نادية محمود

الانتخابات والمرجعيات

ان انتخابات عام 2018 تجري في مرحلة الانتصار على داعش من جهة واعادة السيطرة على كركوك بعد ان كانت تحت هيمنة الاحزاب القومية الكردية من جهة اخرى، وانهاء موضوع استفتاء كردستان بهذه المرحلة. وبما انه دائما للنصر مائة أب، هنالك كتلتان تريدان الرسملة واستثمار هذا النصر لانتخابات هذا العام: هما كتلتي النصر والفتح. من الواضح وغني عن الذكر ان كتلة النصر تسند ظهرها الى امريكا والدعم الامريكي، وكتلة الفتح تستند الى ايران، وكلاهما تدعيان انهما خلقتا "النصر"، كتله النصر باعتبارها تمثل رئيس وزراء الحكومة، والثاني، كتلة الفتح، باعتبارها ممثلة قوة غير رسمية، ميلشياتية مدعومة من ايران، وترفع راية ولاية الفقيه سرا او علانية.

 

واذن الصراع يدور مرة اخرى واخرى ومنذ حرب عام 2003 على من سيكون المنتصر في العراق، ايران ام امريكا؟ خاصة وانه من نتائج الحرب التي شنتها امريكا عام 2003، هو انتصار ايران في العراق. تاتي الانتخابات لتطرح السؤال من جديد: من سينتصر في العراق بعد داعش و"كسر شوكة القوميين الكرد" في هذه الانتخابات!.

 

انه صراع بين امريكا وايران من جهة، وهو صراع ايضا بين مرجعيتين شيعيتين الاولى في العراق والثانية في ايران. ليس خافيا الصراع الفقهي السياسي الشيعي حول مسالة السلطة بين دعاة نظرية ولاية الفقية، ودعاة ولاية الامة على نفسها. الاولى تمثل القطب الشيعي الذي كان يمثله الخميني سابقا، وخامنئي حاليا، الثانية وهي الداعية ألى ولاية الامة على نفسها والذي يمثله السيستاني. من المعلوم ان كلا النظريتين تنتهيان الى النتيجة ذاتها وهي اقامة دولة ومجتمع اسلامي وشيعي، ولكنهما يختلفان في السبيل او التاكتيك الذين يتبعان: ولاية الفقيه تقوم على اسلمة المجتمع من الاعلى عبر اسلمة الدولة، بينما دعاة ولاية الامة على نفسها، تسعى لاسلمة الدولة عبر اسلمة المجتمع ومن الاسفل، وعبر اقناع الناخبين باختيار المرشحين الشيعة، والتصويت لهم من الاسفل. وكلما كان المرشح مجسدا للتعاليم الاسلامية الشيعية فانه سيضمن وجود دولة اسلامية شيعية، قوامها المرشحون الذين صوتت لهم الامة. اي ان دعاة مرجعية النجف (ولاية الامة على نفسها) ودعاة مرجعية قم (ولاية الفقيه) يؤديان الى النتيجة ذاتها: دولة ومجتمع اسلامي. وما ينطوي عليه من اقتصاد اسلامي، وثقافة اسلامية، وتربية، وسياسة، اي بكلمة موجزة نمط حياة اسلامي سواء على الصعيد العام او الشخصي والخاص بالافراد!

 

فهل يختلف بالنسبة للمواطن طبيعة الكتل المرشحة المؤيدة لمرجعية قم او النجف، المؤيدة لولاية الفقية وتلك المؤيدة لولاية الامة على نفسها؟ وماذا تعني تلك الاختلافات بالنسبة لحياة ومعيشة المواطن؟

ان المواطن الذي لا يكف عن السب والشتم بالحكومة وباركانها، ربما ردد كما رددت المرجعية- بان المجرب لا يجرب، بقيامهم بتمزيق صور المرشحين والمرشحات، استخدموا وسائل التواصل الاجتماعي للسخرية من الانتخابات، النقمة التي عبر عنها المعلم، الشاب، والعاطل عن العمل، وربة البيت، على كل الحكومة والبرلمان الذي لم يقدم لهم لا فرص عمل ولا خدمات ولا امان، ويعلنون مرارا وتكرارا بان لا شيء سيتغير وانها الوجوه ذاتها، وانهم جربوها من قبل، وطفح بهم الكيل، الامر الذي يوضح الدرجة الكبيرة للعزوف عن الانتخابات.

 

من هنا، فان الصراع بين كتل، احداها تؤيدها مرجعية النجف والثانية تؤيدها مرجعية قم، او كتلة تؤيدها الولايات المتحدة واخرى تؤيدها ايران، لن تؤدي في خاتمة المطاف الى تحقيق ما كان ومازال المواطن يتطلع اليه من عام 2003 ولحد الان، وكل تلك الكتل بالنسبة اليه سواء بسواء. ان كل يسعى الى ايصال كتلته الى السلطة حتى يستطيع ان يبني ويرسمل ويستثمر على تلك "الانتصارات الانتخابية"، وما تلك الخلافات الا خلافات وصراعات بين اركان لطبقة واحدة تهدف في المطاف الاول والاخير لتحقيق فوز احداها على الاخر، لجني مواقع قوة وثروات وقدرات اكثر بالمنافسة مع اقرانها، في صراع لا يخدم الناخب، الذي يخطب المرشحون والمرشحات وده الان لحد نهاية الاقتراع في الثاني عشر من هذا الشهر، ثم يمضي كل الى عمله، غير ملتفتا الى الوراء، اما المواطن، فيترك ليعض اصابع الندم والملوث باللون البنفسجي كما حصل في الانتخابات السابقة.

 

ربما ليس هنالك احد لم يردد جملة "المجرب لا يجرب" التي استخدمت نيابة عن السيستاني للاشارة الى عدم انتخاب مسؤولين سابقين في البرلمان والحكومة العراقية. ولكنه نفسها المرجعية التي دعت الشيعة في عام 2005 للتصويت للاحزاب الشيعية، وهي التي تدعو الان الى عدم انتخاب الوجوه القديمة ممن جربت وممن عرف عنهم الفساد والنهب، قائلة بانه تم كسر حاجز الخوف للشيعة وخلعت الحصانة الدينية عن بعض الكتل، ومنها كتلة المالكي او العامري، وكأنها، بهذا الخطاب، ولما تزل، تريد ان تعد المواطن، بان هنالك ما يمكن انتظاره من تلك الكتل المتنافسة بتقديم ما يمكن ان يجيب على حاجات ومطالب الناخبين في المدن واطراف المدن، والقرى والاحياء من الطبقة، والحال ان لا كتلة من تلك الكتل، اي كانت الدولة التي تقف خلفها واي كانت المرجعية التي تسندها وتوفر لها الغطاء الديني، لن تجيب على ما يتطلع اليه "الناخب"، وان المرجعيات، والمتحدثين باسم الدين، قد سمعوا من الجماهير مرارا وتكرارا، بانها خدعتهم، وبانهم سرقوها باسم الدين. وهذه المرة، وكما في السابق، ورغم الشعار الذي كرره الجميع "المجرب لا يجرب"، ستلتفت الجماهير مرة اخرى للوراء، لتعرف، اي تحسن، واي تغيير ايجابي لن يتحقق في حياتها، مع ادامة هذه العملية السياسية المحاصصاتية التي بدأت منذ عقد ونصف ولما تزل، لم تنتهي. ان المشكلة ليست في تجريب او عدم تجريب المجربين وغير المجربين، بل العملية السياسية برمتها.

 

مقالات