نادية محمود

هل كل هذا من اجل -خدمة الوطن والشعب-؟

رغم مرور اسبوع على انتهاء الانتخابات، لم ينتهي ضجيجها بعد، رشاوي، وقتل، واعتصامات، وتهديد بحرب اهلية، وطلب تحقيق مع مفوضية الانتخابات..هل كل الضجيج هو منافسة بين الكتل الانتخابية من اجل خدمة "الوطن والشعب"؟

ان كانت هذه الخدمة هي القاسم المشترك الذي أجمع عليه 320 حزباً سياسياً و 7367 متنافس لحد استعدادهم لخوض حرب اهلية لتقديم هذه الخدمة، يفترض ان هذا "الشعب والوطن" سيرفع على كفوف الرحمة والراحة ولن يترك له مشكلة بدون حل، ولا يترك له حمل مطروح كما يقول المثل الشعبي! حين سيهم ويهتم بامره كل هذه الاحزاب وكل هذه الالاف من المرشحين والمرشحات، فالشعب مؤكد سيكون بخير. فلم يعزف الشعب نفسه، عن ان يكون مخدوما من قبل كل هؤلاء الذين يتسابقون لخدمته؟ هل هذا الشعب يتصف بالـ"عقوق" ليرفض خدمة كل هؤلاء الابناء البارين؟

لقد وصلت نسبة العزوف عن المشاركة في الانتخابات لاوطئها، اي بنسبة تتراوح بين 25%-44% من القادرين على التصويت- نظرا لعدم وجود احصائية دقيقة-. والكتل السياسية، لا زالت من جديد تتباحث عن تشكيل تحالفات حكومية، تعيد الاحزاب ذاتها، الى تولي مناصبها، وان كانت تغيب عنها بعض الوجوه.

 

ان هذه الصراع، الذي ادى ببعض المرشحين الى دخول المستشفيات من فرط الصدمة بعدم حصولهم على الاصوات، والذي يهدد به البعض بانه يكون صراعا دمويا، وقد يقود لحرب اهلية كما يهدد المالكي، لا شأن له لا بخدمة وطن، ولا بقضاء على الفساد، ولا من اجل حكومة ابوية تكنوقراطية، بل من اجل تثبيت ذات الاحزاب التي تسلمت مواقع سلطة في المجتمع، لتديم هيمنتها على هذه المواقع. فافضل ما يمكن ان يستثمره المرء في " العراق الجديد" هو العمل السياسي للوصول الى السلطة كوسيلة للوصول والحصول على ما يريد وعلى تحقيق التطلعات والاماني الشخصية. يمكن الحصول منه على الصفقات والكومشنات- تعبير حنان الفتلاوي- وعقود عمل، وتعيين موظفين، وكل ما يمكن ان يوفر لسياسيي السلطة من فرص الحصول على الاموال والاراضي.

 

رغم ان هذه الحقيقة باتت معروفة لدى الجميع، وبالاخص الذين قاطعوا الانتخابات، وهي ايضا معلومة لدى اولئك الذي شاركوا بحماس في الدخول فيها والترويج لبعض من كتلها، من اجل حصولهم على بعض المزايا، الا انه ما زال هنالك من يؤمن بوجود " عملية ديمقراطية" في العراق ويريد شد السروج على حصون "القوى الديمقراطية والمدنية" على امل ان ينحو بدولة العراق نحو المدنية والعدالة الاجتماعية. ولكن الصراع من اجل المدنية والتي يجب ان تبدأ، ان كان يراد بها مدنية فعلا، اولا وقبل كل شيء بتغيير الدستور وفصل الدين عن الدولة، كمعلم اولي واساسي من معالم دولة مدنية، حتى لا نغشي العيون، وحتى لا يدوخ احد بمعنى " المدنية". ومن اجل ان تكون عدالة اجتماعية لا بد من ان يتساوى الجميع امام القانون، لا ان تسود العلاقات الزبائنية والمحسوبية، والقرب والبعد من احزاب السلطة السياسية كمعيار للحصول على الحقوق. فالقريب من السلطة، قريب من المنافع الاجتماعية، والبعيد عنها لينسى امر حقوق المواطنة والعدالة الاجتماعية.

 

في العملية السياسية التي بدأت بعد عام 2003، وتنافست فيها قوى وصلت الى السلطة، وذاقت طعمها من سلطة واموال ومواقع وارباح، طبقة برجوازية كاملة تكونت من تجار، ومقاولين، وملاكين، ورجال دولة، وزراء، ومدراء وقادة ميلشيات، واصحاب عقارات، لن تتداول السلطة سلميا كما يحلو لشروق العبايجي ان تؤمن، لانهم ببساطة " ما ينطوها" على حد تعبير المالكي، وان الانتخابات ان لم تحقق طموحات تلك الطبقة، فان الذهاب الى حرب اهلية طريق مجرب سابقا، وهم اصبحوا خبراء في الحروب الاهلية.

 

صراع الانتخابات، صراع من اجل الحفاظ على مصالح القوى المتصارعة داخل الطبقة البرجوازية ذاتها التي نشات وترعرت بعد عام 2003، ليس صراعا من اجل القضاء على الفساد، ولا ايجاد دولة يسودها القانون، ولا لدولة خدمات.

 

الذي يسعى للحصول على هذه المطالب وهذه الحقوق عليه ان يوحد قواه من اجل اسدال الستار مرة واحدة والى الابد على هذه العملية السياسية، عملية المحاصصة الطائفية، والاغلبية السياسية والخ من تلك المسميات. عليه ان يعمل ويوحد قواه على استبدال هذه السلطة بسلطة اخرى، تقوم على تمثيل حقيقي للجماهير من الاسفل الى الاعلى، من احياء السكن والعمل، اي عملية انتخابية مختلفة اختلافا تاما وكاملا عن عما جرى. اما توقع الحصول على نتائج ايجابية من هذه الاحزاب التي جربت والتي ستجرب، ستوصل الجماهير مرة اخرى الى ذات النتائج.

 

مقالات