شاكر الناصري

العالم: ما قبل وما بعد- شارلي ايبدو-

العملية الإرهابية والإجرامية التي نُفذت ضد مجلة "شارلي ايبدو" الساخرة في فرنسا خلال الأيام الماضية، عملية مدانة بشدة واستهجان كبيرين لأنها تبين عمق الدونية التي يحملها العقل الإرهابي المتطرف للإنسان وللحرية وسعيه لفرض قوانينه وشريعته بقوة الإرهاب وإشاعة العنف والقتل. هذه العملية وضعت العالم في مرحلة جديدة هي ما قبل وما بعد شارلي ايبدو! فهل كان العالم بحاجة لمثل هذه العملية وهذا الإجرام حتى يقف على اعتاب مرحلة جيدة سيكون شعارها حرية الرأي والتعبير " والوحدة الوطنية" في مواجهة قوى الإرهاب التطرف الإسلامي؟

التقاريرالإستخباراتية والأمنية والصحفية التي يتم نشرها تباعا تؤكد أن السلطات الفرنسية كانت على علم بتحركات الإرهابيين الذين نفذوا العملية الإرهابية ضد مجلة "شارلي ايبدو"، وإنّ احدهم تدرب في اليمن ووسجن عدة سنوات بسبب عمله ضمن خلية تجند الإرهابيين وترسلهم الى العراق ويرد اسمه في قائمة المطلوبين للولايات المتحدة الامريكية!. التقارير نفسها تتحدث عن عودة الف إرهابي إلى فرنسا من الذين سهلت السلطات الفرنسية قضية ذهابهم إلى سوريا والقتال فيها ضد نظام الأسد ودربتهم ودعمتهم عبر دول اخرى كالسعودية وقطر وتركيا.

قبل عدة أشهر عُقدت سلسلة اجتماعات لأجهزة مخابرات 18 دولة اوربية وكان محور تلك الاجتماعات هو كيفية التعامل مع العائدين من القتال في سوريا والعراق وكانوا ضمن صفوف تنظيم الدولة الإسلامية – داعش سابقا، فهؤلاء لن يعودوا كبشر أسوياء يتمكنون من التعاطي مع الحياة الطبيعية للبشر، بل انهم سيعودون وهم اشبه بمفخخات ستنفجر ،في لحظة ما، وسط الجميع وإنّ على السلطات التي سهلت ارسالهم ودعمتهم في السر والعلن أن تدفع كلفة اتعابهم. ولعل الدنمارك من هذه الدول التي بدأت تعاني من هذه الأزمة رغم اقدامها على تنفيذ مشروع يهدف إلى احتواء هؤلاء ونزع فتيل تفجرهم عبر العلاج النفسي واعادة الاندماج في المجتمع ولكن هذه المحاولات تواجه بالرفض من لدن الكثيرين من هؤلاء الذين لم يترددوا في الاعلان الصريح عن مشروعهم المتمثل بدعم الدولة الإسلامية وخليفتها البغدادي وتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في المدن الدنماركية وبناء المزيد من المساجد!

من يقول إن الدول الغربية لم تدعم قوى الإسلام السياسي ولم تساهم في تشكيل المجاميع والتنظيمات الإرهابية المسلحة وتمكن من توظيفها في صراعات الحرب الباردة وضد الوجود السوفيتي في افغانستان ولخلق معادل لتطرف إيران ومساعيها للتمدد على حساب جيرانها أو في مناطق اخرى من العالم فهو واهم ولايعلم بما حدث أو ما سيحدث لاحقا ويحمل صورة وردية حالمة عن الغرب ودفاعه عن الحرية وحقوق الإنسان. الغرب الذي يتحدث الان عن وحشية وهمجية التيارات الاسلامية الارهابية وفاشيتها هو نفسه الذي تحدث عنها كقوى معتدلة ومسالمة تطمح لإقامة نظام ديمقراطي ويحترم حقوق الإنسان والأقليات في سوريا!

تمكن الغرب عموما من إستغلال ورقة التيارات الإسلامية التي وجد في مشروعها الظلامي والمعادي للإنسانية ما يناسب مشروعه في خلق الازمات التي تدفعه احيانا للتدخل ووضع حد لبشاعة هذه التيارات وتصويرها وكأنها الخطر الذي يداهم العالم والعدو الذي يجب التصدي له بحزم حتى لو تم تخريب وتدمير بلدان بأكملها أو تم التضييق على الحريات وسلب الضمانات الاجتماعية التي يتمتع بها المواطن في بلدان الغرب. يسعى الغرب للقيام بدور الحامي الأوحد للعالم والحارس على أمنه وسلامته. ولذلك فانه بحاجة إلى عدو دائم يخوض ضده الحروب والصراعات ويستبيح ويحتل ويدمر العالم، وإن لم يبرز هذا العدو بصفة دولة أو تحالف دول، فلابد من صنعه وتصديره تارة بصفة المعتدل والمسالم والطامح للحرية والعدالة وحقوق الإنسان وتارة اخرى بصفة الهمجي الفاشي المتعطش للدماء.

ولعل الحديث الدائر الآن في فرنسا ووسط نخبها السياسية والثقافية والإعلامية حول ان فرنسا ما بعد مجزرة "شارلي ايبدو" هي ليست فرنسا ماقبلها، يأتي تماشيا مع مساعي سلطات وأنظمة الحكم في هذه الدول لخلق الأزمات الإجتماعية والسياسية لتمرير سياسات وقوانين ومصالح معينة لن تصب إلا ضد قضايا الحريات والحقوق التي تدعي فرنسا انها حاميتها الأساسية.

ستحتل التيارات اليمينية والعنصرية في الغرب مساحة أكبر في عالم ما بعد"شارلي ايبدو" فهذه التيارات التي يتم التضييق عليها باستحياء أو بالتسترعلى ممارساتها، ستكون هي المعادل الذي يحتاجه الغرب للوقوف بوجه التطرف الأصولي الإسلامي الذي يهدد البنية الثقافية والإجتماعية لدول هذا العالم.

مقالات