عادل احمد

حول كارل ماركس.. في الذكرى المئوية الثانية لميلاده

مرت قبل ايام على مناسبة مرور مائتا سنة على ولادة كارل ماركس المفكر والفيلسوف والاقتصادي والسياسي الثوري. ونحن هنا لسنا بصدد تقديم المديح الشخصي له وتمجيده لانه عبقري وفيلسوف او لثوريته، وانما نحاول تسليط الضوء على افكاره الثورية والتي تتسم بطابع مرحلته وادراكه الواقعي لظروف ومعيشة المجتمع، وكيفية معالجة هذا الظروف المأساوي وخاصة في زمن كان النظام الرأسمالي لا يزال في بداية نشوءه وتطوره. عندما كان كارل ماركس طالبا في قسم الفلسفة فأن اول ما شغل افكاره هي الثورية وبحث عنها عند الفلاسفة من قبله وفي عصره، ومن ثم درس كل ما في الفلسفة من الثورية وعلى هذا الاساس اصبح من انصار الهيغليين الشباب، فقد كانت تتسم فلسفة هيغل بنوع من الثورية على الرغم من نواقصها وعيوبها. ولم يمر وقتا طويلا حتى بدأ بنقد عيوب فلسفة هيغل ومثاليتها وبين ايضا تناقضها مع الواقع الذي كان النظام الرأسمالي في حالة احتضار خاصة في المانيا بعد ثورة البرجوازية الفرنسية الاولى. وان النقد الثوري لفلسفة الهيغل مكنه من نقد كل الفلاسفة في عصره واللذين كانوا في حلقة تفسير العالم بطرق واشكال مختلفة.

 

ان رؤية ماركس للفلسفة كانت مختلفة كليا عن الفلاسفة قبله امثال هيغل وفيورباخ وبرونو باور وشتيرناخ وامثاله. كان ماركس اكثر واقعية واكثر الأفكار وضوحا حول الانسان وما يدور حوله. بدأ ماركس بسؤال بسيط وهي فلسفة العيش وما هي احتياجاتها وضرورتها وكيفية تلبيتها وعوائقها؟ اي ان ماركس بدأت بتفكير الانسان المادي في الواقع الموجود ومن ثم تحليل ما ينعكس في ذهنه من الافكار والعادات والتقاليد ونمط الحياة والمعيشة، ورأى في ديالكتيك هيغل ثوريته بهذا الخصوص ما تخدم البشرية. ان هذا كانت نابغا من انسانية كارل ماركس اولا ومن ثم ثوريته وثورية افكاره لصالح البشرية. ان كارل ماركس لم يكن فيلسوفا مثل بقية الفلاسفة ولم يكن سياسيا مثل بقية السياسيين، ولم يكن حتى اقتصاديا مثل بقية الاقتصاديين لسبب بسيط وهي كانت ثورية، والتي ادت الى الثورة في الفلسفة الى نهايتها الكلاسيكية وادت الى الثورة في علم الاقتصاد، حتى اصبح الاقتصاد في زمننا هذا يلتصق بمفاهيم ماركس اكثر من اي وقت اخر، وهي دلالة على ثورية ماركس بربط الاقتصاد حتى بطريقة اللبس والتفكير ونمط المعيشة.. ان تحليل ماركس للنظام الرأسمالي وتحليل الجزء المتناهي والرئيسي لهذا النظام وهي "البضاعة" مكنت من اكتشاف عبقريته وثوريته في كشف جوهر مصدر الثروة في المجتمع وكيفية انتاجها. ان من يقرأ افكار ماركس في الاقتصاد في كتابه "الرأسمال"، يكتشف في الوهلة الاولى اختلافاته مع الاقتصاديين من قبله امثال ادم سمث وريكاردو، وما يعني علم الاقتصاد في حياة الفرد والمجتمع وتطور القوة المنتجة وتناقضات وسائل الانتاج مع القوة المنتجة والازمات الاقتصادية، وربط مصدر دخل البورصات والبنوك والثروات الهائلة في المجتمع الرأسمالي وصرف المليارات على نفقات الجيش والحروب، بهذا الوحدة الصغيرة في الاقتصاد وهي البضاعة والتي يختفي فيها كل هذا السحر وهي "القيمة الفائضة" اي قيمة العمل الغير المدفوع الأجر للعامل. ان هذا الاكتشاف وهو اكبر اكتشاف في علم الاقتصاد على الاطلاق والذي حلل بوضوح مصدر كل الربح والرأسمال في المجتمع الرأسمالي. ان هذا الاكتشاف لم يكن ممكنا اذا لم يكن ماركس ثوريا ويهتم بالتغير الثوري للواقع الرأسمالي.

 

وفي السياسة لم يكن كارل ماركس في زمنه من بدأ بنقد السياسة البرجوازية وويلاتها وحتى لم يكن اول من تحدث عن الاشتراكية الشيوعية في زمنه، وانما كانت هناك سياسيين عباقرة في فرنسا كانو ينتقدون النظام الرأسمالي الجديد وكانت هناك حركة عمالية قوية وهناك ايضا حركة شيوعية قبل كارل ماركس، امثال برودون ولاسال وحركة الشيوعية في فرنسا في اوائل القرن التاسع عشر. ولكن ما ميز ماركس عن بقية الاشتراكيين هي واقعيته وادراكه الصحيح عن النظام الراسمالي، وعن وجود التناحر الطبقي والمكانة الواقعية للطبقة العاملة وامكانياتها وافاقها الانسانية. ان النضال الطبقي لم يكن من اكتشاف ماركس ولكن ربط هذا النضال بين الطبقات وتطور القوة المنتجة بصيرورة التاريخ واكتشاف المادية التاريخية هي الخاصية الثورية للماركسية وما يميزه عن بقية الاشتراكيين من قبله. ان افكار كل مجتمع هي افكار الطبقات الحاكمة وان التناحر الطبقي بين الطبقات القديمة والجديدة ووصول هذا التناحر في نهايته، اما بالقضاء على الطبقة معينة او بالقضاء على الطبقات هي كانت سمات كل تاريخ البشرية، هي ما مميزت ماركس عن الاشتراكيين من قبله. ان فكرة عدم قابلية النظام الراسمالي للاصلاح ويجب القضاء عليه عن طريق الثورة الاجتماعية هي ما ميزت ماركس عن بقية الثوريين. اي ان ماركس كان ثوريا ويؤمن بالتغير الجذري والقضاء على النظام الطبقي برمته عن طريق الثورة الاجتماعية، كانت حقا ثورة في السياسة في زمنها لان الرأسمالية كانت في ولادتها وكان ماركس يفكر بالقضاء عليها، عن طريق الثورة الاجتماعية والقضاء على كل الطبقات عن طريق الثورة الشيوعية. ان هذا الاختلاف حول الشيوعية مع قبلها كانت وليدة افكارها الثورية من البداية في الفلسفة والاقتصاد والتاريخ وعن التصوير الواقعي للانسان.

 

في الذكرى المئوية الثانية لولادة هذا المفكر العظيم وانجازاته في التغير الثوري للمجتمع، لم يكن بوسعنا الا ان نتمسك اكثر بافكاره ومنهجه الديالكتيكي في التعامل مع الظواهر في المجتمع، وان نسير في حل التناقضات الطبقية في المجتمع عن طريق الثورة الاجتماعية اي الثورة الاشتراكية وبناء عالم افضل يليق بالانسانية المعاصرة. ان كارل ماركس يبقى حيا طالما هناك النظام الرأسمالي وسيصبح ماركس تاريخا عندما يتم القضاء على النظام الرأسمالي. ومن حقنا ان نفتخر بان نكون بجانب افكار ماركس من اجل البشرية.

 

مقالات