلاميون اخطأوا الحسابات ولم يفكروا في اي موقع جغرافي في العالم يقومون بعملهم هذا. هذه ليست السعودية التي يجلد فيه رائف بدوي، وتقوم الحكومة السعودية بدعوة الناس الى مشاهدته لتستعرض علنا عضلاتها البربرية والتخويفية. باريس ليست قطعة من "العالم الإسلامي"، التي يرهب فيها البشر على حريتهم في التعبير. باريس فصلت الدين عن الدولة قبل اكثر من قرن. قامت بثورتها من اجل الحرية قبل اكثر من قرنين. حرية الراي والتعبير، وجراء نضالات الانسان في اوربا، هي بالنسبة لمن يعيش في اوربا امر معطى لا نقاش فيه. تحولت الى امر اجتماعي وحياتي. مثلما هو الحال مع "عقوبة" الإعدام. الغاها الانسان هناك وجعلها جزء من الماضي. مثلما هو الحال مع تسييد الفكر الحر والخلاق والمبتكر بدءا من المراحل الدراسية الأولى. ويعلم المجتمع الانسان ان يكون حرا. وان يكون هو نفسه. يعلمه مبدأ اساسيا يظل بقية عمره معه وهو كالتالي: قل ما تريد، ودع الاخر يحسم امره اما ان يوافقك او لا يوافق.
لا يتعلم التلقين، والاستماع فقط، بل الاستماع والتفاعل. الطفل في اوربا لا يخاف من ابيه. ان الاحترام المتقابل هو السائد، يناقشه ويبدي رايه وحتى يعارضه،. وان مس الوالد طفله باي اذى بامكان الطفل ان يستدعي الدولة للتدخل لحمايته. المراهق يعلن حبه ويمارسه كما يمارس الاكل والشرب. لا يخفيه، يعلنه. انه مجتمع العلنية. مجتمع التعبير، مجتمع الحرية. القتل والاعدامات بالنسبة لهم يروها في المتاحف. يزوروها. لا شيء مقدس يروه في الملوك ولا الرؤوساء ولا البابا ولا اللـه. لقد خرجت التظاهرات ضد زيارة البابا الى بريطانيا، مظاهرات لانه كان يقف، من بين امور اخرى، ضد حقوق المثليين. كل هذه هي مكتسبات حققتها البشرية عبر عقود من النضالات الباسلة للبشرية الداعية للحرية والمساواة. ايعتقد الإسلاميون ان المجتمع الإنساني يتخلى عنها بهذه السهولة؟ بقتل رسامي كاريكاتير؟
لقد حسبوها خطأ هؤلاء الارهابيين: انهم ارادوا ارعاب الناس والصحافيين لعدم التعرض للاسلام. ولكن، بفعلتهم هذه، فتحوا الباب على مصراعيه مرة واحدة لنقد هذا الدين، كما يفعلوا مع الاديان الاخرى. ما قاموا به فتح الباب لمرحلة جديدة في اوربا براينا. مرحلة النقد العلني للاسلام التي حاولت الطبقات والسلطات الحاكمة وهيئاتها في اوربا وامريكا، وجراء مصالحها الاقتصادية والسياسية، لتجنبه. وجل ما كان يستخدمه الغرب ومكاتبه الفكرية هو مقولات من قبيل: "الاصولية الإسلامية"، "المتطرفين الإسلاميين"، "الإسلاميين المعتدلين"، "الإسلاميين المتشددين" التفسير الخاطيء للاسلام، والقول بان الاسلام كباقي الاديان هو دين للسلام والمحبة وغيرها. وبهذا العمل البربري، تلقت هذه المقولات ضربة جدية. الان بدأت مرحلة الهجوم على الاسلام، كفكر وكعقيدة وكممارسة وكاهداف سياسية، وليس الهجوم على "المسلمين" (الناس التي الصقت بهم ملحق "الإسلام" قسرا)، كما يحاول بعض الاسلاميون تصويره لتأليب جاليات ومجتمعات في الغرب وخارجه وحشدها بالضد من الغرب وتعبئة الجماهير "المسلمة" في صراعها من اجل السلطة والحكم وتقاسم الثروات. ممارسة الطقوس الدينية والشعائر امر شخصي في اوربا. بل الان يجري، وبشكل مباشر، الحديث عن الاسلام، كدين، كعقيدة، كايديولوجية، كفكر. لا يمكن ان تكون القاعدة وداعش وبوكو حرام والجمهورية الاسلامية في ايران وجلادي السعودية كلهم على خطأ في التفسير والتمثيل. لا بد ان يكون هنالك شيء في الدين، نصوص في الدين تسمح وتبيح بقتل البشر وليس في مفسري الدين.
والا من اين جاء الاسلاميون بكل هذه القدرة على الارهاب والقتل وبشكل متواصل من الجزائر في التسعينات الى باريس عام 2015 ان لم تكن هنالك قاعدة فكرية وايديولوجية في الاسلام تبيح القتل للبشر باسم الدفاع عنه. صورة الانسان في الأسلام، على حد تعبير احد الاصدقاء "صورة مشوهة، كم صفة سلبية وردت لوصف الانسان في القران: 200 صفة. انه كان زهوقا، انه كفورا، انه كان لحودا، انه كان..". هذه تشكل الاساس الفكري والنظري لدى الاسلاميين الذي يتيح لهم قتل البشر، انها تعبر عن عدم وجود قيمة للانسان في هذا الدين. لذلك، قتل الانسان هو امر ممكن وبسيط ومباح وشرعي، بل وتجري "مكافائتهم عليه في الاخرة!" انه عمل يحصلون "ثواب" عليه، مكافأة! نحر وجز الرقاب امر عادي وبسيط، مشروع ويكافيء الإسلامي عليه. انظروا الى داعش والابادة البشرية في سبايكر. انظر الى مقتل البنات في منزل واحد في ساعة واحدة التي قامت بها الميشليات الشيعية في بغداد. هذه القدرة على القتل الجماعي والفردي والابادات ورمي البشر في الانهار كما جرى لشباب سبايكر لم تاتي من فراغ. تاتي من دين يشرع بالقتل والاسلاميون هم منفذون لاوامر دينهم.
يعتقد هؤلاء الاسلاميون الارهابيين انهم بجريمتهم هذه، سيرهبوا الانسان في اوربا. انظروا الى طلبة احدى كليات الفنون في باريس. جاءوا بالعشرات منهم ليقولوا نحن نكمل المشوار، ونحن سنواصل الرسوم الكاريكاتورية، وليس هنالك احد لن يطاله القلم. ليس هنالك دين لن يطاله الرسم. الكل سيجري رسمها كاريكاتريا وسيجري السخرية منها. ان هذا معنى حرية التعبير عن الرأي. وعلى خلاف المرات السابقة التي تم إيقاف نشر مثل هذه الصور بعد الحوادث التي جرت في الدنمارك وهولندا بضغط من السلطات القائمة، هذه المرة نرى العكس بالضبط. اذ قامت العديد من الجرائد الواسعة الانتشار في العالم، وبخطوة موحدة وفي ان واحد تقريبا، بإعادة طباعة الكاريكاتورات، ورفع الناس في أماكن كثيرة من العالم في تظاهراتهم صور هذه الكاريكاتيرات وعبارات من مثل "كلنا تشارلي ابيدو"!، لم نرى يوما القنوات البريطانية تعرض رسوما ضد الاسلام، تحت ضغط حكومتها. الان تلك القنوات اعادت عرض الصور الكاريكاتورية ولسان حالها يقول: الاسلام ليس استثناء وليس افضل من الاخرين. بل انه اكثرهم عنفا، بدليل حجم القتل الذي يرتكب اليوم في العالم من سوريا والعراق الى اليمن وسيدني وباريس!
بهذا العمل الاجرامي، ستتعاظم اعداد البشرية، وبالأخص في اوربا، الذين ترددوا من قبل عن نقد الإسلام سابقاً، جراء الخوف من الاتهام بالتهم الجاهزة بـ"معاداة المسلمين"، "معاداة الأجانب"، بنقده الان علنا وبدون مواربة. ليس من دين غير خاضع للنقد او السخرية. انها احد مكاسب حرية التعبير عن الرأي التي فرضها الانسان المعاصر بدمائه وتضحياته، والتي لما يزل الناس في العالم المحكوم بقوى الإسلام السياسي يناضل ضده.
لقد اخطأ هذان الارهابيان بتصورهم بانهم بمقتل عشرة صحافيين ان يعيدوا عجلات الزمن للوراء، ان يدفعوا البشرية المتمدنة للتخلي عن حقوقها وحرياتها. باريس ليست الرياض التي يجلد فيها رائف بدوي الان لانه عبر عن رأيه في السعودية بالغاء جماعة الامر بالمعروف الاجرامية. بل ان رائف بدوي يلقى الدعم والتاييد والتعاطف اكثر من أي وقت مضى، وتمارس الضغوطات على حكام السعودية كي يكفوا عن اساليبهم القرووسطية هذه. ان الارهاب الاسلامي والإسلام السياسي المدجج بالإرهاب والفساد والنهب هو ذاته من جعل الناس تعيد النظر في الاسلام، ان حركة الالحاد او اللادينين بدأت تتسع في الشرق الاوسط اكثر من أي وقت مضى لا بسبب الجدالات الفكرية والفلسفية المادية لنشوء الكون، وليس بسبب التحليل الماركسي المادي للتاريخ، بل بسبب ما يقوم به الاسلاميون من جرائم فظيعة دون ان يرف لهم جفن. ان جرائمهم جعلت الناس تفكر: ما هذا الغضب الذي يأتي من ثنايا الدين؟ ما هو هذا الدين؟! وصول الاسلام السياسي الى سدة الحكم في الشرق الاوسط، واعماله الارهابية في كل مكان في العالم من سيدني الى باريس، تجعل الناس تعيد قراءة هذا الدين، لترى ان اصول العنف كامنة بالضبط هناك في نصوصه. ولايفيد الحديث عن "الإسلام المعتدل" و"الإسلام المتشدد" بعد. هذه الثنائية الكاذبة التي اخترعها الغرب واقسام واسعة من تلك التي تريد حفظ وجه الإسلام. هذه الثنائية التي كان يأمل منها الغرب ان تقود الى تخفيف الإرهاب، أدت الى تعميقه واتساعه. اذ انه لامر معروف ان الثاني هو نسخة اكثر راديكالية من الأول. لا اكثر. وكلاهما ينهلان من نفس المنبع.
باريس ليس مدينة كالمدن المحكومة بالقوانين الاسلامية والعنف الاسلامي في الشرق الاوسط والتي ترعب مواطنيها من التعبير عن رأيهم وحيث حرية الرأي مصادرة جملة وتفصيلا. وحيث الناس اخترعوا الاف الطرق التي تمكنهم من ان يبوحوا بمكنوناتهم وان يقوموا بكل ما يريدون بشكل سري. وفرضوا على الناس ان يعبروا عما يريدون بشكل سري، وخلف الابواب الموصدة، حيث العمل السياسي يجري فيه بسرية، حرية التعبير عن الرأي تجري بشكل سري. شرب المشروبات الكحولية يجري بشكل سري. ممارسة العلاقات العاطفية تجري بشكل بسري. كل شيء يجري بشكل سري، وكأن العالم في الشرق الاوسط يعيش حياتين، حياة مزدوجة: حياة في العلن ليستطيع المرء ان يتدبر اموره ويحافظ على حياته في محيط قاسي اسلامي، وحياة اخرى يمارس فيها حياته كأنسان طبيعي لديه الكثير مما يريد قوله وممارسته ويريد ان يعيشه كأنسان ذا حاجات طبيعية ولديه افكاره ومعتقداته الخاصة به بعيدا عن هذا الدين.
باريس ليست بغداد او البصرة او القاهرة او طهران. انها مدينة تعيش حرية التعبير ليس اليوم، بل منذ قرون. فالتصور بان بالامكان محو تاريخ ثلاثة قرون كانوا قد كسبوه بدمائهم، لياتي شخصين مقتنعين ويقدسون الاسلام، بالتصور بانهم يمحوا ثقافة ومكتسب مجتمع يعيش الحرية كما يتنفس الهواء، لصالح الاسلام، ويتخيلوا انه بامكانهم خلق كابول اخرى او موصل اخرى، او طهران اخرى، لهو غباء مطبق.
بيد ان الامر لايقتصر على سلب حرية الراي والتعبير، لايتعلق بميدان صراع حول معتقدات الناس والإساءة اليها، وهي الكذبة التي يروجوا لها. الامر ابعد من هذا بكثير. يتعلق الامر تحديداً بتيارات سياسية معينة تسعى الى حصتها من السلطة والحكم. في ظل صراع عالمي من اجل إعادة تقسيم العالم، وبالأخص بين القوى العظمى من أمريكا وروسيا والصين وفرنسا والمانيا وغيرها، تسعى تيارات بوصفها قوى محلية، جانبية للقوى الأكثر أساسية، من مثل بوكو حرام والقاعدة والنصرة وداعش وغيرها الى انتزاع حصتها ايضاً من كعكة السلطة والثروة المخضبة بدماء الابرياء في العالم. اذ ان هذه القوى هي نفسها افرازات ذلك الصراع العالمي المذكور، افرازات يتم إعادة انتاجها يوميا بأسماء مختلفة. في ظل هذا الصراع، يتم يوميا خلق مثل هذه القوى البربرية المجرمة وهذه العصابات باسم داعش والإسلام والنصرة وغيرها، باموال وسلاح قطر والسعودية، تركيا والغرب، ايران و....، لترتكب الجرائم تلو الجرائم بحق البشرية. يتم خلقها بوصفهم شركاء جانبيين لتلك القوى الأساسية والعالمية. اذ هل يمكن تشكيل داعش او صمودها لساعات قلائل دون أموال وسلاح ومعسكرات تركيا وقطر؟! اتظهر اساساً هذه الظاهرة؟! اطلاقاً لا. ولهذا فان الحديث عن "المسلمين" و"مشاعر المسلمين" وانهم يمثلون "1.2 مليار نسمة" وغيرها ما هو الا اكذوبة صلفة تعجز عن الصمود لدقائق معدودة من البحث والجدل الجدي!
لن يكون هذا الحدث الاجرامي الا خطوة، وخطوة مهمة، في تصعيد النضال ضد تيارات الإسلام السياسي واستهتارها بحياة الانسان. لن يؤدي الا الى اتساع أرضية النضال ضد الإسلام السياسي ومرتكزاته الفكرية وتقوية الجبهة المدنية، العلمانية، الداعية لانعتاق الإنسانية من كل خرافات العصور الغابرة. لن تعم خيرات هذا النضال والسعي على الانسان فحسب، بل حتى على الحيوان. بدون الاديان، الحيوان كائن اكثر احتراما. ان هذا امر التحررين ودعاة المساواة في كل مكان. وان اول المتنعمين بخيراته ستكون هي تلك الجماهير المبتلاة بحكم قوى تيارات الإسلام السياسي وهيمنة أفكاره وعقائده سواء بالعنف او التبليه او إشاعة الخرافة. انها خطوة مهمة في مسار تحرر البشرية، وانتقالها من مرحلة اللاوعي - اللاارادة الى مرحلة تحقيق وعيها وارادتها. فليتوحد هذا النضال ويشتد ويقتدر.
كما ان من اول شروط نجاح هذا النضال هو فضح الأهداف المشتركة لقوى هذا الصراع. اذ ينبغي احباط استفادة كل من طرفي الصراع من هذا الحدث. ان لاندع المجال لان يتغذى اليمين من اليمين، بل ان نفرض التراجع على جبهة اليمين ككل. فقوى الإسلام السياسي التي تتباكى كذبا على "المعاملة التي يتعرض لها المسلمين" هي اكثر الأطراف فرحا وتهليلا بهجمة اليمين العنصري في اوربا على أبناء الجاليات. لسبب بسيط انه يوفر حطب لنارها. اذ ان هذا يوفر الأرضية لدعايتهم ولصم اذان الجاليات وجماهير المنطقة بنغمة "هم ونحن!" "عداء الغرب للإسلام" وغيرها! انها، ولمعاداتها للإنسان "المسلم" الذي تتحدث كذبا عن التساع قلبها عليه، اول من تفرح للمصائب التي تحل بالجاليات في اوربا وتنشد تعميقها وادامتها. ينبغي تفويت هذه الفرصة عبر حشد الجماهير وقواها صوب جبهة أخرى، جبهة تقف ضد جميع اطراف هذه الماساة، جبهة تقف في خندق المساواة والحرية والمدنية وحقوق الانسان بغض النظر عن دينه، عقيدته، لونه، جنسه والخ.



مقالات