نادية محمود

لا انتخابات بدون خدمات!

من اكثر الشعارات سياسية وتعبيرا عن ظهور وعي متقدم تلك التي رفعت في التظاهرات الحالية والتي خرجت بها جماهير العديد من المناطق في بغداد والبصرة، مطالبة بالخدمات، الا انها ربطت الاخيرة بقضية الانتخابات، والتصعيد الاعلامي الواسع لها هذه الايام عبر رفعها لشعار "لا انتخابات بدون خدمات". ان رفع هذا الشعار يعبر عن وعي جديد وهو يتنامى لدى الجماهير بربط عملية التصويت في الانتخابات للكتل المتنافسة بمسالة قيام هذه الكتل بتقديم الخدمات. ان اهمية هذا الشعار لا تقل عن ذلك الشعار الذي رفعته الجماهير على امتداد عام 2015 (باسم الدين باكونا الحرامية). ان امتداد فتيل التظاهرات الى العديد من المدن، قد يشل العملية السياسية الفاسدة والتي اسمها المحاصصة بمجملها. ان رفع هذا الشعار يثير جملة من المسائل، ويجيب على عدة اسئلة اولها، اسئلة اولئك الذين يلومون الجماهير عن عدم رغبتهم بالتصويت، وعزوفهم عن الانتخابات، الامر الذي وصل لحد التهديد بما يمكن ان يترتب على هذا الموضوع، كما جاء في تصريحات الصدر هذا اليوم.

 

من الواضح ابتداءا ان فساد العملية الانتخابية بان ومن البدء، القيام بالاعمال ذاتها من اجل شراء الاصوات، واصوات من يراد ان تشترى، بالتاكيد الفقراء، فمتوسطو الحال ليسوا بحاجة الى كيلو من التمر ولا الى بطانية ولا الى عبوة صغيرة من الدهن. وكما عبر عنها العبادي وهو الان يحذر منها، علما انه قد مارسها في ماضيه الايام، بان لا تعطي الوعود الكاذبة بالتعينات من قبل المرشحين.. انها نفس الاعمال السابقة، والاساليب السابقة، فمالذي يترجى منها اذن؟.

 

الا ان خروج المتظاهرين في عدد من العشوائيات والمدن الفقيرة وهم يهتفون لا انتخابات بدون خدمات يعبر عن حقيقة ان شراء اصوات المواطنين في المناطق الفقيرة عبر توزيع البطانيات، واكياس البطاطا، والتمر والزيت، وارصدة التلفونات، والخ لم تعد تجدي نفعا، على الاقل، بدأ هنالك رفض في اوساط شعبية ليست بقليلة رغم كل فقرها. بدأ المواطن يرفع صوته، بان الاخير ليس سلعة معروضة للبيع، وانه لن يمنحه مجانا، ان لم يكن ما يحصل عليه هو حكومة مسؤولة عن توفير الخدمات، فلماذا يلوي على انتخابها اصلا؟.

 

لقد عبر المواطن وعبر هذا الشعار عن انفصاله التام والكامل عن نخبة تعد بالالاف الان وفي كل مدن العراق تعد العدة وتمني النفس بتسابقها من اجل الوصول الى كرسي البرلمان، وبما ستجنيه من امتيازات واموال ورواتب وضمانات وتقاعد وغيره.. ان حصلت على مايكفي من الاصوات للوصول الى كرسي برلماني. السؤال بالنسبة للمواطن، هو ما شأنه وشأن اولئك المتنافسين الساعين الى تحقيق مكاسبهم؟ مالذي يعني المواطن وما شأنه وشأن اولئك الحالمين بالوصول الى السلطة لتحقيق مكاسب شخصية لهم، ولاسرهم، ولمواليهم في نظام وثقافة سياسية قائمة وبشكل تام وكامل على اساس المحسوبيات والزبائنية لا حقوق المواطنة. انه اعلان عن الفصل التام بين الجماهير الكادحة من جهة وتلك الشريحة التي تسمي نفسها شريحة سياسية التي تتبارى للوصول الى الهيئة التشريعية.

 

يعبر هذا الشعار عن ادراك تام عن حقيقة الانفصال التام والكامل بين الجماهير من جهة والسلطة الحاكمة، او السلطات الحاكمة، بتعبير ادق. بينما الجماهير المتظاهرة في الحسينية، وحي السفير والمعامل والعماري وحي طارق والرشاد وحي النصر والولداية والبتول في بغداد، واهالي القبلة في مدينة البصرة، تحمل الدولة مسؤولية توفير الخدمات، اي توفير المدارس، والمستوصفات، والكهرباء، والماء، بينما الحكومة واعضائها السابقين ومرشحيها الحاليين يؤكدون على " تحرير"الدولة من مسؤوليتها امام المواطن. العبادي، وهو رئيس الوزراء الحالي، والذي يحلم بتجديد ولايته لاربع سنوات قادمة، كما فعل سابقه المالكي، يشكر البنك الدولي لانه منح ثقته للعراق ومنحه الديون. لقد سعى البنك الدولي ليس الان، بل ومنذ عام 2003 ولحد الان الى رفع يد الحكومة عن مسؤوليتها تجاه المواطن بكل الاشكال، ليترك المواطن يواجه مصيره في السوق، بدءا من سعيه الى الغاء البطاقة التموينية، ورفع الدعم عن اسعار النفط وصولا الى خصخصة الكهرباء والتعليم والصحة. فلمن يقدم ولائه، ومسؤول امام من سيكون رئيس الوزراء؟ عن الجماهير التي تطالب بمسؤولية الدولة والتي يطالب باصواتها ودخولها في الانتخابات، ام سيكون مسؤولا ومنفذا لارادة البنك الدولي؟ باي صف وبجانب من سيكون عضو حزب الدعوة، وتحالف النصر؟ مؤكد الخيار صعب. ولكن الحصول على الاصوات وثقة الجماهير ليس بأمر سهل ايضا!

 

لقد تغير الزمن من اعوام 2005 و2010 الى عام 2018، اذا كانت الجماهير وخاصة تلك التي تصنف بانها "شيعية" قد اعطت اصواتها، تحت تأثير الخطاب الديني، وتقليد المرجع، ووصاياه، مرة او مرتين الى الاحزاب الاسلامية، فانها ادركت، ان طاعتها وتقليدها، لم تضمن لها لا فرص عمل ولا كهرباء ولا امان اقتصادي ولا امن على حياتهم. ليس هذا فحسب، بل انها تسمع وبدون انقطاع، بل ويكاد الحديث الوحيد المترشح من تلك الهيئات الحكومية والبرلمانية هو حديث الفساد والنهب واللصوصية، وهروب المحافظين والوزراء، وانكشاف التلاعبات الكبيرة في مقدرات المجتمع المالية. ان قانون شركة النفط هو اخرها وليس اخيرها. حكومة يتفنن افرادها برهن اقتصاد وثروات المجتمع من اجل تحقيق حفنة من الدولارات. ويفعلون هذا باوقات قياسية في سرعتها. مقابل هذا، يقضون سنوات بعد سنوات ويعجزون عن حل قضية مثل قضية توفير الكهرباء، او بناء مساكن، او مستوصفات للاحياء الكادحة والفقيرة، وكأن هؤلاء يجري تذكرهم فقط في اوقات الانتخابات. بعدها، يدخلون لاربع سنوات اخرى في ذمة التاريخ، لحين تذكرهم مرة اخرى في انتخابات قادمة. اذا كانت هذه الطبقة الحاكمة لم تسأم هذه العملية لانها ببساطة وسيلتها للحصول والوصول الى الثروة، فان الجماهير قد سأمت واعلنت انها لن تذهب للانتخابات، حيث ليس لها مصلحة في نتائجها، كما لم تجني مصالح من سابقاتها، ومن سيمضي لها اولئك المنتفعون، او الحالمون بان بامكانهم الحصول على نتائج افضل مع بقاء كل العوامل بدون تغيير. وهؤلاء هم الاقلية، وكما في الدول الرأسمالية الديمقراطية الاخرى، لم تكن الحكومات المنتخبة او الرؤساء الا منتخبون من قبل الاقلية

مقالات