سمير عادل

الصراع الطبقي والطائفية

ان سر قوة الطائفيين في العراق وعصاباتهم هو في تدمير اركان المجتمع المدني واشاعة الفوضى واطلاقات العنان للمليشيات، وتسويق الفكر الطائفي بأقبح اشكاله عبر الفضائيات والفتاوى وترسيخ المناسبات الدينية وتعميم التقاليد والاعراف القبلية المتخلفة، وتعزيز مفاهيم رجعية في الادبيات السياسية مثل المكونات والطوائف والاقليات لتمكينهم من ادامة سلطتها الفاسدة.

 

لقد ذكرنا اكثر من مرة وفي اكثر من مناسبة، ان احدى العوامل الرئيسية التي حولت داعش الى غول هو الظلم الطائفي الذي لم تعترف به الى الان لا حكومة العبادي ولا العبادي نفسه ولا كل المتحذلقين حوله لمصالح واضحة. وعلى مدى ما يقارب من عقد ونصف استطاع اولئك المتخندقين في العملية السياسية الذي يقودهم التحالف الشيعي من ادامة الاوضاع الانفة الذكر، لسرقة أكثر ما يمكن من ثروات الجماهير وامتصاص عرق جبين العمال، وانتزاع قدر المستطاع ما تبقى من جيوب الكادحين ومحرومي المجتمع.

 

وكل تلك المحاولات لم تستطع نسف الجذر المتمدن للمجتمع العراقي، فصحيح استطاعت العصابات الطائفية في احداث شرخ في الوعي الاجتماعي للمجتمع، ولكن هذا الشرخ لم يصل حتى الان الى جذر المجتمع.

 

بيد ان المسالة لا تنحصر فقط في استراتيجية القوى الاسلامية الطائفية لتغليب الوعي الطائفي والصراع الطائفي على كل اشكال الوعي في المجتمع، بل يلعب صف ممن يصفون انفسهم بالنخبة المثقفة وعلية القوم والمصدرة للفتاوى ولكنها باسم المدنية، ينكرون بشكل واعي ومتقصد الصراع الطبقي في المجتمع. انهم تارة يقولون ولى الزمن على هذه المقولات اي "الصراع الطبقي" وانها اصبحت من الكلاسيكيات، وجمع يقول ليس هناك طبقة عاملة في المجتمع العراقي، وكأن اقتصاد العراق يدور بطواحين هواء دونكيشوت. فسواء قبلوا او لم يقبلوا اولئك النخبة اللامثقفة التي تعمل بشكل مأجور او طوعي للبرجوازية، فأن منطقهم يلتقي مع منطق الطائفيين في تغليب الوعي الطائفي على الوعي الطبقي.

 

وهذا ايضا يكشف عن سر اخر وهو الهجوم الدعائي والاعلامي على الشيوعيين والعلمانيين في المجتمع العراقي. فليس هناك اية كتلة او مجموعة عابرة للطائفية والقومية المحلية المهترئة غير الشيوعيين وقوى مدافعة عن الحرية والانسانية تصنف نفسها تارة بالديمقراطيين واخرى بالليبراليين. لان هذه القوى تاسس الى مجتمع طبيعي ومتحضر ومدني ويغلب فيه الصراع الطبقي على كل اشكال الصراعات المزيفة التي لا تخدم الا مصالح كل اللصوص والفاسدين في العراق. فليتخيل القارئ ماذا لو دفنت الطائفية ووضعت تحت الاقدام في العراق، في شوارع الاعظمية وازقتها، في مدينة الثورة والحرية، في الدورة والمحمودية، في الخالص وبلد، في سامراء والموصل..الخ؟ الجواب سيضع كل اولئك الطائفيين في الاقفاص الى جانب الحيوانات المفترسة في حديقة الحيوانات في الزوراء.

 

انها الاعتصامات والاحتجاجات العمالية التي تجتاح مدن العراق وبأشكال مختلفة، التي تكشف عن الاصالة المدنية للمجتمع العراقي. ان هذه الاعتصامات تشحذ الذاكرة لتعيد بنا الى حقبة الثلاثينات والاربعينات والخمسينات والستينات من القرن الماضي، التي كانت الاحتجاجات العمالية في مختلف القطاعات الصناعية في العراق ترسم الملامح السياسية والاجتماعية للمجتمع العراقي. انه الصراع الطبقي بين العمال الذين يصنعون كل الخيرات وبين حفنة من اللصوص والفاسدين يمسكون بكل مقدرات المجتمع. لقد اصاب كبد الحقيقة ديك تشيني نائب الرئيس الامريكي في ادارة بوش الابن عام ٢٠٠٧ عندما قال لا يخيفنا رفض البرلمان العراقي لمسودة قانون النفط والغاز، ولكن ما يخيفنا هو نزول هذا القانون للمنظمات العمالية في العراق ومناقشته. اي بعبارة اخرى سيتحول الصراع على هذا القانون الى صراع طبقي بين العمال وادارة الاحتلال وبرلمان اصحاب شركة فلاي بغداد وعلاوي الدورة وحرامية مصرف الزوية وشركة زين للاتصالات وعشرات شركات المقاولات..الخ.

 

اما الاحتجاجات الاخرى فهي لا تقل عن اهمية الاحتجاجات العمالية، وهي احتجاجات احياء ومناطق اطراف بغداد وانتقلت الى المدن الاخرى وتحت شعار "لا انتخابات دون خدمات". ان الاسلام السياسي الذي امسك بامانة بغداد ووزارة الاسكان والاعمار والصحة والتربية طوال ثلاثة دورات تشريعية وتنفيذية، هو المسؤولة عن انعدام الخدمات بشكل مباشر في تلك المناطق والمدن. ان الفساد هو نتيجة وليس السبب في عدم تقديم الخدمات. فمن مصلحة جماعات الاسلام السياسيي التي تمسك بدفة السلطة في العراق ابقاء المجتمع العراقي في اوضاع الانحطاط. لان تقديم الخدمات تعني المدنية وتعني رفع توقعات واحلام الانسان. فكما اعتاش داعش السني على الظلم الطائفي، فأن الاسلام السياسي الشيعي يعتاش على انحطاط المدنية. وكلاهما يتغذيان من نفس المستنقع سواء الطائفي او الانحطاط المدني ويتبادلان المواقع حسب الحاجة والضرورة.

 

ان الطريق لدفن الطائفية في العراق، هو في تصعيد الاحتجاجات العمالية للمطالبة بحقوقهم المشروعة من دفع الاجور وتثبيت العقود على الملاك الدائم وتحسين شروط العمل. وفي نفس الوقت دفع الاحتجاجات من اجل تحسين الخدمات الى الامام. ان صوت الاحتجاجات يعلو فوق صوت الطائفية وفوق قرقعة طبول الانتخابات.

 

ان مهام الشيوعيون والقوى التي تعمل من اجل اعادة الوجه المدني للمجتمع للعراقي وطرد الطائفية والى الابد من الساحة السياسية والاجتماعية والفكرية في العراق، هو تقديم كل اشكال الدعم لتلك الاحتجاجات؛ دعم وناشطي الاحتجاجات العمالية على تشكيل شبكة على المستوى "الوطني" اي المستوى الجغرافي للعراق، للتنسيق وتبادل الخبرات والتشاور وتوحيد الصفوف وتوحيد المطالب للحفاظ على زخم التظاهرات والاعتصامات للضغط على الحكومة لتنفيذ مطالب العمال، تشكيل صناديق الدعم المالي لدعم كل اشكال الدعاية والاعلام لتلك الاحتجاجات، ربط تلك الاحتجاجات بالاحتجاجات من اجل الخدمات، فعوائل واسر نفس العمال المحتجين يعيشون ويسكنون في تلك المناطق.

 

لقد امسى شعار "لا انتخابات دون خدمات" الى شعار وطني واصبح يشتق منه شعارات اخرى كما في مدينة الحلة "لا انتخابات دون ضمان بطالة او فرصة عمل"، او شعار العمال في مدينة الناصرية "لا انتخابات دون صرف الرواتب". وأخيرا لتعرف كل جماعات العملية السياسية بأن جماهير العراق غير مستعدة مرة اخرى على عض اصبع الندم، وان اكسير الطائفية قد اصبح فاقد الفعالية، وستدفع ثمن استهتارها بدماء ومصير ومستقبل جماهير العراق طوال هذه السنوات...

 

مقالات

سمير عادل

05/03/2018