سمير عادل

قانون شركة النفط الوطنية العراقية والتحايل -الوطني-

في يوم ٥ اذار مررت مسودة "شركة النفط الوطنية العراقية" في البرلمان بكل هدوء ودون مقاطعة اي طرف من اطراف الكتل السياسية لجلسات البرلمان، وقد صادقت عليها رئاسة الجمهورية هي الاخرى بعد ايام قليلة دون اي تأخير او تسويف. لا نريد ان نكرر ونخوض في حيثيات القانون، فهناك اختصاصيين من تطرق اليه بالتفصيل مثل فؤاد قاسم الامير وحمزة الجواهري واحمد موسى جياد وصائب خليل ومنير الجلبي الذي نشرنا له نص مقال عن موقع "المثقف" في العدد السابق ٤٣٦، بيد اننا سنركز على خلفية صياغة هذا القانون وتداعياته الخطيرة في القانون كي نفضح فحواه ومعاداته السافرة لمصالح الطبقة العاملة والاغلبية المحرومة من المجتمع العراقي.

 

قبل كل شيء، السؤال الذي يتبادر الى الذهن، لماذا مرر القانون دون اية ضجة اعلامية ودعائية ومزايدات سياسية كما عودنا ابطال العملية السياسية وسماسرتها وعازفي الجوقات الوطنية؟ والجواب واضح، فبقدر ما يكشف بأن هناك مصالح مشتركة لهذه الاحزاب والقوى السياسية مع تمرير هذا القانون، فبنفس القدر تكشف للمرة المليون التناقض الصارخ بين مصالح اولئك ومصالح الاغلبية المطلقة لجماهير العراق.

 

ان تمرير قانون "شركة النفط الوطنية العراقية" الذي سنتحدث عن فلسفة تمريره، هو امتداد لسياسة الليبرالية الجديدة التي شرعت بها حكومة المالكي وتسعى على تنفيذ بقية خطواتها بشكل حثيث حكومة العبادي. انها سياسة الخصخصة التي يراقبها ووضع خطوطها ويشرف عليها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. فقانون النفط الوطنية وفي مادتيه الثانية والثالثة عشرة تتحول ملكية النفط والغاز من الدولة الى ملكية شركة عامة ذات استقلال مادي ومعنوي وهي التي ستمول الموازنة بنسبة ٩٠٪. ونحن كشيوعيين لا نذرف الدموع الساخنة عل رأسمالية الدولة بوجه رأسمالية القطاع الخاص، وفي كلتا الحالتين لم تحصل جماهير العراق لا في زمن نظام البعث الذي كان النفط والثروات الطبيعية تملكها الدولة، ولا في عصر الاحتلال والاسلام السياسي بموجب جولات التراخيص ولا في زمن قانون النفط الوطنية، الا على الفقر والفاقة وصدقات البطاقة التموينية التي تبخرت اكثرية موادها مثلما تتصحر اراضي العراق، الا اننا نأخذ مصالح الطبقة العاملة وعموم الكادحين بنظر الاعتبار ومن خلالها نتفحص القانون ونسلط سياط نقدنا عليه، ولذلك نرى ان تحويل هذه الملكية اي النفط والغاز الى شركة عامة تنجم عنه مخاطر كبيرة ومحدقة بمعيشة ورفاه وشروط عمل الطبقة العاملة والاوضاع المعيشية للعموم المحرومة في المجتمع. اي بعبارة اخرى كما نوه جميع الاختصاصين من السادة المذكورين، بأن اموال النفط والغاز تفقد صفتها السيادية وتنتقل الى شركة عامة بموجب القانون الجديد. اي من وجهة نظرنا نحن الشيوعيين، في حال عدم تطبيق الحكومة العراقية او اية حكومة اخرى شروط صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وصندوق التنمية الامريكي وبنك باريس والبنك الاوربي الذي اقترض العراق منهم، وهي خصخصة الخدمات والتربية والتعليم ورفع سعر الوحدة الكهربائية والوقود وتنصل الدولة او الحكومة من مسؤوليتها تجاه الصحة والضمان الاجتماعي، وضمان البطالة والغاء البطاقة التموينية وعدم ايجاد فرص عمل للعاطلين وتقليل رواتب العمال والموظفين، وتقويض الحريات النقابية اكثر مما يمكن لتهيئة الظروف لاستثمار العامل وعصره لانتزاع اكثر ما يمكن منه من ارباح من قبل الرأسمال سواء كان محليا او اجنبيا، فأن من حق تلك المؤسسات تجميد اموال الشركة التي تشرع بموجب قانون النفط الوطنية، وعليه وضع السيف على رقاب الجماهير في العراق التي لن يكون امامها الا الاذعان والرضوخ من اجل تأمين لقمة عيشها والبقاء على قيد الحياة.

 

ثلاث فذلكات انشائية يجب فضحها، اذ يحاول منظري هذه القانون تسوقيها للتحايل على ذهن العامل والكادح واثبات حقانيته اي حقانية القانون. الاولي هي تخليص العراق من دولة ريعية او الاقتصاد الريعي، اي ان القانون الجديد سيخلص العراق من اعتماد اقتصاده على اموال بيع النفط والغاز، ولكن لم يقولو لنا كيف؟، فهل تحويل ملكية النفط والغاز من الدولة الى شركة عامة سيتحول اوتوماتيكيا الاقتصاد الريعي الى اقتصاد غير ريعي!!، متناسين مع سبق الاصرار والتعمد، ان مكانة العراق في تقسيم الانتاج الرأسمالي العالمي هو انتاج النفط، ويمنع بأشكال مختلفة تطوير الصناعات الثقيلة وغيرها وهذا سر عدم تزويد ٢٠٠ مصنع من كبريات مصانع الشرق الاوسط بالكهرباء والتمويل الحكومي منذ عصر بريمر، وقد تحدثنا عنها كثيرا في مناسبات مختلفة. اما الفذلكة الثانية فهي مرتبطة بالأولى، تحول العراق من دولة ريعية الى دولة تجبي الضرائب بحكم ستجني اموال من فرض الضريبة على الشركة المذكورة. وهذا ليس علم جديد، فبأماكن جني ارباح كبيرة اعلى بكثير من الضرائب التي تجنيها الدولة لو باعت وسوقت النفط بنفسها. انها عملية حسابية فاشلة لاقتصاديين فاشلين يتنافسون لدخول موقع غينيس للحمقى واللصوص. والفذلكة الثالثة بأن الشعب العراقي سيكون له حصة في اسهم نفط الشركة، ولكن كما يشرح لنا قاسم الامير ومنير الحلبي بإسهاب ان حصة المواطن العراقي من خلال "صندوق المواطن" الذي ستموله الشركة، لن يكون في احسن احواله اكثر من ٨٠ دولار سنويا اذا ما اصبح سعر برميل النفط ٨٠ دولار وان يباع ٥ ملايين برميل يوميا، انها عملية رشوة رخيصة كي تقبل جماهير العراق بهذا القانون اكثر من عملية الضحك على الذقون.

 

واخيرا بعدما فشل تمرير مسودة قانون النفط والغاز لعام ٢٠٠٧ من الباب اعيد نفس القانون من الشباك ليخرج مفضوحا ومكشوفا ودون رتوش هذه المرة. ان من لعب دورا كبيرا في افشال مسودة قانون النفط والغاز هو الجبهة المناهضة لقانون النفط والغاز الذي بادر آنذاك مؤتمر حرية العراق والحزب الشيوعي العمالي العراقي في تشكيلها، وقد ضمت العديد من الشخصيات والقادة ورؤساء وفعالي المنظمات العمالية في العراق، وكان افشال القانون هو أحد قرارات مؤتمر العمال العالمي الذي عقد في اذار من عام 2009 في أربيل. اي بمعنى اخر نحن بحاجة الى تشكيل نفس الجبهة لأفشال القانون من جهة، ومن جهة اخرى العمل والنضال على وضع توزيع الثروات الطبيعية في العراق تحت الرقابة الجماهيرية المباشرة، وليس من قبل حفنة من اللصوص المحليين والعالميين.

 

مقالات

سمير عادل

05/03/2018