مؤيد احمد

المضمون الطبقي للدولة واشكالها الانتقالية ملاحظات حول طروحات -حكومة علمانية وغير قومية-

بحث مقدم من قبل مؤيد احمد الى البلنوم الثالث والثلاثين

 

للجنة المركزية للحزب الشيوعي العمالي العراقي

 

28

ىيسان 2018

 

ملاحظة: تم نشر هذا البحث بموافقة اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العمالي العراقي

 

الرفاق الاعزاء اعضاء اللجنة المركزية

 

تحية طيبة

 

ادناه محاور ملاحظاتي حول بديلنا العمالي والاشتراكي فيما يخص الدولة والحكومة والذي دار نقاش طويل حوله في عدد من الاجتماعات المكتب السياسي اثناء عملية الصياغة النهائية لوثيقة "الاوضاع السياسية وسياسة الحزب".

 

لقد ارسلت ملاحظاتي بخصوص المقاطع الاولى للوثيقة وتمت ادخال اكثريتها اثناء اجراء التعديلات عليها. لذا اركز ادناه على المقطع الاخير في الوثيقة المتعلق بالبديل الحكومي.

 

الثورة الاجتماعية والصراع الطبقي والدولة

ومنطلقاتنا الاستراتيجية

من المعلوم لدى الرفاق اعضاء المكتب السياسي، انا طرحت شعار "الحكومة العمالية" بدلا عن "حكومة علمانية وغير قومية" التي كانت يطرحها بعض الرفاق فيما يخص بديلنا الحكومي تجاه الاوضاع السياسية الحالية وذلك اثناء النقاشات التي اجريناها بخصوص الوثيقة.

 

لقد اكدت على انه ليس صحيحا طرح نمط الدولة في التكتيك السياسي واللائحة السياسية لحزبنا تجاه الاوضاع الحالية بشكل منعزل عن محتوى الطبقي للدولة المعنية، اي بدون ان نحدد مسبقا الماهية الطبقية للدولة التي نريدها ومضمون الاقتصادي والاجتماعي للتحولات التي تحققها ووظيفتها كآلة "أضطهاد طبقة ضد طبقة آخرى".

 

نحن نعرف ان ارساء الحكومة العمالية مرهون بالتغيير في توزان القوى الطبقي لصالح الحركة العمالية والشيوعية والثورة. طالما هذا التغيير في التوازن لم يحصل، فان الأشكال الانتقالية فيما يخص الحكومة، سواءً في الظروف الثورية اوغير الثورية، تظل تابعة من حيث المضمون لمسار الصراع الطبقي في تلك اللحظة والظرف التاريخي. بتعبير آخر، مهما كانت الاشكال الانتقالية التي ستتخذها الدولة والحكومة في تلك الظروف واللحظات التاريخية فان ماهيتها الطبقية العمالية وطابعها المجالسي ستظل هي التي تشكل البديل الحكومي العمالي والاشتراكي بالنسبة للاحزاب الشيوعية اي حكومة مجالسية للعمال والكادحين والجماهير الواسعة المحرومة والمضطهدة.

 

لذا، ان عدم ذكر وتحديد الماهية الطبقية العمالية للحكومة والدولة قبال التحولات السياسية التي سيقبل عليها المجتمع ليس الا نسيان او إهمال واقع الصراع الطبقي وارتباطه بمسالة الدولة. وباختصار، ان طرح دولة "علمانية وغير قومية" او "مدنية -ديمقراطية" او "دولة المواطنة المتساوية "، كتكتيك سياسي وحكومة بديلة لنا هو بمثابة اخفاء هذا المضمون الطبقي التناحري والعلاقة المادية الملموسة الموجودة بين الصراع الطبقي والدولة والحكومة.

 

ان عمل ونضال الشيوعيين الرئيسي فيما يخص الدولة ليس تغيير شكل الدولة، بالرغم من ان تغيير الشكل مهم ايضا، انما تغير الماهية والمضمون الطبقي للدولة او بالاحرى تحطيم آلة الدولة البرجوازية وتحويل سلطة الدولة من طبقة الى طبقة آخرى. ان الدولة في التحليل الاخير هي اداة اضطهاد طبقة ضد طبقة آخرى، فهذه الماهية والوظيفة الطبقية هي التي تشكل الاساس فيما يخص هدف التيار الشيوعي العمالي وحزبه من الموقف تجاه الدولة والحكومة وتغييرها في المجتعمات المعاصرة والتحولات السياسية والاجتماعية الكبيرة.

 

غير ان تحويل سلطة الدولة من طبقة الى طبقة آخرى وتحطيم آلة الدولة البرجوازية وارساء دولة مجالسية عمالية وكادحة مكانها ليس مسألة ذهنية انما مسألة مرتبطة قبل كل شئ بنشوء الوضع الثوري وانتصار الثورة الاجتماعية للطبقة العاملة. وبالتالي ان ارساء الحكومة العمالية مرهون بالتغيير في التوازن القوى وتأمين الاستعداد السياسي والتنظيمي والفكري للطبقة العاملة في قيادة هذه الثورة الى الانتصار وهنا لب الموضوع. اي ان الحديث عن تغيير ماهية الدولة يدخلنا بالضرورة في الحديث عن الثورة الاجتماعية للطبقة العاملة والنضال الطبقي ومعضلاتهما ومساراتهما واطوارهما المختلفة التي تجتازها.

 

المطروح تأريخيا في العراق والمنطقة، في العهد الحاضر، شأنها شأن جميع المجتمعات الراسمالية المعاصرة، هو الثورة الاجتماعية للطبقة العاملة. ان التغيير الثوري للعالم الخارجي يجري عن طريق احداث هذه الثورة وانتصارها. اذن ان الطبقة الوحيدة التي تستطيع ان تقودها هي الطبقة العاملة واحزابها الشيوعية، وبالتالي فان أي تحولات سياسية واجتماعية وتحقيق المطالب الجماهير الآنية الرئيسية واتخاذ اي تكتيك سياسي شيوعي ستشكل بالضرورة اشكال وعناصر ومسارات هذه الثورة الاجتماعية وتقويها وتدفعها الى الامام.

 

وهذا يعني لابد ان تكون سياسة الحزب واعماله السياسية المباشرة والآنية، تجاه الاوضاع الحالية والمطالب السياسية والاقتصادية والاجتماعية العاجلة، تحقق تلك المطالب باعمق واوسع الاشكال واكثرها راديكالية وذلك لخلق الظروف والاجواء المناسبة لتطورالصراع الطبقي العمالي وانكشافه الاوسع. أي ينجزها بشكل تخلق عناصر أزمة ثورية تصب في مسيرة الثورة الاجتماعية للطبقة العاملة، اذ بدون ذلك سوف تصب سياستنا في اطارالاصلاحات الصورية البرجوازية واليسار الراديكالي ومن دون الخلاص من مأزق الوضع الحالي في العراق. وبكلمة، مهما كانت نيتنا طيبة، سنقع في فخ الاصلاحية البرجوازية والسياسة اليسارية الراديكالية البعيدة عن متطلبات تنظيم واعداد الثورة الاجتماعية للطبقة العاملة ولا تتخلص الجماهير من مآسي الاوضاع الحالية ولا نخطو خطوات جدية نحو تحقيق الامان والحرية والمساواة.

 

ما ذكرته اعلاه تنجسم بشكل عام مع ما طرحانه في وثيقة المؤتمر الخامس للحزب، الخاص بـ "الوضع السياسي ومنطلقات استراتجيتنا". اما الان فيما يخص الوثيقة المطروحة.

 

التكتيك السياسي

 

والاشكال الانتقالية للحكومة

ان الوثيقة الحالية أي "الاوضاع السياسية وسياسة الحزب" هي بصدد طرح سياسة او التكتيك السياسي تجاه الاوضاع السياسية في العراق في الوقت الحالي وفي توزان القوى الحالية بين الطبقات واحزابها وتياراتها السياسية والاجتماعية.

 

ان الوثيقة الحالية تتحدث عن التدخل في تنظيم الاعتراضات الاجتماعية للعمال والجماهير في ميادين النضالات الاقتصادية ولتأمين الخدمات وتحقيق الحقوق السياسية وضد الاسلمة..الخ.انها تؤكد بشكل او باخر على تنظيم هذه الاعتراضات وتوحيدها والارتقاء بها الى حركة سياسية جماهيرية "ثورية" ضد النظام القائم.

 

المشكلة الاساسية هي اننا علينا ان نكون واضحين في الوثيقة بان تتوج هذه الحركة العمالية والجماهيرية في حركة سياسية ثورية لانهاء النظام السياسي القائم واحلاله بنظام سياسي آخر يحقق اهداف هذه الحركة العمالية والجماهيرية ومطالبها بشكل عاجل وثوري. ليس هذا فحسب، بل وكجزء وشكل وعنصر من عناصر الثورة الاجتماعية للطبقة العاملة ومسيرة الصراع الطبقي في المجتمع.

 

من وجهة النظر الماركسية، هناك في قلب اي تحولات سياسية كبيرة قانون اساسي سائد الا وهو قانون الصراع الطبقي ونشوء التوازنات الطبقية ذو مستويات مختلفة بين الثورة والثورة المضادة، بين قوى البروليتاريا والقوى البرجوازية، بين الاشتراكية والرأسمالية. ان مفهوم "حكومة علمانية وغير قومية" يهمل ولا ياخذ بنظر الاعتبار هذا الجانب الطبقي في الصراع الاجتماعي والسياسي وبالتالي لا يتمخض عنه شئ غير تسليم البروليتاريا الى ايدي الاصلاحية البرجوازية بالرغم من النيات الصادقة.

 

ان موضوعي الاساسي ليس اشتقاق مصطلحات فيما يخص الحكومة كي تتناسب منطقيا مع الوثيقة انما هواهداف نضالنا الاشتراكي بالارتباط مع الحركة الواقعية والنضال الطبقي الواقعي في المجتمع . لذا يجب ان نكون واضحين فيما يخص الحكومة التي نطرحها كبديلنا في قلب هذه الحركة التي تستهدف انهاء النظام القائم.

 

لا يمكن ان تكون هناك حكومة "شعبية" تخدم الجميع وتعمل لصالح الجميع، اذ ان ذلك وهم. انما ستكون هناك دائما حكومة او دولة تحتكرها طبقة معينة، او تهيمن عليها، على الاقل في مراحلها الانتقالية، طبقة ثورية او طبقة رجعية، البروليتاريا او البرجوازية. ليست هناك شئ مشترك بين البرجوازية والبروليتاريا في ميدان التحولات السياسية والاجتماعية الثورية المطروحة تاريخيا في العراق وبالتالي بينهما فيما يخص الدولة والحكومة.

 

خلاصة القول اني، وكما اكدت عليه في النقاشات داخل المكتب السياسي، مع صيغة حكومة لجماهير العمال والكادحين، حكومة مجالسية تستند على الارادة المباشرة لجماهير العمال والكادحين والمحرومين في قلب التحولات السياسية المقبلة والتقدم بالنضال في قلب هذه التحولات والصراع داخل هذا الشكل الانتقالي للحكم مع الاحتفاظ بشعارنا الرئيسي المطروح على صعيد البديل الحكومي اي الحكومة العمالية.

 

انا مع فكرة طرح السياسة والتكتيك السياسي للحزب مهما كانت قوتنا ضعيفة كحزب. ان الطرح السياسي كحزب وكقوة منظمة هي لتطوير الصراع الطبقي الدائر خارج الحزب وعلى صعيد المجتمع. وبالتالي، ان الهدف من الطرح السياسي والتكتيك السياسي للحزب يجب ان يكون لتقوية حركة فعلية تجري على الارض وتقدمها بالاتجاه الثوري. ان الاعتراض الاجتماعي والسياسي لجماهير العمال والكادحين واسع في العراق لذا علينا طرح لائحة سياسية لتقوية هذه الحركة والاعتراضات وتوحيدها في حركة سياسية ثورية ضد الوضع القائم. ان تحقيق مطالبها الاساسية امر ضروري بالنسبة للحزب بما فيها تطور الحركة الى حركة لانهاء النظام السياسي القائم وارساء البديل الحكومي العمالي.

 

لقد اشرت في مناسبات أخرى، وفي الفترة الاخيرة في احدى الاجتماعات للمكتب السياسي، الى ضرورة اخذ الدروس من نموذج لينين ومنهجه السياسي في التدخل في التحولات السياسية التي كانوا يسمونها مرحلة التحولات "الديمقراطية الثورية " في فترة من 1903 -1917. لقد اشرت في هذا السياق الى ميثوده ومنهجه السياسي العملي في التدخل "من الاسفل" و"من الاعلى" في الحركة. بعبارة أخرى، التدخل ضمن حركة الجماهير العمالية والكادحة و"الفلاحين" "الديمقراطية الثورية" اي "من الاسفل"، وفي اطار الحكومة المنبثقة عن هذا النضال الثوري الجماهيري المشترك اي "من الاعلى".

 

آخذين كل ذلك بنظر الاعتبار، انه من الواجب علينا ان نضمن تطابق سياساتنا التكتيكية مع ما طرحناه في استراتيجية الحزب ولا تتناقض معها. ان التكتيك السياسي لا يعني عدم الارتباط بالاستراتجية ولا ينقض المبادئ الاساسية وتوجهات الرئيسة ذو طابع برنامجي للحزب، اذ ان التكتيك والاستراتيجية مترابطان ويجري اتخاذ التكتيك السياسي الشيوعي في اطار العام للاسترتجية الشيوعية للحزب عادة.

 

بناء الحزب البروليتاري

 

والتكتيك

ان الشئ الاساسي و الاهم الذي نواجهه الان و يجب علينا ان نخطو الخطوات الجدية لحسمه هو انه من المعلوم اننا غير منخرطين بالقاعدة الطبقية والاجتماعية لحزبنا ونضالاتهم الا بشكل ضئيل جدا. كما، ولم نؤسس شبكة من اللجان العمالية الشيوعية وشبكة الكوادر الاجتماعية العمالية والكادحة في قلب المجتمع كي تشكل بنيان حزبنا مثل كل حزب شيوعي عمالي متجذر في قلب الحركة العمالية وجمهور الكادحين والمضطهدين و نضالاتهم ونمط حياتهم . كما انه من الواضح، ان الحركة العمالية هي نفسها غير موحدة وقوية والافق السياسي الاشتراكي ضعيف حاليا بين صفوف العمال والكادحين. ان المهمة الاساسية بالنسبة لنا كشيوعيين معاصرين ومنظمين في الحزب الشيوعي العمالي العراقي هي تغيير هذا الوضع وايجاد سبل حل هذه المعضلة القديمة قدم تاريخ الحزب.

 

ان مهمة تحقيق الارتباط بجماهير العمال والكادحين و نضالاتهم والتأثير المتبادل على الحركة لا تتحقق بمجرد طرح السياسة او التكتيك حول الاوضاع الحالية انما يتطلب منا الحضور وتحقيق الارتباط وبناء تنظيمات الحزب بشكل تكون مرتبطة بتطور تنظيم العمال والكادحين والفئات المسحوقة والعاطلين عن العمل انفسهم ونضالاتهم. اي اننا نحتاج الى التغيير في مجمل الممارسة السياسية العملية والتنظيمية لحزبنا وان نكون حزبا منخرطا في الاعتراضات العمالية والاجتماعية الدائرة في البلاد وننظر الى امر تنظيم الحزب بمثابة أمر اجتماعي والارتقاء بتنظيم العمال ووحدة صفوفهم والارتقاء بارداتهم النضالية. ان تحويل الحزب الى حزب اجتماعي عمالي ذو جذور في الطبقة العاملة والجماهير البرولتيارية ليس بامر تنظيمي صرف ولا هي خطة ذات تفاصيل تنظيمية انما قبل كل شئ هو امر اجتماعي طبقي -سياسي وهو نمط من النضال يقوي صفوف نضال البروليتاريا واعتراضها العملي ويقويها على صعيد المجتمع. وهذا يتطلب تغييرا كبيرا في رؤيتنا للتنظيم ولعمل الشيوعي الحزبي.

 

ان الطرح السياسي والتكتيك السياسي الاشتراكي على صعيد المجتمع هو جزء عضوي غير منفصل عن تلك المهام وعن انجاز المهمة التنظيمية والعملية والانخراط في الصراع الطبقي الدائر، بالرغم من استقلالية التكتيك واسلوب العمل التنظيمي النسبية. لذا، ان طرح سياسة تكتيكية طليعية اشتراكية وعمالية للحزب تجاه الاوضاع السياسية والصراع الاجتماعي والسياسي الحالي الجاري في المجتمع ضرورية وجزء من عمل السياسي للحزب وتغيير الحزب الى حزب اجتماعي. ان الفكرة التي تقول باننا حزب ضعيف في صلتنا بطبقتناو نضالاتها لذا لا نحتاج الى السياسة والتكتيك لا اراها صحيحة.

 

واخيرا، اود التاكيد على ان التغييرات السياسية والاجتماعية الثورية والتحولات التي سيقبل عليها العراق تغيرات وتحولات في مجتمع راسمالي. لذا، لا يمكن التعامل مع احد اهم هذه التحولات التي هي مسالة الدولة بمعزل عن الصراع الطبقي الدائر في هذا المجتمع.

 

28

ىيسان 2018

مقالات