سمير عادل

التحالف الاسلامي الشيعي والسلطة السياسية وموقف العمال الشيوعيين

لم نتوهم وحتى للحظة، ولم يفاجئنا خبر اعلان التحالف بين البدريين والصدريين، ولا بالمساعي الحثيثة لإعادة انتاج سلطة الاسلام السياسي الشيعي. فأكدنا في جميع بيانات الحزب الشيوعي العمالي العراقي وفي جميع افتتاحيات "الى الامام" والمقالات التي كتبها رفاقنا حول الانتخابات ونتائجها.

ثلاث مسائل يجب توضيحها في هذا المقال ولطالما يجري اللغط حولها عبر وسائل الاعلام المختلفة، الاولى الانتظار من الولايات المتحدة الامريكية والتعويل عليها لتحجيم دور الاسلام السياسي وخاصة الشيعي في العراق في خضم صراعها ضد نفوذ الجمهورية الاسلامية الايرانية في المنطقة. ان هذا الانتظار هو محاولة متكررة للغرق بالأوهام حول السوبرمان الامريكي والتي دشنت بالتطبيل حول نشر "الديمقراطية" التي ستشرع ابوابها على مصاريعها بعد الحرب واحتلال العراق. ان التحالف المبرم الاخير ليس بعيد عن التدخل الامريكي في نسجه. وإذا ما عدنا عشرة ايام او اكثر الى الوراء، كانت هناك طاولة افطار اعدت من قبل هادي العامري على شرف السفير الامريكي في بغداد، وقد قاطعتها او غادرتها جماعة عصائب اهل الحق فور وصول السفير. وفي كل الحكومات التي شكلت منذ احتلال العراق، كان للتوافق الامريكي والايراني دورا كبيرا في صياغتها، لان العملية السياسية في العراق كما أشرنا اليها في أكثر من مناسبة شيدت على دعامتين وهما النفوذان الامريكي والايراني في العراق. وعليه ان الولايات المتحدة الامريكية لن تعير اي اهتمام لا لحقوق الانسان ولا للحريات المدنية ولا لنزاهة الانتخابات من عدمها، ولا الى صولات المليشيات وجولاتها بقدر ما تهدد مصالحها. وخلال أربع حكومات اسلامية شيعية، قدمت الادارات الامريكية المتعاقبة بدءا من بوش الابن وانتهاء بترامب كل اشكال الدعم لها وتسويقها اقليميا ودوليا. وكلا الطرفان، الولايات المتحدة الامريكية والجمهورية الاسلامية، يحاولان ادارة الازمة السياسية في العملية السياسية للحيلولة دون انفلات عقالها لان لها تداعيات لا تحمد عقباها على مصالح الطرفين. وهذا ليس معناه ان كل واحدة منهما لا تحاول بشكل حثيث وعبر اشكال مختلفة في ازاحة الاخرى او التقليل من نفوذ بعضهما. فصعود نجم داعش ما زال نموذجا حيا للدور القذر الذي لعبتها الادارة الامريكية سواء بغض النظر عن تمددها او بتقديم الدعم غير المباشر لها، كما ان استغلال نفس خطر داعش في تأسيس المليشيات من قبل الجمهورية الاسلامية الايرانية ودعمها وتدريبها وتمويلها ومحاولتها جعلها خارج سلطة الدولة ولها كيانها الخاص مثل الحرس الثوري الايراني او في اسوء الاحوال مثل مليشيات حزب الله اللبناني دولة داخل دولة تنفذ اجندات طهران. اي بمعنى اخر ان كلا الطرفين وفيما يتعلق بالحكومة العراقية ،يحاولان ابقاء الاوضاع على ما هي عليه والاستفادة من عامل الوقت.
المسالة الثانية هي الضجيج الواسع حول الاتفاق الذي ابرم بين الفتح وسائرون، وبان مقتدى الصدر انفرد برأيه او هو كل يوم له رأي، او انه خان وعوده..الخ، ومن خلال هذه الرؤية ينتقدون تحالف الحزب الشيوعي العراقي والمطالبة بانسحابه. ان اولئك الذين يقولون بأنهم لا يثقون بمقتدى الصدر بسبب مواقفه المتذبذبة، هم عازمون على عدم تحريك عقولهم كي لا ينفقوا سعرة حرارية واحدة عسى ان تمكنهم من الاستفادة من تلك السعرة في يوم العوز. ان مقتدى الصدر وتياره ومنذ يوم الاول الذي أعلن مقاومة الاحتلال، يحاول الدخول في لعبة التوازنات السياسية سواء على الصعيد المحلي او على الصعيد الاقليمي، فكان فاعلا ضد الاحتلال وفي حرب التطهير الطائفي، واستطاع ان يحرز مكانة مرموقة له في العملية السياسية بعد ان كانت مقفلة بوجهه منذ احتلال العراق وحكرا على عرابيها من القوى الاخرى لتحالف الاسلام السياسي الشيعي. وقد اسدى خدمة جليلة لسلطة الاسلام السياسي الشيعي، عندما قام بأجهاض الحركة الاحتجاجية في تموز 2015، كما ان اقتحام المنطقة الخضراء من قبل اتباعه في نيسان 2016 ليس الا محاولة لتصحيح التوازنات التي ذهبت باتجاه في غير صالحه بعد تشكيل مليشيات الحشد الشعبي. وإذا كانت مشاركته في الاحتجاجات كما نوهنا سابقا، هي من جهة الالتفاف على المتظاهرين وتفريغ الشعارات من محتواها لصالح عدم المس بالعملية السياسية، التي تعني بالنتيجة ازاحة الاسلام السياسي الشيعي من السلطة، فهو من جهة اخرى كان يحاول من اجل تحسين رصيده وتذكير منافسيه بأنه رقم صعب في المعادلة السياسية.
ان سياسات التيار الصدري ومقتدى الصدر مكشوفة ولا تنطلي الا على المؤمنين بنهجه الديني، لكن الحزب الشيوعي العراقي ومن منطلقات مصالحه الحزبية الضيقة حاول تسويقه عبثا من خلال التحالف معه كي يتمسح به سياسيا لتحسين اوراق اعتماده بالدخول الى البرلمان. اما التنظيرات التي حيكت حول ذلك التحالف واطلاق تسمية "الكتلة التاريخية" عليه فهي نفس التنظيرات التي اطلقت على تحالف الحزب الشيوعي العراقي مع حزب البعث في السبعينات، وبعد ذلك على التحالف مع الحركة القومية الكردية الرجعية في الثمانينات من القرن المنصرم في (جود - الجبهة الوطنية الديمقراطية) و (جوقد-الجبهة الوطنية القومية الديمقراطية)، وبعد ذلك تلميع كراسي مجلس الحكم الطائفي القومي الذي اسسه الاحتلال، ثم تحالفه مع قائمة علاوي العروبية احد جزاري الشيوعيين في انقلاب 1963 واخيرا وليس اخرا مع التيار الصدري. ان صياغة المقولات الطنانة والرنانة والتي تأتي دائما من قبل مثقفي البرجوازية الصغيرة هي من اجل تجميل ووضع الرتوش على الصور التي هي غير قابلة للتعديل ولتسويقها سياسيا واجتماعيا. والحق يقال تعلم الصدر ايضا في تسويق مثل هذه المقولات من تحالفه مع الحزب الشيوعي العراقي حيث اضاف وصفة جديدة الى مطلبه في تشكيل الحكومة الجديدة وهي ب"الحكومة الوطنية الابوية" تلك العبارة الفارغة من اي محتوى ولا تعني اي شيء لا سياسيا ولا حتى لغويا، بل هي اقرب الى سفسطة كلامية، والادهى من ذلك بات يرددها صانعي الكتلة التاريخية في كتاباتهم وكأنهم اصابوا كعب اخيل. ويبدو انهم يقلدون جلال الدين الصغير عندما قال المجرب غير النزيه أفضل من النزيه غير المجرب، وهذا يفسر سر تحالف الحزب الشيوعي العراقي مع الصدر!
اما المسالة الثالثة، فهي من اية زاوية ننظر نحن العمال الشيوعيين الى هذه التحالفات؟ 
ان هذه التحالفات لا تخصنا لا من بعيد ولا من قريب. ان تحالف الصدريين والبدريين هو مقدمة لإعادة حياكة التحالف الوطني او التحالف الشيعي لكن بحلة جديدة، اذ ان التحالف القديم اكل عليه الدهر وشرب، دعائيا وسياسيا وحتى اجتماعيا. الان وبعد انتهاء الموسم، فالكل يعود الى خيمة التحالف الشيعي لدورة جديدة
ان تشخيصنا للحكومة القادمة، يعني انها لن تكن افضل من سابقاتها على صعيد الهوية الطائفية وادامتها للظلم الطائفي. وستعمل على ادامة وتنفيذ سياسات ومشاريع صندوق النقد الدولي بتنصل الدولة من مسؤولياتها تجاه المجتمع مثل التربية والتعليم والصحة والكهرباء وتقليل رواتب ومعاشات الموظفين والعمال العاملين في قطاع الدولة. وستكون هناك محاولات حثيثة لفرض الاسلمة على المجتمع. وبالنسبة للمسألة القومية الكردية وقضية كركوك، ستكون معلقة وستكون دون حل وستظل هاتان المسألتان مرتبطتان بتوازنات القوى ايضا، وكلتا القضيتين ستكونان بمثابة سيف مرفوع ينتظر اوامر السياف القومي كي ينزل على رقبة الجماهير في اية لحظة عند تغيير المعادلات السياسية. وقد تحدثنا بشكل تفصيلي في وثيقة سياسية بعنوان "سبيل حل الحزب، حول الاوضاع السياسية في العراق" الصادرة عن الاجتماع الموسع 33 للجنة المركزية يمكن القارئ الاطلاع عليها . اما عن دور المليشيات فهو مرتبط بتوازنات القوى بين الفصائل الشيعية في العملية السياسية، وان مطلب حصر سلاح بيد الدولة هو جزء من الترهات الدعائية. فالحدود بين مليشيات الدولة ودولة المليشيات ستبقى غير معروفة ومائعة الى اجل مسمى بشكل مخطط ومدروس. وان كل ما يشاع ويقال وما تنظم من دعوات حول مصالحة سياسية، او اجتماع الكتل السياسية التي دعى اليها العبادي وايده البرزاني والمالكي ليس اكثر من استعدادات لإعادة تقسيم الامتيازات والنفوذ بعد مرحلة الانتهاء من داعش ولكن توقيتها جاء بعد الانتخابات.
لذلك ان التغيير المرتقب لن يأت عبر هذه التحالفات، بل يأتي عبر الكف عن اللهاث وراء كل الترهات والتنظيرات والاوهام حول الكتلة التاريخية، والكف ايضا عن نشر تلك الاوهام في صفوف الجماهير اولا، وعن طريق تنظيم السخط الواسع والاعتراض الكبير في صفوف الجماهير ضد سلطة الاسلام السياسي بفسادها وحلفائها من كل حدب وصوب الذي