احمد عبد الستار

تقييم فني أم نقد إيديولوجي لفيلم (ماركس الشاب)

مع اقتراب الذكرى المئوية الثانية لميلاد كارل ماركس (5 / 5 / 1818)، المناسبة التي تهم الكثيرين من شيوعيين ويساريين ومعجبين بهذا المفكر العظيم، الذي ترك اثرا مدويا في الفكر العالمي على مدى امتداده منذ عشرات القرون، ولاسيما نشاطه ودوره الشخصي في ترسيخ النظرية الشيوعية الناقدة للنظام الرأسمالي واكتشافاته النافذة للبدائل عن هذا النظام، صاحب نظرية الاشتراكية العلمية، التي الهمت ملايين العمال والفلاحين وباقي الكادحين والاحزاب الشيوعية بنضالها ضد الاسترقاق وعبودية العمل المأجور.

 

احتفل الذين تعنيهم هذه المناسبة بمختلف وسائل التعبير احياءً لهذه الذكرى النادرة، مثل مساهمة المخرج الهاييتي راوؤل بك، صاحب الافلام متميزة من نوع (أنا لست الزنجي الخاص بك) يعرض خلاله مآسي الزنوج الامريكيين على يد السادة البيض في فترة الستينات، وفيلم (لومومبا) عن الرئيس الكونغولي الاشتراكي الذي اطيح به بانقلاب عسكري بمساعدة المخابرات الامريكية واغتياله بطريقة وحشية. وافلام اخرى غيرها، نال جائزة الاوسكار تكريما لجهوده. اخرج فيلما يصور مرحلة شباب ماركس (فيلم ماركس الشاب) عام 2017، كمساهمة لتذكير للمشاهدين والمتابعين، بالصراع الذي خاضه هذا الفيلسوف الكبير ضد خصومه وصيرورة تكوينه الاولى التي اسست مذهبه المعروف.

 

والفيلم وأي فيلم كعمل فني يتعرض بطبيعة الحال للنقد من قبل المختصين السينمائيين، بالتحليل لمكوناته التي يتألف منها من موسيقى تصويرية وتمثيل ومونتاج والانارة والمكياج والملابس، ويقيم الاخراج وقصته بنتيجة ايجابية أو عكسها. كتب عن هذا الفيلم مقالات نقدية بعدة لغات عالمية، ترجم منها للغة العربية مقال نقلته الـ(BBC) على موقعها بعنوان فيلم "كارل ماركس الشاب" يستعرض أفكارا غيرت العالم، للصحفية الفنية جِسيكا كيانغ مثلما يدعوها الموقع. يبدو انه نال اعجابهم، لما احتوى من خصوصية في العرض. عند تتبعنا لمقالة الصحفية نجد انها من البداية قد ابتعدت عن طبيعة التقييم الفني الخاصة، بأسلوب يظهر عليه التحامل على محتوى القصة التي تتحدث عن بدايات ماركس والتأسيس للشيوعية. وإن اصابت احتمالا، بنقدها لطريقة الاخراج والتمثيل ولمكوناته الاخرى. جريا على المنهج الكلاسيكي البورجوازي لمناهضة ماركس، اعتمدت ثقافة الحرب ضد الشيوعية بانتقاد الفلم، ارادت تصوير نقدها على انه نقد فني لكنها كخطباء المنابر الحسينية (عرّجتْ) على تشويه صورة ماركس واخراجها بمظهر غير ذات قيمة.

 

تقول مثلا: "المخرج بَك وباسكال بونيتسر الذي ساعده في كتابة السيناريو.. قدما ماركس في صورة شاب قوي وجذاب، ومفعمٍ بالنشاط والحيوية، بخلاف صورته المحفورة في الوعي العام والتي تُظهره -باللونين الأبيض والأسود- كسياسي مخضرم ذي شارب كث". على ما يظهر من كلامها يبدو انها لا تتحمل تحريك صورة ماركس وتقديمه بصورة جديدة خلاف صورته النمطية بالأسود والابيض، التي تريد منها أن تظل مطبوعة بالوعي العام على حالها التقليدي للابد، فهي تلمح ضمنا داخل ثنايا نقدها، عن هذه الفكرة البورجوازية بقولها عن مشاهد الفلم باعتبارها قد "أضفت الكثير من الحيوية على موضوع عتيقٍ من نوعه، يشبه مخطوطةً ثمينة باتت مشبعة بالرطوبة والعفن من طول تخزينها". هذا هو مبدأ الاعلام والادب البورجوازي الذي يسعى بكل ما بوسعه للترويج الى جعل الشيوعية مستهلكة متعفنة غير صالحة لعالمهم. عكس رؤية ملايين المحرومين على مستوى العالم وتطلعهم الى عالم بلا بورجوازية، يجدون بالشيوعية منقذهم الوحيد.

 

واشارة اخرى عبارة عن عبث لفظي مرة تذكر: و"من خلال فيلم (كارل ماركس الشاب) ومسلسل (البابا اليافع) -الذي يتناول حياة أحد باباوات الفاتيكان- يمكننا استنباط أننا صرنا بصدد توجه جديد، تُستخدم فيه مفردة "شاب" أو "يافع" كناية -في الأساس- عن كلمة مثل "مثير" أو "ذي جاذبية جنسية". ونست بأن تضيف مفردة فيلم خلال شرحها عن قصد: و"في هذا الإطار، فإن (كارل ماركس المثير) -على الأقل كما جسد شخصيته الممثل دييل الذي لا يفتقر إلى الوسامة- لا يشكل تعارضاً مع هذا التوجه، رغم أنه يبدو كذلك للوهلة الأولى".

 

وهل هذا الكلام فني سينمائي ام أيديولوجي بعيد اختصاصها: فـ"البيان الشيوعي" الذي كُتب عام 1848على يد ماركس (الذي يجسد شخصيته في الفيلم الألماني أوغوست دييل) وفردريش إنغلز (يؤدي دوره الممثل الألماني شتيفان كونارسكه)، شكل كتيبا استعرض الأفكار الأساسية التي سيقضي ماركس باقي سنوات عمره في إضافة مزيد من التفاصيل والمعلومات إليها من خلال كتاب "رأس المال"، الذي يمثل تحفته التي لم تكتمل أبدا. لكنها عادت كمحنكة لتوصي قراء مقالها:" ليس من الضروري أن تُنحي باللائمة على ماركس شخصياً في الفظائع التي ارتكبتها الشيوعية في القرن العشرين". ولم تتطرق للفظائع التي ارتكبتها الرأسمالية ولما تزل مستمرة بارتكاب ابشع الجرائم يوميا؟ واشارتها الى ان المخرج من فرط حماسته يحاول تصوير تفوق ماركس على اقرانه بطريقة تبدو دارونية: "هناك تصورٌ ما يجري بثه بين ثنايا الفيلم، يشير إلى أن قدرة ماركس على إلحاق الهزيمة بخصومه السياسيين واحداً تلو الآخر، تعود إلى تميزه على أقرانه، وذلك وفقاً لنظرية الانتقاء الطبيعي التي وضعها العالم تشارلز داروين."... "ويقدم لنا الفيلم الهزيمة التي مُنيّ بها أولئك الأشخاص على يد بطلنا الجذاب صاحب الشخصية الكاريزمية، باعتبارها خيراً محضاً".

 

وعن سلسة العيوب الفنية التي تراها الصحفية بالفيلم تحدثت عن مشهد مطاردة الشرطة لماركس وانجلز قائلة: "المشهد الذي يتسم بالكاد بطابع هزلي، والذي يتفاديان فيه الاعتقال من خلال تعقب مُطارديهما وليس العكس". وعن مشهد اخر: فـ"ماركس" و"إنجلز" يتبادلان نظرات مُشاكسة أشبه بتلك التي يتبادلها تلاميذ المدارس، وذلك خلال انتظارهما لصدور قرارٍ بشأن إلحاقهما برابطة العدالة (التي ينضمان إليها ثم يحولانها إلى جماعة ثورية لاحقاً)". وتسخر في نهاية المقالة كعادة الاعلام البورجوازي من: "ثمة محاولة متأخرة في الفيلم للموائمة، عندما يتضمن في مرة وحيدة لقطات وثائقية تبدأ في الظهور على الشاشة على خلفية أسماء المشاركين فيه، بمصاحبة موسيقى أغنية للمغني الأمريكي بوب ديلان". "وفي هذه اللقطات نرى حركاتٍ ثورية وشخصيات سياسية تنتمي إلى مراحل تاريخية لاحقة للمرحلة التي تدور فيها أحداث العمل. هنا قد تجد نفسك تحدق بإمعان في الشاشة، بينما تتوالى مشاهد الاحتجاجات التي خرجت ضد حرب فيتنام، تليها لقطاتٌ تُظهِر العلاقة الوثيقة التي جمعت الرئيس الأمريكي الراحل رونالد ريغان برئيسة الوزراء البريطانية الراحلة مارغريت ثاتشر". "وربما تفكر في تلك اللحظات إذا كان لدى المخرج بَك الوقت الكافي -ناهيك عن الرغبة- في أن ينهي عمله بصورة للرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب، وما الذي يمكن أن يعنيه ذلك حال حدوثه" تعني بشكل فوري داعش والحروب والفقر بالعالم والتغير المناخي". "على أي حال، لا يُقْدِمُ المخرج على ذلك، بل ينهي الفيلم بصورة عامة لدولاراتٍ أمريكية تلتهمها النيران، وهو ما يخبرك حقاً بكل ما تريد معرفته عن (كارل ماركس الشاب)؛ كفيلم مُحكم الصنع، وجيد المستوى، وتعليمي بلا أدنى شك. لكنك لا تستطيع مقاومة الشعورٍ بأنك إزاء فرصة أُهدرت لإثارة المشاعر، وتحفيزها، وربما التحريض عبر هذا العمل السينمائي".

 

استخدامها الساخر لعبارة التحريض التي هي عن مبدأ يستخدمه الشيوعيون، واحدة من ثلاث مبادئ يدعو اليها لينين للتنظيم الثوري المؤلفة من ( الدعاية والتحريض والتنظيم)، الاسلوب الذي اعتمده لأسقاط الامبراطورية القيصرية وبناء الدولة السوفيتية بذلك الوقت. الواضح من خلال تتبع النقد السينمائي هذا للصحفية جِسيكا كيانغ قصدت بكل الطرق وليس الطريقة الفنية فقط، الى التقليل من شأن الفيلم والاخلال بمستواه الفني ومكانته وبالتالي موضوعه. كمساهمة منها ومن موقع الـ (BBC) للذكرى المئوية الثانية لكارل ماركس.

 

مقالات