احمد عبد الستار

المجرب لا يجرب، من هو الذي يجب أن لا يجرب

 

من المعروف تاريخيا شيوع ظاهرة عدم الوضوح في خطاب رجال الدين، ويكاد يترادف الغموض مع وظيفة رجل الدين، في كل مكان وزمان تقريبا. وظيفته ومصلحته تتطابقان من خلال خطابه ودوره الاجتماعي بين السلطة المهينة وتبريره لهيمنتها، وما يملكه من سلطة روحية يمارسها لإقناع الجماهير بالخضوع لكل سلطة. حتى كان في الموروث والثقافة الاوربية تشبيه عن تَضْليل موقف او جواب ما، يقال عنه بأنه" عمومي وغامض مثل اجوبة رجال الدين"، ولدينا بالعراق الكثير من رجال الدين المهرة باعتماد خبراتهم وسلطتهم الروحية لممارسة التدليس والوقوف بالوسط.

 

يشهد تاريخ العراق وبالأخص مع بداية دولته الحديثة في عشرينات القرن الماضي، عن تدخل رجال الدين بالسياسة ودائما ضد الجماهير وضد تطلعاتهم بالرفاه والعيش الكريم، مثل فتاوى المرجع محسن الحكيم بأن الشيوعية كفر والحاد عند شعوره بالخطر على الطبقة الرأسمالية بالعراق، حينما تراجع بعض الشيء موقعها بالمجتمع بعد سلسلة الاصلاحات ومصادرة اراضي كبار الاقطاعين وتوزيعها على الفلاحين الفقراء، والتوجه ايام عبد الكريم قاسم الى ما يشبه بالتوازن الطبقي، الذي يخل بطبيعة الحال بمصالح الاقطاعيين والرأسماليين، فكانت الفتوى المذكورة ظاهرها ديني، ومحتواها الواقعي ونتيجتها الاخيرة حماية مصالح الرأسمالية المحلية والاقطاع، وإعادة فتح الباب امام الاطماع الاجنبية.

 

وبعد سقوط النظام البعثي ودخول الامريكان بالعراق، اقتضت مصالح رجال الدين الشيعة التوافق والتفاهم الضمني أو حتى العلني، مع الامريكان لكي يرتقوا الى السلطة المحرومين منها عقود طويلة، بأن يساعدوا الاخيرين عبر سلطة الفتاوى الدينية التي يملكوها وحدهم بلا منازع، بالترويج للنخب الشيعية التابعة لهم ولايران، أن يديروا البلد وفق مبدأ المنفعة المتبادلة، أو بالوكالة حسب المفهوم الشائع لمثل هكذا حالات، أجمع كل رجال الدين الشيعة الكبار على ما عرف وقتها، بفتوى "وجوب المشاركة بالانتخابات"، التي اجبرت الملايين ان تهب مسرعة استجابةً لهذا الدعوة المهولة. والاحزاب هي الاخرى كانت على فطنة كافية لكي تستفيد، من هذا الفضل الكبير الذي اتاحته المرجعية، فشرعوا بربط الدعاية الانتخابية لهم بصور الأئمة وكبار المراجع مع صورهم التعريفية للانتخابات، ووفق هذه الحالة الى أين سيتجه الناخب الشيعي البسيط سوى قوائم الاحزاب الشيعية وداعياتهم الانتخابية المقدسة، وإلا سيحل عليه الويل والثبور إن حاد عن الخطة المرسومة بخبرة متراكمة من الطوسي حتى السستاني.

 

انتشر الفساد الى مستوى تجاوز كل حد، وصارت الدولة عبارة عن دكاكين وبسطات تجارية تخضع للأحزاب، ومن الناحية العملية قسم العراق الى مناطق نفوذ اثنية وطائفية. تحت ظل سطلة الحكومة التي دعا الى تشكيلها جميع المراجع وبالأخص كبيرهم السستاني، وهذا الامر عاد بنقد اجتماعي حاد على المذكورين، وأخذ قسم من اتباعهم يبررون للسستاني، ويلقون التبعة على ابنه محمد رضا باعتباره هو من وقف بحزم لإعلان فتوى وجوب المشاركة بالانتخابات، وليس والده كي ينزوه من اقتراف الخطأ، مثلهم (وهذا ديدنهم)، مثل الذين ينزهون الإله باعتباره خير مطلق لا يمكن ان يسيء التقدير، والشر والسوء إن حصل فمرده الى الشيطان. وهو لا يدري بأن النفط ثروة الجماهير الوحيدة قد وزعها من البداية نسيبه الشهرستاني على الشركات الاجنبية، ويحجب عنه تعسف الحكومة واقرارها للقوانين الجائرة وبعيد عن علمه كل ما يبيض من اموال تنهبها الحكومة والاحزاب، لأنه لا يقبل بهذه الانتهاكات باعتباره "ولي امر المسلمين".

 

تنامى باطراد واسع الاحتجاج الجماهيري ضد الحكومة واحزابها وشخصياتها البارزة، بحيث تنطلق كل يوم تظاهرة تطالب بتحسين الظروف المعيشية والخدمات وتوفير العمل والامن والامان. وتولد كذلك احجام عن المشاركة بالانتخابات، نتيجة اليأس وعدم الثقة عما سوف تتمخض عن نتائج الجولة الانتخابية الجديدة، اصدر السستاني مقولته الاخيرة ذائعة الصيت "المجرب لا يجرب" التي حيرت حتى مقتدى صاحب مقولة "الشلع قلع" عن ادراك مغزاها وفهم محتواها، قائلا عن تفسير معناها: "اما المقصود من هذه العبارة، فيمكن الاستعلام منهم". يقصد المراجع. اصدر هذه المقولة كي يتخلص ظاهريا من إلحاح الناس واستفهامها الى أي اتجاه ستؤول اليه الامور بعد، ويتخلص من المسؤولية الشخصية عن التدهور العام الذي يضرب بالعراق. لكن من وجه ثاني لا تعتبر هذه دعوة صريحة لتخليه عن رعاية الحكومة ومشروعه بتأسيس دوله على مقاسه، بل انتهج طريقة رجال الدين المعهودة في التضليل والغموض وعدم تسمية الاشياء بمسمياتها. فقد ابقى فتوى "وجوب المشاركة بالانتخابات" قائمة ولم ينقضها او يتراجع عنها، ولطفها بمقولات تخفف من وطأتها الثقيلة وكأن الاخرين محض اغبياء لا يدركون مغزى ما يرمي اليه. لو كان جادا بنقد الحكومة وابعاد نفسه عن رعايتها، لأصدر فتوى جديدة تنقضها "وجوب المشاركة بالانتخابات"، لأن من المعروف عن فقه وتعاليم ما يعرف بالحوزة العلمية وقادتها، بأن الفتوى لا تنقضها إلا فتوى اخرى تعلن عنها صراحةً، وليس بمثل مقولة المجرب لا يجرب، فهي اذن ليس سوى ضحك على الذقون، واستهتار بحقوق الناس ومطالبهم المشروعة، وحماية للعملية السياسية التي تقود برنامج تدمير العراق ومنح ثروته لمؤسسات المال العالمية وشركات النفط الاجنبية.

 

واذا كان هناك ثمة مجال لتطبيق هذه المقولة على وضع معين او على شخص ما، فإنها لا تصدق إلا على السستاني نفسه، فقد جربناه وعرفنا بأنه هو والباقين الاقل شأنا منه، اصحاب الفتاوى التي جاءت بهذه الحكومة التي اشعلت الحرب الطائفية ونهبت وسلبت حقوق الاخرين، وعليه يجب أن لا نجرب الثقة به مرة اخرى..

 

مقالات