سمير عادل

الانتخابات وحسم السلطة السياسية

 

اغلقت صناديق الانتخابات ولم تتجاوز نسبة المشاركة حاجز الـ ٢٥٪ مع دعم المرجعية وكل شيوخ الاسلام السني، ومع التزوير وشراء الاصوات وترهيب المليشيات. وبضغط من اطراف دولية ومحلية عدلت المفوضية اعلانها لنسبة المشاركة من ٣٢٪ الى ٤٤٪ كي تتستر على عورة الانتخابات وتضفي الشرعية على العملية السياسية وما تتمخض عنها من حكومة وادامة نفس الاوضاع السابقة. وفي الحقيقة ليس مهما اعلان نسبة المشاركة، فالمقاطعة المليونية للانتخابات، بثت الرعب في صفوف المؤسسات الدولية والقوى وادواتها المحلية على نسبة المشاركة المتدنية، اذ تبعث برسالتين واضحتين، الاولى هي بان الجماهير رفضت العملية السياسية برمتها جملة وتفصيلا، وتسجل بهذا مرحلة جديدة من الوعي الذي طالما اعمي بكل اكاذيب ودعايات والقصف الاعلامي للبرجوازية المحلية والعالمية، بأن لا سبيل الى التغيير سوى صناديق الانتخابات. اما الرسالة الثانية فهي تهتف باعلى الحناجر لا لسلطة الاسلام السياسي، حتى وان تحالفت مع احزاب مدنية او رمت بعمامتها ولبست بدلة غربية

.

وبهذه المناسبة، نرد على الاوهام المتبقية التي تقول بأن الانتخابات في العراق، وتحديدا هذه الانتخابات، ستحسم مصير السلطة السياسية وبالتالي مصير الدولة وهويتها كما يروج لها الكثير من طيبي النية ويسعون الى التغيير، وكان برنامج "البشير شو" الذي بث عشية ليلة الانتخابات صب في نفس الاتجاه

.

قبل فترة وجيزة صرح ملا بختيار رئيس المكتب السياسي للاتحاد الوطني الكردستاني، بأن الاتحاد اذا حصل على مقعد واحد في الانتخابات او مائة مقعد، فلن يسلم الاتحاد الوطني سلاحه. اي بمعنى اخر لن يستطع احد ان يزيح الاتحاد الوطني من السلطة. هذا التصريح يرد على تلك الاوهام، ويثبت بشكل قاطع ان الانتخابات ليست الا مسرحية هزيلة للضحك على الذقون، من اجل تسويق حفنة من الطفيليين الذين يعتاشون على كد وعرق الجماهير وسرقة كل ما يملكونها

.

تصريح ملا بختيار افشى بالسر المعلن الذي لا يريد طيبي النية من رؤيته او لمسه، وهو ان العراق ليس فرنسا او بريطانيا او اية دولة اوربية، تجري فيها انتخابات شفافة وحرة، واذا ما عرفنا حتى في الولايات المتحدة الامريكية تنظم فيها عمليات تزوير في الانتخابات. اي ان العراق مقسم الى مناطق نفوذ ميليشيات، والمليشيات هي التي تحسم صناديق الاقتراع، وكما شاهدنا ورأينا وعشنا لحظات ١٢ ايار. وفي حوار مع أحد قراء "الى الامام" سألنا؛ إذا ما كانت النتائج محسومة سلفا، فلماذا هذه الماكنة الدعائية لهذا الحزب او ذاك، وهذه الطبول الاعلامية في المنافسة الانتخابية؟ والجواب كان، ان اكثر من٩٠٪ من النتائج محسومة والتي توضحها الخارطة السياسية في العراق وهي كالاتي: اذا ما نزلنا من الاعلى فمدن كردستان مقسم بين الحزبين القوميين الاتحاد الوطني والحزب الديمقراطي الكردستاني، ومدن الجنوب مقسمة بين حزب الدعوة والتيار الصدري وبدر والمجلس الاسلامي الاعلى، ومدن المناطق الغربية موزعة بين الحزب الاسلامي وداعش والجماعات البعثية والقومية العروبية المؤيدة لعلاوي، وبغداد مقسمة حسب نفوذ المليشيات في كل منطقة، فمدينة الثورة تهمين عليها ميليشيات التيار الصدري، بينما منطقة الكاظمية تتقاسمها المليشيات الاسلامية الاخرى المذكورة، وتبقى المناطق التي خارج سيطرة المليشيات او لم تستطع من فرض نفوذها، تكون متأرجحة ومترددة بين حيرة الاختيار او المقاطعة. وهنا يأتي الرد على السؤال المذكور بأن المنافسة هي على ١٠٪ او اقل من الاصوات التي خارج دائرة سيطرة المليشيات، او توازنات القوى فيها متساوية. واضاف محاورنا ان عدد من العلمانيين والليبراليين يدعون الى المشاركة في الانتخابات كي يمنعوا وصول الاسلاميين الى البرلمان، وبالتالي كي يمنعوا التصويت في البرلمان على تمرير قوانين اسلامية. والجواب ايضا كان، عندما نقول ان العراق مقسم الى مناطق نفوذ مليشيات، تعني ان قوانين الميليشيات هي السارية المفعول وليس قوانين البرلمان. فالعراق ليس جمهورية اسلامية او داعشية سعودية، كي نجد منع المشروبات في المدن الجنوبية ويساق من يحمل اي نوع من الكحول الى المحاكم دون اي سند قانوني، ويفرض الحجاب على النساء وتمنع ممارسة الحريات الفردية، ونجد نفس الحالة في المحافظات الغربية. والشارع هو الذي هزم مشروع قانون منع المشروبات بالرغم من اقراره في البرلمان، ونفس الشارع الحق هزيمة بعدم تمرير قانون الاحوال الشخصية الرجعي. اي ان البرلمان ليس الا ديكورلإضفاء الشرعية على العملية السياسية، كي يكون العراق جزء من المنظومة الرأسمالية العالمية كسوق واعدة ويشارك في عملية التقسيم الانتاج الرأسمالي وهو تزويد الاسواق العالمية بالنفط. وما عدا ذلك سواء كان العراق مقسم الى مناطق نفوذ مليشيات او لا، وكيف يدلي المواطن بصوته وما هو الاعتراضات على نزاهة الانتخابات وشفافيتها، فليس هو محل اهتمام لا الامم المتحدة ولا الاتحاد الاوربي ولا اية منظمة

.

ان حسم السلطة السياسية في العراق غير مرتهن بالانتخابات، وبالتالي ان هوية الدولة سواء كانت اسلامية او علمانية او عروبية او هلامية، اي ليس له شكل هي الاخرى مرتبطة بشكل مباشر مع حسم السلطة السياسية بشكل نهائي دون منازع الى احدى الاطراف المتصارعة. صحيح ان السلطة الموجودة اليوم هي سلطة الاسلام السياسي الشيعي، لكن لم تطرح الجميع من الاخوة الاعداء القوميين ارضا من شتى مشاربهم العروبية والكردايتية الى حد هذه اللحظة. وعليه من يفكر بتغيير الاوضاع السياسية في العراق، عليه ان يفكر بالية غير الية الانتخابات، ومن هنا يجب ان نشرع بالعمل من اجل تجريد الاحزاب الاسلامية من ميليشياتها، بدون حل هذه المليشيات فمن الحماقة التفكير بالية الانتخابات كأداة للتغيير

.

مقالات

سمير عادل

05/03/2018