نادية محمود

مالذي سيتغير بعد الانتخابات، ومالذي لن يتغير؟

هنالك احتجاجات اقتصادية في المجتمع والتي اخرجت مئات الالاف ان لم نقل الملايين الى الشارع في العراق في اعوام 2011- في عموم العراق- و2012- في المناطق الغربية، ومن 2014 لحد الان في كردستان العراق، وفي 2015 في عموم العراق، وكانت يتمحور القسم الاعظم منها حول فرص العمل، حل مشكلة البطالة، توفير الكهرباء والخدمات، ودفع اجور الموظفين. اضافة الى مئات الاعتراضات الاقتصادية المتفرقة وكان اخيرها وليس اخرها اعتصامات عمال وموظفي شركات الكهرباء من اجل تثبيت اصحاب العقود المؤقتة، والكثير غيرها.

 

من المفترض ان اية حكومة، واي مرشح جديد يجب ان يتصدى لهذه المطالب الرئيسية في المجتمع، وان يطرح برامجه لحل هذه القضايا تحديدا. الا انه وكما نرى ومنذ الشروع بالحملة الانتخابية، ادخلت الحكومة في العراق والاحزاب المرشحة واشخاصها المجتمع في حمى هذه الحملة. 7300 مرشحا، 80 حزبا، يتنافسون على 329 مقعدا. الضجة متواصلة، المرشحون يتجاوزون على القوانين، الذي حدا بالبلديات الى قلع صورهم ورميها في مكبات الازبال، "التسقيط السياسي!!" على قدم وساق! المفوضية العليا تسجل مئات الخروقات في كل مدينة، رجال العشائر يهبون فجأة لدعم النساء المرشحات من عشائرهم!!! الا مطالب "الناخبين" فهي غائبة تماما. وهذا ليس متأت من فراغ على الاطلاق بل نابع من حقيقة واحدة، ان البرلمان القادم، كحال سابقه، ليس لديه حلولا لهذه القضايا. فهذه المطالب التي تظاهر من اجلها الملايين ستبقى في مكانها ثابتة لا تتغير وبغض النظر عن نتائج الانتخابات، ومن سيكون الفائزون، الوجوه القديمة، ام الجديدة؟ المجربون ام الذين لم يجربوا بعد.

 

ان السبب لا يعود الى سوء او ضعف اداء الحكومة والبرلمان السابق، وبغض النظر عن ان الاحزاب المرشحة، كانت في السلطة سابقا، مضافا اليه بعض الوجوه والكتل، بل يعود لحقيقة ان العراق وخاصة وبشكل محدد بعد عام 2003 دفع لان يأخذ مكانا وموقعا في السوق العالمي. سمات هذا الموقع وخصائصه لا تسمح لا بحل مشاكل البطالة، بل تزيدها، ولا بتوفير الخدمات والكهرباء للجميع ودعم ذوي الدخل المحدود، بل بألقاء عبئها على المواطن. تقليص مسؤوليات الدولة عن القيام بهذه الادوار، وليس توسيعه. وبهذا تدفع الطبقة العاملة والعاطلة عن العمل والاسر الفقيرة الثمن لالحاق العراق بهذا السوق ورفع يد الدولة وتقليص مسؤولياتها امام المواطن.

 

ان الوقوف ضد الفساد كان احد المطالب التي اخرجت الجماهير الى الشوارع. الا ان الفساد المقترن بالمحاصصة لن ينتهي. السبب يعود الى انه حيث العراق دولة تعتمد على الاقتصاد الريعي ويشكل ريع النفط 95 % من خزينة الدولة، سيبقى تمويل تكاليف الدولة من ريع النفط مستمرا ولن يتغير، سيستمر توزيع الوزارات كحصص على الاحزاب، وسيبقى كل حزب يعامل وزارته كاقطاعية خاصة به -وليست وزارة للدولة-. يتحكم بقراراتها، يقرب مؤيديه ويبعد مخالفيه. تتحول الوزارة كما كانت من قبل- الى مصدر مالي بيد الوزير والمسؤولين.

 

من جهة اخرى سيبقى توزيع عوائد النفط على مجالس المحافظات، ستبقى مجالس المحافظات هي التي تتحكم بصرف ميزانية الدولة المركزي. ستبقى تلك المجالس ايضا متحكمة في محافظات البترودولار بمواردها من النفط. والحال لم ترى الجماهير في الـ 18 محافظة لا بناء ولا تنمية بفعل الفساد- وايضا سيبقى هذا دون يتغير. لذا، سيتواصل الفساد في القمة والاطراف، رغم حملات تقليم الاظافر باعتقال بعض الفاسدين في الاونة الاخيرة.

 

مليارات من الدولارات تختفي من الوزارات ومليارات تختفي في المحافظات ومجالسها ايضا. ويبقى المواطن بلا خدمات ولا كهرباء، ولا صحة ولا تعليم ولا رعاية اجتماعية. وهذا الحال كان بعد انتخابات: 2005، و2010، و2014، وسيكون بعد 2018. وهذا الذي يفسر جزع المواطنين ونقمتهم واعلانهم بشكل يكاد يكون جمعي على مقاطعة الانتخابات. للحد الذي اجبر وارغم حتى رجال وشيوخ الدين على الاقرار بل والخضوع لهذه الحقيقة.

 

عدد ليس قليل من المرشحين، يؤكدون في دعاياتهم الانتخابية على تبنيهم وتأييدهم لاقتصاد السوق وبرامج اعادة الهيكلة، وكأنه قسم ولاء للهيمنة الامبريالية الغربية، من اجل قبول دخولهم عضويتهم في الطبقة السياسية الحاكمة، بفعل هيمنة البنك الدولي وصندوق النقد. لذا، فان حرمان الجماهير من فرص العمل، ضمان البطالة، الكهرباء، الخدمات، التعليم الجيد، الصحة الجيدة، الرعاية الاجتماعية، لم يكن مرتبطا فقط بسوء الادارة القديم بل سيكون معلما وشاخصا للحكومة القادمة ايضا، واي كان البرلمان القادم. حيث ان سياسة رفع يد الدولة ومسؤولياتها عن حاجة المواطن وعن تقديم الخدمات، ليس مقرونا بالحكومة السابقة بل بنظام اقتصادي رأسمالي اسمه السوق الحر والذي دخله العراق من اوسع ابوابه بعد 2003، بل ان حرب 2003 قد شنت من اجل كسر هيمنة الدولة في العراق على الاقتصاد في هذه الدولة وخاصة في قطاع النفط. هكذا الحال كانت مع دول العالم العربي التي دشنت هكذا عهد في الاردن وفي مصر في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي والتي ادت الى انتفاضات الخبز وغيرها.

 

ان التغيير الحقيقي لن يأتي من اختيار مرشحين لا يعرف احد برامجهم، او كما اكد المرشح يحيى الكبسيي عن كتلة القرار، وبصوت مدوي، بان البرامج ليست بامر مهم، فالانتخابات ليس انتخابات برامج، بل هي انتخابات، من يتسابق اسرع، من يجمع اكثر اصوات للوصول الى ذلك الكرسي الغالي جدا والعزيز على القلب جدا كرسي البرلمان، لتندلق من سماءه على رأس النائب الخيرات من السماء!! قد تتغير بعض الوجوه، ولكن سيبقى الفساد بدون تغيير بعد 2018، وستبقى البطالة، وسيبقى سوء الخدمات بدون تغيير. ان التغيير يأتي من مكان اخر تماما، ومن خارج ابواب البرلمان. ستبقى الامور بدون تغيير حيث العراق حلقة من حلقات الاقتصاد الرأسمالي ويخضع لشروط المؤسسات الرأسمالية الامبريالية..

 

مقالات