نادية محمود

لا تغيير بعد الانتخابات؟

الهدف من كتابة هذه المقالة هو توضيح لماذا النظام الاقتصادي الرأسمالي - والسياسي الحالي في العراق، الذي تحميه وتعمل على ترسيخه الاحزاب السياسية العراقية التي تنافست في الانتخابات، سواء بشكل نزيه او غير نزيه لن يكون بوسعه ان يقدم حلا لمشكلات المجتمع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. ولن يكون بمقدوره غير ادامة كل تلك الاوضاع التي عانت منها الجماهير وتظاهرت ضدها. وانه ليس بوسع لا حكومة ابوية، ولا حكومة تكنوقراط، ولا حكومة اغلبية سياسية قوامها المحاصصة الطائفية ان تجيب لا على تأمين فرص العيش، ولا حل مشكلة البطالة، ولا تقديم خدمات للمواطن من كهرباء وماء ونظافة، ولن تقدم له الامان ايضا، بل ان الاخير اي انعدام الامان والارهاب سيظل سائدا.

 

تكمن المشكلة الاساسية في النظام الاقتصادي الرأسمالي في العراق، والتي هي ابعد وفوق سيطرة كتل " سائرون، والنصر، والفتح والقانون والحكمة" والحكومة، السابقة او اللاحقة. ان الحكومتين ليستا الا ادوات او هيئات لترسيخ هذا النظام. المسالة الاساسية تكمن في سيادة وهيمنة العلاقات والمصالح الرأسمالية في العراق وممثليها والمدافعين عنها، بوجه الملايين المتطلعة الى فرص حياة مناسبة من حيث اشباع الحاجات المادية والمعنوية.

 

الاقتصاد العراقي اقتصاد ريعي، ويعتمد اعتمادا كبيرا على النفط، رغم ان الاحصائيات متفاوتة ومختلفة، الا انها تؤكد على ان النفط يشكل 95% من الناتج المحلي القومي، وهي القسم الرئيس في صادرات العراق. وبما ان العراق يعتمد على النفط لتمويل احتياجات الدولة واحزابها، واحتياجات احزابها، فان النقطة الاساسية في هذا الصراع يدورحول كيفية السيطرة وتوزيع موارد ريع النفط، وهو احد اهم جبهات الصراع بين الاطراف البرجوازية والاحزاب السياسية في الحكم الان.

 

ان الصراع بين احزاب طبقة تتنازع على من يستطيع الوصول الى السلطة، وكيف يستطيع ادامة هذه السلطة. هذه الطبقة تتكون من رؤوساء احزاب، وزراء، نواب، والذين يستولون بحكم مواقعهم في الدولة على الاقتصاد، تجار ومقاولين، واصحاب شركات، ومتنفذين على المعابر الحدودية والموانئ والطيران، وهم يسيطرون على الموارد من الارباح من الشراكات بين الشركات الخاصة الدولية مع القطاع الخاص، مثل النفط والاسمنت وغيره. بل وحتى بعض الاحزاب اسست نقاط كمركية داخلية بين المدن، كما في المدخل الى مدينة بغداد، من البضاعة التي يكون من المفروض اساسا قد مرت على النقاط الكمركية الحدودية.

 

هدف هذه الاحزاب الساسية هو تأمين مصالحها، ارباحها، وثرواتها، وبشكل مجاني، وهذا الذي يجعلها تتقاتل من اجل الوصول الى البرلمان، والتنافس فيما بينها لحد التهديد بنشوب حرب اهلية. حيث ان السلطة والمواقع الوزارية والبرلمانية بالنسبة لهذه الاحزاب تعني الوصول الى الوزارات، تنفيذ مشاريع الدولة، الحصول على عقود واعمال، واستثمارات، وكومشينات، وقدرة على منح وظائف حكومية، وما يترتب على ذلك من حصول على ولاء سياسي،وارباح من اعمال الوزارات، وما تحصل عليه من عوائد للاحزاب التي تصل الى السلطة، في وضع يسود فيها الفساد، ويغيب فيه قانون محاسبة الفاسدين.

 

من جهة ثانية، هذه الاحزاب ذاتها، التي تكون الحكومة والبرلمان، قد وضعت نفسها، وبالقدر الذي تستدعيه مصالحها، تحت امرة وشروط البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والتي تدعو وباصرار على ان ترفع الدولة يدها عن ممارسة دورها في تأمين فرص العيش، ومسؤوليتها امام المواطن ومعيشته، وهي تقدم القروض للدولة مقابل الالتزام بتلك التوجهات، ويصار بالدفع الخصخصة ودعم القطاع الخاص ليتخذ موقعا ومكانة الدولة كمولد لفرص العمل.. معلوم للجميع ان هذه المؤسسات الدولية قد سعت الى خصخصة الشركات المملوكة للدولة. من اجل ان يمضي العراق من " النظام الاشتراكي" كما تصّور الامر الى اقتصاد السوق الحر.

 

لذا، بين حكومة، مشغولة احزابها، بادامة وجودها، وبين مؤسسات دولية تريد الدفع باقتصاد السوق في العراق وخصخصة الانتاج والخدمات، تتزايد البطالة، تنعدم الخدمات، تعاني الجماهير من الفقر والبؤس. الحكومة من جهة ملتزمة بعدم توسيع التعيين الحكومي من جهة، التزاما بتعهداتها امام المؤسسات الدولية، ومن جهة اخرى لا يشّغل القطاع الخاص ايدي عاملة بحيث تمتص البطالة في السوق. فمع ان النفط يشكل اهم مصدر للناتج المحلي العراقي والمادة الرئيسية في التصدير، يعمل في قطاع النفط 30 ألف عامل. وهذا القطاع لا يخلق فرص عمل جديدة. بل يردد بعض الخبراء إن وزارة النفط والشركات الفائزة بجولات التراخيص تحتاج إلى 10 في المائة من المتخصصين في مجال النفط من إجمالي الأيدي العاملة في القطاع في الوقت الحالي.

 

لذلك "علقت" الجماهير بين انعدام التعيين وفرص عمل يقدمها القطاع العام وضعف القطاع الخاص، وليس من سبيل حل في الافق القريب، مع اغلاق المزيد من المؤسسات الانتاجية كما رأينا في معامل السمنت في البصرة، واستيراد تلك المادة من ايران بدلا من تصنيعها في العراق.من جهة ثانية، ولما تزل الانتخابات لم تنتهي، حتى بدأت الاحتجاجات على انعدام الخدمات كما شهدنا مؤخرا في مدينة كربلاء. لذا، اي تعويل على ان تقوم الحكومة القادمة، اي كانت، واي كانت الائتلافات التي تشكلها، على ان تقدم حلولا اقتصادية للبطالة او لتوفير خدمات لن يكون بوسعها القيام بذلك. السبب هو ان الصناعة متوقفة، وقطاع النفط لا يستقبل كما ذكرنا اكثر من 1% من الايدي العاملة، والزراعة تعاني من نفس المشكلة، فمن جهة التعيينات الحكومية متوقفة، الا اذا كان ذلك ضرورة لاسباب سياسية لشراء ولائات سياسية لمؤيدي الحزب. اما القطاع الخاص، فانهم لازل قطاعا ضعيفا لا يمكن التعويل عليه في تشغيل الايدي العاملة كما تعد المؤسسات الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. لذا علق الشباب والنساء العاطلات والعاطلين عن العمل بين بقايا اقتصاد الدولة، والبروز الضعيف لقطاع السوق.

 

العراق مقرر له ان يكون " شركة لانتاج النفط" ومقرر له ان يتحول الى سوق استهلاك لما ينتج من قبل السوق العالمي، من الصين الى تركيا وايران، فاين سيتسنى للعاطلين عن العمل ايجاد فرص عمل خاصة وان مئات الالاف من الخريجين ينضمون الى جيش العاطلين؟ النظام الرأسمالي لا يملك الا افق مسدود لتوفير فرص حياة ومعيشة للجماهير، وليس لديها ما تقدمه الا الافقار المدقع. وما احتجاجات الجماهير الا استعراضا لهذه الحقيقة. النظام الرأسمالي لا يقدم حلا. والجماهير تحتاج الى ممارسة اكبر ضغط من اجل الحصول على ضمان معيشة من تلك المليارات من الدولارات التي تجنيها الدولة بدلا من تسريبها الى الجيوب الخلفية لرجالات ونساء الدولة واحزابها. وهي لن تستجيب الا بممارسة اكبر الضغط، والضغط المتعدد الاشكال في سبيل فرض التراجع على هذه الطبقة السياسية الرأسمالية خطوة او خطوات الى الوراء

مقالات