سمير عادل

ما قبل الانتخابات وما بعدها

يفصلنا اسبوع واحد عن مسرحية الانتخابات، وسط سخط جماهيري واسع وعريض على العملية السياسية ومجمل رموزها وشخصياتها التي تأخذ اشكال متنوعة مثل تمزيق صور المرشحين، وشيوع التهكم والنكات عليها، وان واحدة من تلك النكات تروي بأن ابو بكر البغدادي زعيم عصابات داعش قد افتى لجماعته بالمشاركة في الانتخابات وادلاء اصواتهم للمالكي كي يسترجع مدينة الموصل. وهناك توقعات بعزوف كبير عن المشاركة، مما جعلت احزاب الاسلام السياسي الشيعي الاستنجاد بالمرجعية وانقاذ سفينتها التي كلما تؤول الى الغرق واذا بها اي المرجعية تقوم بالتدخل لانتشالها، كما حصل في حمايتها من لعنة التاريخ والجماهير عندما جاءت بدعم واسناد حراب المارينز الامريكي، او كما حدث عندما وصلت عصابات داعش قرب ابواب المنطقة الخضراء واذا بفتوى الجهاد الكفائي تحول دون تمرغ سلطة الاسلام السياسي الشيعي بالتراب، واخيرا وليس اخرا اتخاذ موقف قبل ايام لحث الجماهير على المشاركة في الانتخابات.

 

ولكن ليست هذه هي القصة قبل الانتخابات، انما القصة هي الصراع والمنافسة لا على كسب الاصوات، واحمق من يعتقد ان الناخب هو من يحسم صناديق الاقتراع، انما الصراع والمنافسة هما على قدرة كل من له الامكانية بتصدر قائمة التزوير بأشكال مختلفة مثل شراء الاصوات او ملئ الصناديق بقوة المليشيات او بالقرصنة الالكترونية او بإرهاب الناخبين. وعلى الصعيد الاقليمي والدولي فجميع الاقطاب من امريكا وايران والسعودية وتركيا وقطر تستخدم اموالها وخبرائها وعصاباتها في رفع امكانية دعم تلك الاطراف، وكل حسب مصالحها لانتزاع الاصوات بالطرق التي اشرنا اليها للأطراف الموالية لها. وتصريحات قادة الاحزاب السياسي الشيعي مثل قائمة الحشد الشعبي التي تسمى "الفتح" ترشح هادي العامري زعيم مليشيا منظمة بدر لرئاسة الوزراء، او ان تصريحات المالكي بأنه لا يمانع ان يرشح شخص كفوء وتتوفر فيه المواد القانونية لرئاسة مجلس الوزراء، او التسريبات الاعلامية عن مفاوضات تجري تحت الطاولة بين القوى القومية الكردية والجماعات التي تسمى نفسها بالسنية، حول تبادل المناصب الحكومية ما بين رئاسة مجلس النواب والجمهورية، نقول ان هذه المعطيات تدلل الى ان الاحزاب والقوى السياسية التي تبوئت المناصب والمراكز الحكومية خلال كل تلك السنوات، حاسمة امر بقائها وان الانتخابات ليست الا مسرحية مبتذلة كي تضفي الشرعية على انتاجها من جديد.

 

بيد ان القصة الحقيقية ستظهر بعد الانتخابات، وهي قصة سيناريو عراق ما بعد داعش التي لم تبدأ بعد. وان ما نراه اليوم من استقرار أمنى نسبي، ليس مرتبط بالاستقرار السياسي ولا هو مرتبط بسيطرة القوى الامنية على الاوضاع الامنية، بل مرتبط بانتظار دق جرس بدء جولة الصراعات بكل اشكالها السياسية والامنية والارهابية بالمعنى المطلق للكلمة. اي بعبارة اخرى انه الهدوء قبل العاصفة. والمصادفة ان يوم الانتخابات في العراق وهو ١٢ ايار يتزامن مع قرار الادارة الامريكية في اتخاذ موقف من الاتفاق النووي الايراني. وايا كانت نتيجة القرار فسينعكس بشكل خطير على الاوضاع السياسية والامنية في العراق.

 

ليس لدينا هنا فرصة في هذا العمود كي نخوض أكثر بالتحليل السياسي وفي تفاصيل عديدة، لكن ما نريد ان نبينه من هذا التحليل، ان عراق العبادي بشكل مؤكد بعد الانتخابات لن يكون اقل سوء من عراق المالكي. ولن تكون الحكومة المقبلة هي حكومة غير طائفية او غير مبنية على اساس المحاصصة، ولن تستطع ان تجلب الامن والامان كحد ادنى لجماهير العراق. وان مقولة "المجرب لا يجرب" لن تغير من توازنات القوى لصالح الجماهير المحرومة في العراق، فالأحزاب الاسلامية بإمكانها ان تنتج شخصيات غير مجربة بما لا نهاية وفي نفس الوقت لن تكن اقل لصوصية وفسادا من المجرب، لان دون النهب والسرقة لن تستطع ان تحكم يوما واحد العراق. وايضا لن تجلب هذه الانتخابات اي استقرار، بل ستفتح باب الصراعات الطائفية والقومية، وهذه المرة هي مرحلة مشاريع التقسيم الطائفي للعراق.

 

وعليه ان البحث عن الامن والامان والرفاه وابعاد العراق عن ساحة الحروب الداخلية والاقليمية وتحقيق الرفاه والحرية لعموم الجماهير، وتمزيق كل الهويات الدينية والقومية والطائفية لن يكن عبر هذه الاشكال التي بالاسم فقط انتخابات، بل في طرد الاسلام السياسي من حياة المجتمع وكل القوى المتحالفة معه. وهذا يتم فقط عبر انهاء عمر العملية السياسية التي استندت على دعامتي الجمهورية الاسلامية في ايران والولايات المتحدة الامريكية، وهو الطريق الوحيد لإنقاذ جماهير العراق من كل هذا البؤس والكابوس الجاثم على صدور الاحياء

مقالات

سمير عادل

05/03/2018