سمير عادل

الاحتجاجات والانتخابات والتيارات الاسلامية

 

لا انتخابات دون خدمات، هو الشعار الذي ترفعها الجماهير المعدمة في العديد من مناطق بغداد لتصل الى مدينة الثورة التي اعلن ناشطين فيها عن تنظيم أعتصام في الأيام القادمة، ولتجتاح مناطق في مدن اخرى مثل البصرة والناصرية والحلة، وهو الشعار الذي ارعب القوى الاسلامية بشكل خاص التي تدير السلطة الفاسدة منذ حكومة الجعفري عام ٢٠٠٥ وحتى يومنا هذا. وان المثير في المشهد، بأن هذا الشعار جاء بعد كل التهديد والوعيد التي أطلقها رموز تلك القوى من العبادي والربيعي والخزعلي والصدر، وكل حسب نفوذه وسلطته. فالعبادي أصدر تعليمات بحرمان الموظفين من الرواتب اذا لم يستلموا البطاقة الانتخابية، والربيعي هدد على الهواء عبر مقابلة له مع احدى الفضائيات، وقال سنرسل الناس بالقوة للانتخابات، والخزعلي صرح بأن من لن يشارك في الانتخابات فسيصاب بمرض نفسي، اما الصدر فدعا مريديه الى الذهاب الى صندوق الانتخابات كي يمنع وصول الفاسدين. اي بعبارة اخرى ان شهر عسل الاسلام السياسي في العراق وصل الى نهايته، وخاصة تنظم الاحتجاجات في القلاع التي انطلقت منها مليشيات الاسلام السياسي وهي اعمت عيوننا بشعار "مظلومية الشيعة"، لتمارس هي مظلومية سافرة على الجماهير المحرومة التي تدعي بأنها تمثلها

.

ونحن نكتب هذه السطور، وجاءنا خبر من منطقة الاعتصامات في حي النصر ساحة الاعتصامات، بأن مبعوث رئيس الوزراء مهدي العلاق مع وفد مرافق له وصل الى المعتصمين، وابلغ في حال لم تنفذ مطالب المعتصمين فأن جميع صناديق الاقتراع ستحرق في تلك المناطق، وهي المعامل وحي طارق والسفير والعمارية والرشاد والكفاءات..الخ الواقعة في جنوب شرق بغداد، والتي يبلغ تعداد سكانها اكثر من مليون شخص واذا اضفنا اليها منطقة الحسينية ومدينة الثورة فيصل العدد الى اكثر من اربع ملايين شخص. وبهذا ولأول مرة تعيش حكومة العبادي والقوى الاسلامية المتحالفة معها التي تباهت كثيرا بالنصر على داعش وبكسر انف القوميين الكرد بأحلك ايامها. اي ان الجماهير المعدمة في العراق لن تعط مرة اخرى بصمتها وتمنحها صك على البياض مثلما حدث في كل الانتخابات السابقة

.

ان هذا التمرين يعلم الجماهير درسا مهما في التنظيم والارادة الثورية، بالرغم ان التيارات البرجوازية بجميع تلافيفها القومية والاسلامية، مارست ضغوطا فكرية وسياسية واجتماعية عبر اعلامها ومليشياتها للحؤول في عدم تنظيمها وتحزبها وتركها فريسة سهلة لها. لانها تدرك ان السرقة والنهب وقمع الحريات وتكميم الافواه تحتاج الى الغاء المعارضة امامها، وليست اية معارضة، انما المعارضة الثورية. ولذلك كانت تصر وعبر كل اشكال الاحتجاجات والاعتراضات التي كانت تنظم في الساحات والميادين ومن خلال عناصرها التي تروج عبارة، لا نريد تدخل الاحزاب، وتقصد طبعا الاحزاب الثورية، كي تكون عرضة سهلة للانقضاض عليها وتفريغ الاحتجاجات من محتواها وحرف نصال نضالها الى غير اهدافه الحقيقية. وهكذا وفي الوقت المناسب وعندما لا تسيطر على ثورية المطالب والشعارات التقدمية وزخم الاحتجاجات واندفاع الجماهير الغاضبة، توعز الى اكثر القوى البرجوازية شعبوية، باحتواء تلك الاحتجاجات، ففي مصر كان هناك الاخوان المسلمين وبعد ذلك مؤسسة الجيش القمعية، وفي حال العراق متمثلة بالتيار الصدري، لتفريغها من محتواها. وقد فشل التيار الصدري في انتفاضة شباط عام ٢٠١١ بتحريف مسار الاحتجاجات بالرغم انه حاول المراوغة والتناغم مع المالكي بإعطائه مهلة ١٠٠ يوم لتحقيق مطالب المتظاهرين، وكان غياب التنظيم الثوري والقمع المفرط من قبل الحكومة، ادى الى فشل انتفاضة شباط في حين استطاع التيار الصدري في تموز ٣١ من عام ٢٠١٥ من احتواء الاحتجاجات، التي بدأت بشعار"باسم الدين باكونا الحرامية" لتنتهي الى تغير المفوضية العليا للانتخابات

..

ما نريد ان نقوله ان القوى الاسلامية تراقب الوضع عن كثب، وان ربط اجراء الانتخابات بتوفير الخدمات يعني عدم اجراء الانتخابات من الناحية العملية، ويعني لا شرعية سواء للانتخابات او على مجمل العملية السياسية، ويعني تعميق الازمة السياسية في العراق. ولذلك ان القوى الاسلامية تنظر الى زخم هذه الاحتجاجات وتراقبها، وستحاول اما بتحويل مسار الاحتجاجات الى مناسبات دينية عبر ميليشياتها، او بنزول التيار الصدري من جديد لتحريف مسار الاحتجاجات لإيصال صندوق الانتخابات الى بر الامان

.

ان الدرس الاول الذي يجب ان تعيه الجماهير، هو رفض مشاركة اي حزب او قوى اسلامية تحت اية ذريعة كانت لانها هي اساس كل مصائب ومأساة المجتمع العراقي، ومنع تحويل هذه الاحتجاجات الى مناسبات دينية، لان ساحات الاعتصام التي تقام اليوم هي ساحات المطالبة بتوفير الخدمات، اما اقامة الشعائر الدينية فيجب ان تبلغ المليشيات والقوى الاسلامية بأن لديها اماكنها وزمانها الخاصة. وفي حال اصرار القوى الاسلامية على تنظيم تلك المناسبات على الجماهير وصفهم دون اي تردد بأنهم جواسيس الفاسدين وادواتهم للتخريب والفوضى والعمالة ويجب طردهم من ساحات الاعتصام. والدرس الثاني عقد اجتماعات قيادات الاعتصام مع ممثلي الحكومة بشكل علني وامام الملأ كي لا تستطيع الحكومة استغلال نقاط ضعف بعض الاشخاص وشراء ذممهم مثلما حدث في انتفاضة ٢٥ شباط ٢٠١١. والدرس الثالث عدم تصديق وعود الحكومة، وعليها القيام بالتنفيذ الفوري للمطالب وان الدولة قادرة على ذلك لو ارادت ولو شعرت أن هناك ضغط عليها، والدرس الرابع الحفاظ على الافق المستقل لهذه الاحتجاجات وعدم السماح لتغير مسارها، والدرس الخامس ايا كانت النتائج فالجماهير تتعلم بعفويتها وبحسها الثوري ان التنظيم والارادة الثورية، هو الطريق نحو تغيير كل الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وتحقيق عراق أفضل ممكن

.

 

.

مقالات

سمير عادل

05/03/2018