مؤيد احمد

الانتخابات والعملية السياسية وموقف الحزب الشيوعي العمالي العراقي منها..

 

الانتخابات والعملية السياسية وموقف الحزب الشيوعي العمالي العراقي منها.. مقابلة مع سكرتير اللجنة المركزية مؤيد أحمد

 

الى الامام: في ١٢ ايار ستنظم الانتخابات في العراق، وهناك من يعول عليها بأنها ستجلب الاستقرار الامني والسياسي، ومن يقول فرصة للحؤول دون وصول الفاسدين من جديد الى السلطة، وايضا هناك من يعلق ليس امامنا خيار اخر سوى صناديق الانتخاب للتغيير، بماذا تعلقون على ذلك؟

مؤيد احمد: بالتأكيد، توجد هذه الاوهام والتصورات حول الانتخابات وتحتل حيزا كبيرا في اجواء الانتخابات الحالية وبالاخص لدى اوساط معينة من الجمهور الناخبين. غير ان هذه التصورات والاوهام لا تشكل المنطلق، بالنسبة للغالبية العظمى من الجماهير لاتخاد الموقف وبلورة التصور حول الانتخابات. ان ما يحدد السلوك السياسي للجماهير ومنطلقها تجاه أي انتخابات من ضمنها الانتخابات الحالية هو، بشكل رئيسي، انقسام الجماهير السياسي المسبق قبل الانتخابات واستقطاباتها السياسية المتنوعة، ووقوع اقسامها المختلفة تحت تأثير نفوذ الآفاق السياسية للحركات والتيارات السياسية واحزابها المختلفة

.

ان المنافسة والدعاية الانتخابية واجواء الانتخابات لا تغير، عادة، ذلك الاستقطاب والانقسام السياسي ولكن تفتح الابواب امام عملية تفاعل سياسي بين تلك الاحزاب وجمهورها بالاساس، وفي هذا السياق، الاستفادة من المنافسة الانتخابية لكسب اوساط محايدة من الجمهور والمصوتين المترددين في صفوف المنافسيين، او تفعيل اوساط آخرى خامدة سياسيا من الجماهير. وكل ذلك لاغراض الفوز بالانتخابات وتحويل الجمهور المكتسب الى رأس مال سياسي مؤقت لحزبه او تحالفه لغرض الفوز

.

ان الانتخابات المزمع اجرائها في 12 أيار 2018 لن تجلب "الاستقرار الامني والسياسي"، وسوف لن تحول دون "وصول الفاسدين الى السلطة"، ولن تحقق "التغيير" بالرغم من قناعة قسم من الناس بها وبكونها خيار وحيد امامها لايجاد "التغيير". وهنا تكمن القضية

.

آخذين ما ذكرناه اعلاه بنظر الاعتبار، لا نستنتج منه تقليل أهمية وآنية هذه المسائل والمعضلات التي تشغل بال الجماهير. ان تحقيق "الاستقرار الامني" وسد الطريق امام صعود "الفاسدين" وايجاد "تغيير" شامل في مجمل النظام السياسي القائم يشغل، في الواقع، بال اكثرية الجماهير ويشكل مصدر قلقها الكبير واهتمامها المتزايد. لذا، تشارك اقساما منها في الانتخابات وتدلي باصواتها أملا منها بايجاد تغيير عن هذا الطريق. المؤسف هو ان ذلك وهم، اذ ترى هي نفسها بعد الانتخابات حقيقة الامر اي كيف ان اصواتها لم تكن غير التواقيع على اعطاء الشرعية لنفس القوى الفاسدة، التي اردت هي ازاحتها وعلى الابقاء على نفس الاوضاع السابقة، ان لم تكن على منزلقات وأوضاع اسوء بفعل القوى المنتخبة. فهذه كانت قصة الانتخابات في العراق منذ 2005 وهذه هي سيناريو الذي يتكرر الان

.

الى الامام: كيف تنظرون الى الاعتصامات اليوم التي تجتاح مناطق بغداد وانتقلت الى العديد من المدن الجنوبية، والتي ربط فيها المحتجون اجراء الانتخابات بشرط توفير الخدمات، وهناك ايضا من ربط بتوفير فرص العمل كما حدث في بعض مناطق الحلة؟

مؤيد احمد: ان الدوافع الموضوعية الاقتصادية والاجتماعية التي تقف وراء الاحتجاجات والاعتصامات الحالية، اشمل وابعد من ان تكون ظاهرة مرتبطة بمسألة الانتخابات او مقاطعتها المشروطة بالرغم من كونها تزامنت مع موسم الانتخابات

.

ان المناطق والاحياء المحيطة ببغداد والعديد من المدن الجنوبية التي تقوم سكانها بالاحتجاجات في الوقت الحالي مناطق مهمشة وفقيرة، يعاني سكانها من نقص في الخدمات بشكل كارثي من نقص في الطرق المعبدة والمسشفيات والمدارس الى المياه الصالحة للشرب والكهرباء وغيرها. ان عدد سكان مناطق الرشاد والحسينية والبتول وسبع البور وغيرها في محيط بغداد يتجاوز مليونين او اكثر، حسب بعض التقديرات هذا عدا المناطق والاحياء المشابهة حول المحافظات الجنوبية

.

ان مقاطعة الانتخابات في تلك المناطق وسد الطريق امام اجراء الحملات الانتخابية وفرض الشروط على الدولة والاحزاب الحاكمة لتوفير الخدمات وتوفير فرص العمل، مطالب عادلة وذات اهمية سياسية خاصة وتحمل في طياتها الكثير. كما ان تطور الصراع الاجتماعي في هذه المناطق وتصدي الجماهير الكادحة والمحرومة فيها لفرض مطالبها على السلطات، سيكون خطوة مهمة في مسار الصراع السياسي والاجتماعي الدائر في البلاد حيث سيهز اركان القاعدة الاجتماعية للاحزاب الاسلامية والقومية الحاكمة في هذه المناطق

.

تشبه اوضاع هذه المناطق اوضاع الاحياء الفقيرة البائسة على حواشي المدن الكبيرة في العالم الراسمالي المعاصر في عواصم والمدن الكبيرة في مصر والبرازيل والهند وغيرها. ان هذه المناطق والاحياء في البلد الغني بالثروات النفطية الهائلة، الذي تتباه به السلطات والبرجوازية الحاكمة، هي محل التجمعات البشرية الكبيرة التي تعيش في اوضاع سكنية ومعاشية متردية للغاية، والتي تجعلها الراسمالية المعاصرة والسياسات النيو ليبرالية الاقتصادية للدولة والسلطات وسياساتها التشقفية والحرب وغيرها، نمط حياتها وذلك بتحويلها الى حواشي وملحقات مركز الحياة الاقتصادية والسياسية في البلاد

.

تنتشر البطالة بدرجات هائلة في صفوف المواطنين في هذه المناطق وبالاخص في صفوف الشباب والشابات، حيث يضطر الشاب ولكسب مصدر للمعيشة ان يتجند في القوى الملسحة للاحزاب والسلطات. هذا، وان مصدر معيشة اكثرية العوائل في هذه المناطق هو عمل هش غير مستقر او العمل اليومي الشاق، اما في البناء او المعامل والمتاجر الصغيرة، او اعمال البيع على البسطات وفي الشوراع وغيرها، بدون ان تتوفر لهم اي ضمانات من قبل السلطات هذا بالاضافة الى نقص الخدمات او بالاخرى غيابها

.

فهذا جيش العمل الاحتياطي الكبير الذي يجعله راس المال المعاصر والسياسة النيو ليبرالية على حواشي الحياة الاقتصادية والاجتماعية، هو الذي بدء يحتج هذه الايام على سوء الخدمات ويقطع الطريق على احزاب الدولة للدخول الى مناطقهم. انها مجرد بداية، حيث ان معاناة الجماهير في هذه المناطق ليست فقط نقص الخدمات، انما تشمل مجمل حياتهم المعيشية وظروف السكن والبطالة الهائلة المنتشرة في اوساطهم

.

ان الاحتجاجات التي تنبثق من هذه المناطق لها اهمية كبيرة وتصطدم سياسيا بالنظام القائم مباشرة، بحيث اذا توحدت نضالات الجماهير في هذه المناطق مع نضال البرولتياريا والكادحين والجماهير المحرومة في المدن الرئيسة ومراكز تواجد العمال المنظمين في الصناعات الاساسية في البلاد، ستنبثق لا محال عناصر ازمة ثورية في الوضع السياسي والاجتماعي في البلاد. لذا ان موقع هذه الاحتجاجات الموضوعي يتجاوز ظواهرها الحالية من قطع الطريق ومقاطعة الانتخابات المشروطة انها تحمل في طياتها الكثير. ان المهمة تكمن في كيف تستطيع الحركة الشيوعية والعمالية تنظم وتوحد نضال هذه الفئات وتقويها، لتحقيق مطالبها ومطالب الانية للجماهير المحرومة في عموم العراق

.

الى الامام: هل هناك برامج سياسية للأحزاب المشتركة في الانتخابات اسوة بباقي البلدان ذات التقاليد البرلمانية العريقة مثل اوربا وامريكا وكندا؟ وهل تستطيع القوى السياسية برايكم التخلص من هوياتها القومية والطائفية كما تدعي جميعها دون استثناء، ام انها مناورة سياسية كي تفلت من فلتر الجماهير التي وصلت الى حد قد طفح بها الكيل ضد هذه الهويات؟

مؤيد احمد: لا يمكن للاحزاب والقوى السياسية المشاركة في الانتخابات ان "تتخلص من هويتها القومية والطائفية"، لانها وببساطة شديدة قوى برجوازية قومية وطائفية من حيث الاساس

.

اهم خصائص الانتخابات الحالية هي طابعها البرجوازي القومي والطائفي وذلك بسبب الهيمنة المطلقة للاحزاب والقوى القومية والدينية والطائفية فيها، وغياب احزاب وكتل الطبقة العاملة والجماهير المحرومة وغير المالكة في هذه الانتخابات. وبالتالي غياب وجود التكتلات الانتخابية على اساس اليسار واليمين في المجتمع، اي على اساس ممثلي الطبقات الاجتماعية المتناحرة. ان ممثلي العمال والكادحين والموظفين والشباب والشابات والنساء عموما والجماهير الواسعة المحرومة والمهمشة غائبون في هذه الانتخابات

.

بالرغم من ان كتلة "التيار المدني" تريد ان تكون مرتبطة باقسام من المعارضة والاحتجاجات "المدنية" في البلاد، غير انها لا تمثل العمق الاجتماعي العمالي والشبابي والنسوي التحرري في المجتمع. كما ان الحزب الشيوعي العراقي المنضم الى تحالف الصدريين، تحت اسم قائمة "سائرون"، ترك حتى التيار "المدني"، دع ذلك جانبا انه لا يربطه شيئا بالعمال والكادحين وقضايهم

.

ان نظرة سريعة على خارطة الاحزاب والقوى السياسية المشاركة وتحالفاتها وكتلها الانتخابية تعطيك الصورة الواضحة لمجرى الاحداث في هذه الانتخابات. بالرغم من التغييرات في الاسم ونمط الكتل والتحالفات، وبالرغم من الابتعاد عن استخدام الشعارات والرموز والايحاءات الطائفية والدينية وحتى القومية الى حد ما، فان الاحزاب البرجوازية الرئيسة في العراق لا زالت هي احزاب التيارات الاسلامية الطائفية الشيعية والسنية، واحزاب التيارات القومية العربية والكردية والتركمانية وغيرها

.

الجوهري هو ان هذه الاحزاب البرجوازية موحدة بوجه الطبقة العاملة والجماهير المضطهدة والكادحة والفئات المسحوقة الاخرى. كما ان شدة تضاد المصالح فيما بين هذه الاحزاب، في بلد يواجه التحديات الامنية وعدم الاسقرار السياسي، تجعلها في صراع متفاقم وازمة سياسية متواصلة

.

مع الدخول في مرحلة ما يسمى "ما بعد داعش" باتت الضرورات الاقتصادية والاجتماعية الاكثر اتساعا وعمقا تضغط على الاحزاب والقوى البرجوازية القومية والاسلامية بحيث تحدد، الى حد ما، سلوكها السياسي ولوائحها الانتخابية. ان هذه الاحزاب القومية والطائفية تريد بالاساس وكل من زاوية مصالحها الخاصة، ان تتطابق سياساتها واستراتيجتها مع متطلبات وضرورات المجتمع البرجوازي وفترة مقبلة لتراكم راس المال في العراق

.

ان لوائح الاحزاب الرئيسة وكتلها الانتخابية، ولحد الان، تتمحور بدرجات متفاوتة حول التطابق مع الفترة ما بعد داعش والاستجابة لتلك الضرورات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والامنية التي يتطلبها حركة راس المال، وهذا يتضمن بالتالي وسائل احتواء مخاطر تفاقم الصراعات الطبقية والاجتماعية الملازمة لها والتي يشهدها المجتمع حاليا وسيشهدها بشكل اشد لاحقا. لذا، ان البرامج الأنتخابية للاحزاب البرجوازية الرئيسة في العراق تتسم بالعداء الشديد تجاه الحركة العمالية ومطالب الجماهير والحركات الاحتجاجية، وتتصف بطابع الخداع والوعود الكاذبة وغيرها تجاهها

.

ما يجلب الانتباه بشكل خاص لدى نظرة على اسماء التكتلات والتحالفات الانتخابية الكبيرة الحالية، هو ان الجميع يتحدثون عن ضرورات الاستجابة لمتطلبات سيادة الامن والاستقرار و"القانون" و"النظام" و"الاصلاح" وعراق "قوي" والدفاع عن وحدة "الوطن" وغيرها، وذلك بمثابة المتطلبات الاولية للاستقرار البرجوازي وفترة من الازدهار في تراكم راس المال دع ذلك جانبا، كي يستحوذ كل واحد منهم على حصته من السلطة والثروات الموجودة والمتراكمة

.

ان اسماء التحالفات الانتخابية الكبيرة تكشف بوضوح جوهر الهم والمعضلة الاساسية التي تمثلها تلك التحالفات. ان تحالف "النصر والاصلاح" للعبادي وعمار الحكيم، "دولة القانون" للمالكي واعوانه، "ائتلاف الوطنية" لاياد العلاوي وسليم الجبوري، "سائرون" لحزب الاستقامة الصدري والحزب الشيوعي العراقي ومن ثم "الفتح" لهادي العامري، و"التضامن" للاخوين النجيفي يشكلون اكبر الكتل الانتخابية. ان هذه الكتل رغم كل التغييرات في مواقع بعض احزابها وقواها فيما بينها وتجاه الدول الامبريالية والاقليمية مبنية، على نفس اساس التقسيمات الطائفية والقومية والدينية القديمة. ان تحليل كل هذه التحالفات ولوائحها الانتخابية بحاجة الى بحث اوسع ولكن اود هنا الاشارة بشكل مختصر الى دلالات اسم كل تحالف من هذه التحالفات

.

يعطي اسم تحالف "النصر والاصلاح" الانطباع بان الدولة والمؤسسة البرجوازية للحكم موجودة ومنتصرة وتبقى المهمة هي اصلاح النظام وهيكلة الاقتصاد. يريد ان يؤكد هذا الاسم بان هذا هو الجواب على مهمات مرحلة ما بعد داعش ويوعد باجراء اصلاح ضد الفساد واعادة هيكلة الاقتصاد والمؤسسات، بحيث تتطابق مع واقع متطلبات بناء دولة قوية تضمن حركة وتراكم راس المال والاستثمارات العالمية. ان هذا التيار هو من المدافعين الاشداء عن السياسات النيو الليبرالية الاقتصادية، من ضمنها الخصصة الشاملة وفتح الابواب امام الاستثمارات العالمية والنمو الراسمالي البرجوازي على اساس السوق الحرة والخصصة. انه مدعوم من قبل امريكا والغرب بشكل اساس

.

ان تيار المالكي و"دولة القانون" واضح المعالم وقديم حيث انه يريد تثبيت اركان السلطة ودولة القانون البرجوازي، وهمه الاساسي هو بسط السيطرة على كل العراق وتهيئة الظروف لترسيخ دولة قوية اسلامية على غرار الجمهورية الاسلامية في ايران وبالارتباط معها. انه من ضمن اشد التيارات رجعية خطورة

.

يشكل التحالف "الوطني" للعلاوي وسليم الجبوري وغيرهما، بالرغم من ضعفهم الحالي، احد البدائل البرجوازية الاساسية والذي يريد ايجاد عراق موحد على اساس الانتماء الى "وطن واحد"، وبالتالي بمثابة تيار قومي عربي متحالف مع التيار الاسلام السياسي السني وبالارتباط مع الدعم السعودي ودول الخليج وامريكا والغرب

.

هذه التحالفات الثلاثة المحورية تمثل البدائل البرجوازية الاسلامية والقومية لعهد ما بعد داعش على صعيد العراق، وتمثل لوائحها السياسية الاجابة على متطلبات حركة راس المال والقضايا الامنية والسياسية المقبلة في العراق

.

تبين نظرة خاطفة على اسم تحالف "سائرون" انه وبالرغم ، من كثر عدد المقاعد البرلمانية الحالية للصدريين، لا يعرفون الى اين يسيرون!؟. ولماذا هم "سائرون" اساسا!؟. ان هذا التحالف على العكس من التيارات البرجوازية الحكومية الثلاث التي اشرت اليها اعلاه لايمثل بديلا برجوزايا قويا وواضح المعالم. انه تحالف انتخابي برجوزاي ضمن معسكر البرجوزاية والاحزاب الحاكمة وبامكانه ان يجمع الاصوات، ولكن ليس بديلا متماسكا ومناسبا لمتطلبات تراكم الراسمالي المقبل في العراق ومتطلبات تامين الاستقرار والأمن البرجوازي. ان وجود الحزب الشيوعي العراقي لا يقلل من هذا التناقض والغموض في موقع هذه الكتلة ومستقبلها لا بل يزيده

.

هذا، وان تحالف "التضامن" للاخوين النجيفي وغيرهما وبعد مأسي الموصل ووجود الملايين من النازحين ليس بذاك القوة والاقتدار، وان ترابط مصالح هذا التحالف بالتيار القومي العربي وعلاقاته بتركيا وقطر يجعله تحالفا مليئا بالتناقضات. وفيما يخص تحالف "فتح" لـ هادي العامري انه مرتبط بايران وهو قوة ميليشياتية بالاساس ولا يمثل تيارا حكوميا متجانسا

.

الى الامام: لماذا تخاف قوى واحزاب العملية السياسية من عزوف الجماهير عن الانتخابات، في حين اي كانت نسبة المشاركة فستباركها الامم المتحدة والمؤسسات الدولية والقوى السياسية المحلية وستسميها بعرس انتخابي ومهرجان انتخابي؟

مؤيد احمد: كلامك صحيح ودقيق عندما تقول بانه مهما كانت نتائج الانتخابات "ستباركها" "الامم المتحدة والمؤسسات الدولية" وغيرها، غير ان ذلك لا يكفي ولا يكمل القصة

.

اذا نظرنا للمسألة من حيث المنطق البسيط نرى انه في النظام البرلماني والانتخابات الملازمة له بصورة عامة سيكون الامر كالتالي: مع الاقرار على الانتخابات سيكون كل حزب او تحالف او ائتلاف برجوزاي مشارك في الانتخابات مجبرا على ان يصرف كل جهوده وامكانته، حتى اذا امكن ارتكاب التزوير والخداع واعطاء الوعود الكاذبة، كي يحصل على اكبر الاصوات، لانه بدون ذلك سيخرج من حلقة المنافسة او يدفع به الى الوراء ويفقد مكانه السياسي ونفوذه كحزب او طرف سياسي معين. لذا ان العزوف عن الانتخابات بطبيعة الحال يقلل فرص صعود وفوز كل واحد من المشاركين في المنافسة الانتخابية. هذا من جهة، ومن جهة آخرى، ان العزوف عن الانتخابات هو تعبير عن ازمة النظام وبالتالي ازمة قوى النظام الرئيسة بشكل خاص، وازمة كل واحد من المشاركين في العملية التنافسية كذلك بشكل عام. لذا العزوف سيكون مصدر قلق كبير بالنسبة للاحزاب الحاكمة عموما

.

لندع المنطق جانبا الان، ان ما يجري على ارض الواقع في العراق هو ان النظام السياسي القائم المبني على اساس التقسيم الطائفي والقومي للمجتمع، هو بحد ذاته نظام هش ومتأزم وان الصراعات فيما بين مختلف القوى العملية السياسية متفاقمة ودموية. ان 15 سنة من العيش في ظل هذا النظام الذي ليس بوسعه تامين الامان للجماهير ولا حل المعضلات المستعصية التي خلقتها صراعاتها فيما بينها جعله متازما. بالاضافة الى ذلك، ان نهب ثروات البلاد عن طريق الفساد المستشري في مجمل النظام وفرض الفقر والجوع والبطالة بسبب السياسات الاقتصادية ونزوح الملايين من السكان، ووقوع عشرات اللاف من القتلى ضحايا الارهاب والحرب على داعش المجرم، جعل من هذا النظام في معرض التهديد المتواصل. ان عزوف الجماهير عن الانتخابات حتى وان لم يتحول الى عمل جماهيري احتجاجي واسع سيلقي ضربة كبيرة لنظام الذي هو مهزوز بالاساس

.

الى الامام: هل عدم اشتراك الشيوعيين في الانتخابات موقف مبدئي؟ وما هو موقفكم من هذه الانتخابات؟ وكيف توجهون ندائكم الى الجماهير؟

مؤيد احمد: من حيث المبدء، نحن لا نرفض المشاركة في الانتخابات للبرلمان ليس هذا فحسب، بل وحسب تقيمنا لكل انتخابات على حدة بامكاننا المشاركة في الانتخابات البرلمانية البرجوازية. ان بديلنا للنظام البرلماني هو النظام المجالسي اي حكم المجالس العمالية والجماهيرية المنظمة من المحل الى المستوى العام، من المواقع الانتاجية والمحلات والاحياء الى المدينة والمناطق والاقاليم وصولا الى مستوى البلاد. ونرى ان ذلك يؤمن الحرية والمشاركة الفعلية للجماهير الواسعة في الحياة السياسية، وادارة الدولة بشكل نوعي افضل واعم واكثر "ديمقراطية". هذا، وان النظام المجالسي يتطلب ان تكون جميع الوظائف الحكومية والادارة والقضاء ينتخب عن طريق الانتخابات المباشرة، وكل منتخب قابل للعزل في اي وقت تريده اكثرية المنتخبون الخ

.

حولت البرجوازية العالمية البرلمان والانتخابات البرلمانية منذ القدم الى آلية لحكمها وتأمين سيادتها السياسية في المجتمعات المعاصرة. لذا، نحن كشيوعيين واشتراكيين وحسب الاوضاع وتوازن قوى معينة وتشخصينا الخاص لكل انتخابات نشارك او نقاطع الانتخابات والحملات الانتخابية

.

موقفنا من الانتخابات الحالية هو، مثل ما اشرت اليه في سياق ردودي السابقة على اسئلتك، مبني على واقع هذه الانتخابات التي لا يمكن من خلالها ايجاد اي تغيير نحو الاحسن لصالح رفاهية المجتمع وقضية الحرية والمساواة والتقدم الاجتماعي. لذا ان موقفنا هو مقاطعة الانتخابات الحالية الذي هو نفسه موقف قطاعات واسعة من الجماهير التي توصلت بتجربتها الخاصة خلال 15 سنة الماضية الى العزوف عن الانتخابات

.

ان النظام القائم الذي ينظم هذه الانتخابات هو نفسه النظام المبني على التقسيم الطائفي والقومي المحصصاتي للبلاد، نظام القوى الميليشية المسلحة التي لا زالت تتحكم بالمصير السياسي للبلاد، نظام يولد هو نفسه عدم الامان ويشدد تقسيم المجتمع ويؤجج الكراهية القومية والطائفية بين المواطنين. انه نفس النظام الذي يقمع النساء ويسلب منها الحقوق والحريات ويشرع اسلمة المجتمع وينفذها بشتى الاشكال، نظام يخنق الحريات السياسية والفردية والمدنية. يضاف الى ذلك، انه النظام الفاسد العاجز عن الاصلاح والذي يفرض عن طريق فرض سياساته الاقتصادية النيو ليبرالية الراسمالية الفقر والجوع والتهميش والبطالة على العشرات الملايين من العمال والكادحين والشباب والشابات

.

تصرف الكتل الكبيرة الانتخابية ومن خلال الفساد اموال هائلة على الاعلام والحملات الانتخابية وشراء الذمم وتجرد المنافسين من امكانية المنافسة الواقعية، هذا بالاضافة الى ارتباط احزاب هذه الكتل بسياسات واجندة الدول الامبريالية والاقليمة المختلفة حيث تعقد الصفقات والتوافقات السرية، وتحصل على التمويل وتحتكر الساحة الانتخابية بشكل شبه مطلق. ان الميليشيات والقوات الامنية والقضاء المسيس تمنع وتقمع حرية النقد وتسد الباب على كشف تورط المسؤلين بالفساد وغيرها من الجرائم

ان الضمان الوحيد لخطو اية خطوة جدية الى الامام باتجاه تغيير الوضع الحالي ليس نشر الوهم بصدد الانتخابات، انما هو مبادرة الجماهير نفسها للدفاع عن معيشتها وحقوقها وحرياتها وهو مبادرة العمال والكادحين والجماهير المتضررة من هذه الاوضاع، لتنظيم انفسهم في المنظمات الجماهيرية والمجالس والنقابات والتجمعات، وهو تنظيم الاحتجاجات في الشوراع والمحلات والاحياء واماكن العمل لفرض التغير بانفسهم

.

ان الانتخابات الحالية لا تحقق التغيير ولا تحقق ايا من مطالبنا العادلة والمشروعة في التمتع بحياة مرفهة والامان والحرية. ان الانتخابات عمل سياسي وآلية من آليات حكم البرجوازية واحزابها وهي تستهدف ترسيخ اداة حكمها واحتواء الاعتراض الاجتماعي. ان النضال المدني والاحتجاجي وتنظيم صفوف الجماهير خارج الحملات الانتخابية والبرلمان هو الضمان الوحيد لتحقيق التغيير، وهو الذي بامكانه ان يكسر الاجندة الطبقية البرجوازية القومية والاسلامية في الانتخابات الحالية ويخلق الازمات في صفوفها ويفرض عليها التراجع. ان الترقب والاعتماد على الانتخابات ليس الا الادامة بالوضع القائم

.

ان المقاطعة الاجتماعية الفعالة وبشكل مدني التي تتنامى من خلالها تنظيم العمال والموظفين والشباب والشابات والحركة النسوية في حركة سياسية جماهيرية منظمة هي التي بامكانها ان تنهي النظام وتحقق التغيير. ان العزوف عن الانتخابات يجب ان يكون مرافقا مع تصعيد درجات التنظيم الجماهيري والاحتجاج. ان الجماهير المحتجة في مدن كوردستان حققت خلال الايام القليلة الماضية بعض نجاحات، حيث كسرت حاجز الخوف في اربيل ودهوك واستطاعت ان تفرض مطالبها على الحكام هناك عن طريق تنظيم احتجاجاتها بشكل اكثر تنظيما. التلاحم الاممي بين العمال والكادحين والجماهير المحرومة في عموم العراق شرط اولي لتحقيق اي خطوات كبيرة في مسيرة التحرر الاجتماعي

.

نحن في الحزب الشيوعي العمالي العراقي قاطعنا الانتخابات الحالية كجزء من مقاطعة الجماهير المستاءة والمناهضة للوضع القائم

.

مقالات