سمير عادل

الاسلام السياسي الشيعي والصفاقة السياسية

الصفاقة والانتهازية والنفاق السياسي وتغير لون الجلد بين ليلة وضحاها وفن امتهان الكذب هو سمات اساسية للسلطة البرجوازية في كل مكان في العالم، ولكن درجة صفائها تختلف من بلد الى اخر. ففي العراق سجل نقاء تلك السمات اعلى الدرجات. فمثلا يتحفنا جلال الدين الصغير القيادي في المجلس الاسلامي الاعلى وهو مؤسس علم النستلة في الاقتصاد، عندما فتق نظريته بالدفاع عن سياسة التقشف التي فرضتها حكومة العبادي قبل اربع سنوات، بأن العائلة العراقية بإمكانها تجاوز سياسة التقشف والاكتفاء بمبلغ ١٠٠ الف دينار شهريا اذا ما تخلت عن اكل النستلة، واليوم يتحفنا بنظرية سياسية جديدة لتشكيل حكومة بعد الانتخابات وهي ان المجرب الكفوء افضل من النزيه غير المجرب. اي ان اللص والفاسد السياسي في المناصب الحكومية الذي لا يتفنن ولا يمتهن غير السرقة ونهب الاموال افضل من النزيه غير المجرب، وهذه هي حصيلة تجربتنا منذ مجلس حكم بريمر وحتى يومنا هذا. لنتجاوز الصغير ونذهب الى السياسي الفلتة الاخر الذي سيكون المحور الاصلي لمقالنا، وهو مقتدى الصدر الذي لعب دورا كبيرا في انقاذ العملية السياسية من غضب الجماهير واحتجاجاتها على فساد ولصوصية ممثليها وقادتها ورموزها. فكلما اجتاحت تلك الاحتجاجات شوارع المدن من اجل تحسين الخدمات والكهرباء وتتصاعد الهتافات ضد سلطة الاسلام السياسي الشيعي الحاكم، يأمر الصدر اتباعه بالنزول الى الشارع لتلتف على الاحتجاجات وتغير مساراتها وتفرغها من محتواها. اليوم يكتب مقتدى الصدر مقاله "مستقبل الاجيال واجيال المستقبل"، يدعو فيها شباب العراق للذهاب الى صناديق الانتخابات لتأسيس "مشروع ديمقراطي اصلاحي مليوني" على حد تعبيره. وانه يطالب ان لا يكون العراق مثل قندهار ولا مثل شيكاغو كما جاء في مقاله.

 

المشروع الذي يدعو اليه الصدر ليس فيه اي جديد وقد شرع به العبادي، فالنظام السياسي العراقي كما مصنف دوليا وعالميا هو نظام ديمقراطي، والذي فحواه ومحتواه هو تداول السلطة السياسية عبر صناديق الانتخابات، واما الجزء الاصلاحي من مشروعه، فلم يقصر العبادي بإصلاحاته سواء على الصعيد الاقتصادي الذي يعمل بشكل حثيث على تصفية وظائف الدولة، والتخلي عن كل مسؤوليتها في تقديم الخدمات وتحميل الجماهير لدفع حتى فاتورة الهواء التي تتنفسه، عبر ربط العراق بمشاريع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وعلى الصعيد السياسي فقام بتغيير مجموعة من الوزراء بآخرين ولم نجد تغيير الا بالوجوه وكانت المحاصصة هي المعيار باختيار الكفوء المجرب كما يرشدنا الصغير. واما الشطر المليوني من مشروعه، فالحق يقال فأن اصلاحات العبادي شملت الملايين من الجماهير المحرومة والكادحة وهذا سر اندلاع التظاهرات في المدن الجنوبية ضد خصخصة الكهرباء. اي بمعنى اخر ليس في جعبة الصدر اي شيء جديد ليقوله لنا الا تحالفه مع الحزب الشيوعي العراقي، وهذا من اجل مسح ملفات مليشياته المتورطة بالقتل الطائفي حتى النخاع مما دفعه ان يغير اسمها من جيش المهدي الى سرايا السلام.، الى جانب تغيير لون جلده مع متطلبات المرحلة، وهي مرحلة النفور والسخط من الاسلام السياسي وجميع مشاريعه المعادية لكل ما هو انساني.

 

ان سر مخاطبة الصدر للشباب ذوي "العقول النيرة والمتحررة" التي لا تريد العراق مثل قندهار او مثل شيكاغو حسب تعبيره في المقال المذكور يكمن، بأن النزعة الغالبة اليوم في صفوف الشباب هي نزعة تشتد ساعدها ضد هرطقات الاسلام السياسي، وهناك بالفعل جيل صاعد يرفض كل تخرصات وفذلكات ودجل ونفاق والاعيب شخصيات ومراجع وقادة الاسلام السياسي. فسنوات سلطة الاسلام السياسي الشيعي في بغداد وسلطة الاسلام السياسي السني في الموصل، علمت جماهير العراق وتحديدا الشباب ان مستقبل جهنمي اعدته السلطتين لهم ولمستقبلهم. ان العراق او بالأحرى "بغداد لن تكن قندهار" هو احدى شعارات انتفاضة ٢٥ شباط ٢٠١١، الذي جاء ردا على قرار مجلس محافظة بغداد في اغلاق النوادي الاجتماعية والثقافية ومنع المشروبات في تلك الفترة. ان الصدر وجيشه "المهدي" حاولا بشكل حثيث تحويل العراق الى قندهار، عبر ضرب محلات الاقراص الغنائية وفرض الحجاب على النساء وقتل المثليين وتفجير محلات المشروب وقتل باعة الخمور..الخ الا ان كل مساعيه فشلت، ولن ينس الشباب تلك الايام. اما بعدم تحويل العراق الى شيكاغو، فلا نعرف لماذا شيكاغو وليس باريس او زيورخ او لندن او فيينا؟ الا اننا نضيف ان الشباب اليوم في العراق يسعى الى عراق مدني وحضاري وعلماني، ويعيش الانسان فيه بآدميته ودون اي شكل من اشكال التمييز الجنسي والديني والطائفي والقومي، ويسوده قانون يكون اساسه الانسان والحقوق العالمية الشاملة.

 

واخيرا نقول للقارئ ان الصدر وجماعته كانوا ممثلين في جميع الحكومات الاسلامية الشيعية منذ حكومة الجعفري، فكانت لهم ٦ وزارات في حكومتي المالكي والعبادي وكان لهم عشرات المناصب الحكومية من نواب رئيس الوزراء ومحافظين ووكلاء وزراء ومدراء عامين ونواب ...الخ ولم يكن اي واحد منهم اقل لصوصية وفسادا من بقية رفاقهم من حزب الدعوة والمجلس الاسلامي والفضيلة وبدر والمستقلون، ولم نلمس اية خدمات تذكر قدمت للجماهير، وحَوَلَ مطالب احتجاجات تموز ٢٠١٥ من تحسين الخدمات ومحاكمة الفاسدين الى تغيير اعضاء المفوضية العليا للانتخابات كي ينصب جماعته ونجح في ذلك، فماذا يمكن ان نأمل او يأمل الشباب من صناديق الانتخابات اللذين يحثهم الصدر للمشاركة بأدلاء اصواتهم والتي لن تنتج الا نفس اللصوص ولكن بزي مدني ودون عمامة.

 

 

مقالات

سمير عادل

05/03/2018