سمير عادل

في ذكرى تدمير المجتمع العراقي الأرادة الثورية هي الرد

لا نكتب "كي لا ننسى" كما كان يقول البعثيون، او نسرد الذكريات كي نلطم الخدود ونبكي على الاطلال مثلما يفعله اولئك الذين صدقوا وروجوا للكذبة الديمقراطية عبر المارينز الامريكي، "كاعتراف" منهم لغسل ذنوبهم مثلما يفعل المتدين المسيحي بذهابه الى غرفة الاعتراف في الكنيسة وهو يعترف بذنوبه للكاهن عبر شباك يفصل بينهما. فأذا كانوا في المرة الاولى تورطوا في نشر الاوهام حول الحرب واحتلال العراق، ففي هذه المرة تورطوا في نشر الياس والاحباط في المجتمع. اما بالنسبة للشيوعيين فهم يكتبون كي يستلهموا العبر والدروس من التجربة والخبرة من احداث التاريخ لتطوير وسائلهم النضالية وتكتيكاتهم السياسية.

 

ما تدور من احداث اليوم في العراق، نبهنا لها في الحزب الشيوعي العمالي العراقي في خطابنا السياسي وبشكل عملي عبر احتجاجاتنا امام ابواب مؤتمر لندن عام ٢٠٠٢، عندها خرج علينا اياد علاوي وهو يستشيط غضبا منا وتتطاير الشرر من عينيه، بينما نجده اليوم يتأفف من العملية السياسية ويحذر من تداعياتها ويذرف دموع ساخنة لا على الشعب العراقي، بل على ملكوته الضائعة بالرغم من تقديم كل الخدمات الجليلة والممتنة لدوائر المخابرات الامريكية والبريطانية من اجل احتلال العراق. وفي تشرين الاول من نفس العام طرد رفيق دربه عراب الاحتلال ومؤسس البيت الشيعي احمد الجلبي من مدينة تورنتو الكندية بهتافات وشعارات اعضاء وكوادر الحزب الشيوعي العمالي العراقي "لا لأمريكا ولا لصدام"، وكان يركض لاهثا وهو كعلاوي يهدد ويتوعد، لأننا افشلنا عملية تسويق فكرة الحرب واحتلال العراق امام الراي العام العربي والكندي. وفي ١٩ نيسان من عام ٢٠٠٣ اي بعد تسعة ايام فقط من سقوط بغداد، لم يفتح الحزب بعد مقراته ولم يجمع قواه تنظيمية، كنا فقط ١١ شخص تجمع امام فندق مريديان في بغداد ورفعنا شعارات "لا للاحتلال.. ويجب طرد القوات الامريكية من العراق" في حين كانت حمى "الديمقراطية" تغزو المجتمع العراقي واهازيجها تعلو فوق اصوات مزمجرات الدبابات الامريكية، وكانت الجماهير توزع الورود على المارينز الامريكي.

 

واليوم نذكر هذا التاريخ لا لنفخر به وان كان هو مدعاة للفخر، لأننا ندرك ان المفلسين السياسيين والمهزومين وحدهم يذكروا التاريخ كي يكون عزائهم وسلوانهم، بل نذكر التاريخ كي تتذكر الجماهير في العراق وكذلك في المنطقة بأن الحرية والديمقراطية والعيش الكريم وعالم افضل كما نبهنا اليها عشية الحرب واحتلال العراق، لن تأت مطلقا عبر دهاليز البيت الابيض وتين داونغ ستريت وقصر الاليزيه، وان الاكاذيب والألاعيب التي استغفلت بها جماهير العراق في ٢٠٠٣، ما زالت تحاول ان تطليها نفس القوى على جماهير سوريا لإعادة سيناريو "النظام الديمقراطي" العراقي في سوريا.

 

في ذكرى سقوط بغداد، تعلمنا الاحداث التي مرت على العراق، بأن هناك مفاهيم ومقولات وجمل تكاد تكون غير متطابقة مع ما عشناه. فمثلا التاريخ يكتبه المنتصرون، لكن في العراق، المنتصرون كانوا وما زالوا حفنة من الرعاع لم يبالوا بكتابة التاريخ بقدر ما اهتموا بتدوين اسمائهم في خانة تأريخ اللصوص والمجرمين. والحق يقال فقد استفيد من التاريخ باستحضار ارواح الوحوش الكاسرة التي انقرضت. فالتاريخ كان حاضرا عند كتابته في العراق، ولكن تاريخ انتزاع الهوية الانسانية من البشر لذبحه بدم بارد وبعد ذلك لتحويله الى مكونات اقرب الى المكونات الكيميائية، وتعبئتها في علب زجاجية وترتيبها واحدة تلو الاخرى كما هو الحال في المختبرات الكيميائية، وان اي تغيير في درجات حرارة المختبر او تخلخل بالضغط او حدث عرضي بسيط من الممكن ان ينفجر دون سابق انذار.

 

وايضا في العراق التاريخ لا يعيد نفسه مرتين كما يقول ماركس، مرة بشكل مأساة واخرى بشكل ملهاة، فالتاريخ يعيد نفسه عدة مرات وفي كل مرة تكون المأساة اشد من التي سبقتها. ويكفي سرد الاحداث التاريخية منذ ١٩ اذار ٢٠٠٣ فكانت الحرب واعلان سقوط بغداد في ٩ نيسان ٢٠٠٣، ومن ثم الحرب الطائفية في شباط ٢٠٠٦، وبعد ذلك سقوط الموصل بيد داعش في ١٠ حزيران ٢٠١٤ وما زال الحبل على الجرار كما يقول المثل العراقي.

 

في ذكرى الاحتلال وسقوط بغداد، لا نتحدث، مثلما يتحدث القوميين والبعثيين حول تدنيس التراب الوطني ومجيء الاجنبي وسرقة ثروات الشعب..الخ من الكليشيات القومية التي اشبعونا بها واعموا عيوننا بها، فاليوم وفي العالم الرأسمالي المعاصر، فأن اكثر الزعماء الوطنيين في العالم واشرفهم يساهم مع رفاقه الوطنيين في صياغة القوانين لتسهيل قدوم الرأسمال الاجنبي، وتوفير شروط تؤمن قوى عمل رخيصة وبيئة آمنة لانتزاع الارباح عبر فرض ظروف عمل قاسية على العمال، من تقليل الاجور والضمان الاجتماعي والرعاية الصحية. فمن زاوية القوميين، فان التراب الوطني اقدس من الانسان، اما من زاوية ابو العمامة فأن الانسان عبدا حقيرا للاله الذي نصبه وليا بالتزوير على الجماهير، وان ما سرقه الوطني سواء كان بعثيا او ابو عمامة من ثروات الشعب كان اعظم بكثير من الاجنبي.

 

ان ذكرى سقوط بغداد بالنسبة لنا، هي ذكرى قتل وتشريد الملايين من الجماهير، انها ذكرى تدمير كل اركان المدنية في المجتمع العراقي، ذكرى لمسح كل ما له صلة بالإنسانية، ومحاولة لتأسيس بنية فوقية سياسية من سلطة وقضاء وقوانين لخلق انسان يلهث وراء الهوية الطائفية والقومية، ويكون منشغلا ابدا بالبحث عن الامن والامان في ظل الطائفة والعشيرة والقومية والعرق وكل الادوات المنقرضة. فصحيح ان المشروع الشرق اوسطي او النظام العالمي الجديد الذي كان بوابته احتلال العراق، قد فشل، ولكن الصحيح ايضا بأن السياسات الطائفية والقومية التي كان احدى المحاور الاصلية لذلك المشروع ما زالت سارية المفعول وتستمد الدول الاقليمية وادواتها المحلية في العراق القوة منها.

 

في ذكرى سقوط بغداد، نقول للطبقة العاملة والجماهير التواقة للحرية والرفاه والكرامة الانسانية، ان التغيير يأتي فقط بعدم السماح لاي كان بالنيل من عزيمتنا الثورية وتسويق تصورهم بأنهم ابدا خالدين.ان جريمة الاحتلال والحرب والقتل لن يحدث عليها تقادم، وان لا خيار امامنا سوى بالإرادة الثورية وتوحيد الصفوف نحو عالم افضل هو الطريق الوحيد في جعل الانسان اغلى رأسمال كما يعلمنا ماركس.

 

مقالات

سمير عادل

05/03/2018