سمير عادل

ازمة مياه ام ازمة غياب دولة

عشية تشكيل حكومة بعد انتخابات عام ٢٠١٤ اجتاحت عصابات داعش اكثر من ثلث مساحة العراق واعلنت دولة الخلافة الاسلامية، وعشية تشكيل حكومة بعد نتائج انتخابات عام ٢٠١٨ كما نشاهدها اليوم، يجتاح التصحر والجفاف والعطش وحرقة ارتفاع درجات الحرارة جسد من فلت من جحيم داعش اثر قطع نهري دجلة والفرات من قبل تركيا وايران. ويبدو ان حكومات تصريف الاعمال بعد كل انتخابات تريد ان تذهب دون رجعة ولا تقام الذكرى او الاحتفال بإنجازاتها، لانها تدرك أن لا انجازات تذكر لها، سوى في ملف السلب والنهب. وكانت مقاطعة للجماهير للانتخابات الدليل الدامغ لرفض القوى السياسية التي احتلت المشهد السياسي بفعل الغزو والاحتلال.

 

وبغض النظر عن كل التحليلات السياسية، وبغض النظر عن ان كان قيام دولتي تركيا وايران باستخدام سياسة حرب المياه لأهداف سياسية، لتحقيق اجندات سياسية ومنها تشكيل حكومة موالية لذلك الطرف او هذا، فأن المشهد يكشف عن غياب اي شكل للدولة او جود دولة فاشلة بالمعنى المطلق، لا يمكنها ان تحمي مواطنيها او توفر الحد الادنى لابقائهم بشكل ما على قيد الحياة.

 

جميع القوى السياسية في العملية لم تصدر بيان واحد او تقول كلمة او تعلن عن ادانة وشجب لتركيا او ايران بسبب قطعهما للمياه، واما البرلمان فعقد اجتماع ولم يخرج حتى بخفي حنين، بينما الحكومة وهي الجهة المسؤولة التنفيذية عن حماية مواطنيها والمعبرة عن تلك القوى، اكتفت بأنها سترسل وزير الموارد المالية الى تركيا وايران لبحث الازمة وحصة العراق من المياه، وتمارس سياسة بوس اللحى والخدود عسى ولعل يثير القليل من الخجل كي تثنيهم عن فعلتهم تلك. وان مواقف تلك القوى السياسية تكشف ارتباطها الوثيق بأجندات تلك الدولتين ولا يهمها لا من بعيد ولا من قريب من يموت عطشا او يهدده مرضا او يقتله حرا بسبب قطع المياه. وما زاد على الطين بله وزير الكهرباء الذي صرح بأن ازمة انقطاع التيار الكهربائي هو بسبب ارتفاع الدرجات الحرارة ٤ درجات عن العام السابق، مما دفع المواطنين الى استهلاك طاقة كهربائية بشكل اكبر، وكأن السنوات الفائتة لم تكن هناك ازمة كهرباء بالرغم من ان درجات الحرارة من الاعتدال لم تثير انتباه الوزير. فالتبرير والكذب صفات جيدة للتغطية عن الفشل والفساد وخاصة بعد ان وعدوا بأن الخصخصة ستحل مشكلة الكهرباء.

 

ان استهتار الطبقتين الحاكمتين في تركيا وايران بحياة ورفاه المواطنين في العراق مرتبط بشكل لا ينفصل عن استهتار القوى السياسية بجميع تلافيفها وتلاوينها في العملية السياسية، التي لم ولن تؤرقها ولو للحظات ما يحدث للملايين من جماهير العراق. ان المؤتمرات والتجمعات التي يدعون اليها لبحث ازمة المياه من قبل بعض القوى السياسية مثل جماعة علاوي وغيرهم، لا تتجاوز الاستهلاك الاعلامي ومحاولة لغسل ماء الوجه وليس اكثر كما يقول المثل الشعبي.

 

وهنا نسجل نقطتين، الاولى ان كل تأجيج الصراع القومي ومحاولة لا شعال حرب قومية اثر استفتاء كردستان قبل ما يقارب ثمانية اشهر، وبأنه يجب عودة سلطة الدولة على جميع اجزاء الوطن وامنها وكرامة التراب العراقية..الخ من الترهات تنهار امام استهتار تلك الدولتين ازاء الامن المعيشي والحياتي لجماهير العراق.

 

اما النقطة الثانية، هي ان المزايدات الطائفية التي تصاعدت ايام الحرب على داعش واطلاق العنان للمليشيات واضفاء الشرعية على وجودها، والتستر على كل جرائمها وتحت عنوان التصدي للقوى الارهابية كما كان يسميها الاعلام الحكومي، تتهاوى امام ارادة القوى الدولية المتحكمة بتلك المليشيات.

 

وكما قلنا في العدد السابق وعلى نفس العمود بأن حكومة العبادي تأخذ ثارها من الجماهير لعدم مشاركتها في الانتخابات، من خلال عدم اتخاذ اية خطوة عملية تجاه انقطاع التيار الكهربائي، وحرارة الصيف تزيد من جلد المواطنين بزيادة درجات الحرارة، كما تغض الطرف عن اختطاف المليشيات للنشطاء والمعارضين لسلطة الاسلام السياسي، فأنها تجد ايضا فرصة سانحة بقطع المياه من قبل تركيا وايران عقوبة اخرى تنفذ بحق الجماهير على فعلتها السابقة.

 

ان الازمة الجديدة او الكارثة الجديدة التي تحدق بجماهير العراق هي ليست ازمة مياه مثلما هي ليست ازمة الكهرباء او ازمة الخدمات وازمة حماية أمن وحياة المواطنين، بل هي ازمة هذه القوى السياسية التي فشلت في ان تشكل دولة، كي تكون اية حكومة تأتي على الاقل لائقة ولها الحد الادنى من الاحترام لنفسها. ان السيرة الذاتية لهذه القوى تكشف بأنها غير مؤهلة او غير قادرة على ادارة حتى بلدية في اصغر ناحية في العراق، فما بالك على تشكيل دولة وبغض النظر عن محتواها الطبقي. فالحق يقال انها بارعة ان تصدر بطاقات حقيقية او هويات طائفية وقومية غير قابلة للتزوير اثناء الصراع فيما بينها على النفوذ والامتيازات. ان الجماهير قالت كلمتها السياسية في انتخابات ١٢ ايار ولكن بقت خطوتها العملية

مقالات

سمير عادل

05/03/2018