عادل احمد

خطر ما بعد انتخاب اردوغان!

انتخاب اردوغان رئيسا لتركيا ليس مسألة ديمقراطية وعملية انتخابية كما تصورها البعض، وانما هي عملية ضمن التغيرات التي ستحصل في منطقة الشرق الاوسط. وأن انتخاب سلطانا اسلاميا ذو صلاحيات كثيرة لاسلمة تركيا والمنطقة ونشر المد الاسلامي، وسحب البساط من تحت اقدام القوميين هي الخوف الكبير التي تواجهه الطبقة العاملة والجماهير الكادحة والتحررين في المنطقة.

 

لم يكن خافيا بالنسبة للاشتراكيين بأن الطبقة البرجوازية عندما تمر بازمة الاقتصادية تصاحبها ايضا ازمة سياسية وتحاول جاهدة الخروج بأقل خسارة ممكنة، وتضع كاهل ازمتها على اكتاف الطبقة العاملة والكادحة وتجبرها على ان تدفع الثمن من حياتها. ولم يكن خافيا ايضا بأن الطبقة العاملة العالمية هي في اكثر الاوقات ضعفا وتشتتا وليس بأمكانها ان تضع حدا لتجاوزات الطبقة البرجوازية العالمية وتطاولاتها على حياة ومعيشة العمال والكادحيين. ولكن الخافي هو ان العالم الراسمالي يمر بأخطر مراحله وهي مرحلة الاستقطابات السياسية وتشكيل عالم الاقطاب الجديد في ظل المرور بازمتها الخانقة. ان هذه المرحلة هي مرحلة احتضار الاقطاب السياسية العالمية مع اشتداد الازمة الاقتصادية، والتي لم يقدر لا (جي 8) ولا (جي 20) حتى الان على شفائها وتخفيفها، ولكن الطبقة العاملة العالمية ليس بمقدورها ان تغير المعادلة وان تقلب التوازن لصالحها في ظل ضعف الطبقة البرجوازية في افاقها السياسية. ان الفوضى السياسية التي تعم عالم السياسة بين مكونات العالم القديم امريكا واوروبا وروسيا واوروبا الشرقية والغرب مع الشرق، هي كلها بوادر مرحلة خطرة في عمر الراسمالية العالمية.

 

ان انتخاب رجب طيب اردوغان رئيسا اسلاميا مطلقا في دولة لها ثقلها السياسي على الشرق والغرب ولها طموحات سياسية في الشرق، بنفس القدر تحاول أن تكون شريكا مع الغرب وخاصة اوروبا. وان المد الاسلامي سوف يمتد الى الشرق الاوسط وشرق اسيا وحتى الى بعض دول اوروبا الشرقية. ان هذا الامتداد السياسي الاسلامي هو خطر جدي على مستقبل الحركة الاشتراكية والعمالية في المنطقة برمتها. ان الاسلام السياسي في يومنا هذا ليس مثل الاسلام السياسي في المراحل التاريخية السابقة، بل اكثر وحشية واكثر خدمة لمصلحة الراسمالية والطبقة البرجوازية في مرحلة احتضار الاقطاب الراسمالية. وان تركيا الاسلامية سوف تأجج نار الصراعات الطائفية في المنطقة وتحاول دفع المنطقة الى الكارثة والحروب والاقتتال الطائفي وعدم الاستقرار وتأثر على الاجيال بمخلفاتها. انه خوف جدي لمستقبل المنطقة مثلما تحولت ايران الى دولة الاسلامية ورأينا كوارثها واثارها حتى يومنا هذا.

 

ان الطبقة العاملة التركية وقعت بين طاحونة القوميين والاسلاميين على الرغم من محاولاتها واحتجاجاتها ولكنها ليست بالاستعداد الكافي بأن تكون مانعا امام زحف الاسلاميين الى داخل المجتع التركي، والتي هي اكثر مدنية واكثر رخاء وأزدهارا بين الدول المنطقة. ان تحقيق حلم اردوغان هو كارثة كبيرة تواجهها الطبقة العاملة التركية ولابد ان تقف بوجهه الطبقة العاملة التركية في المقام الاول وتحاول ان تفشل مخططاته وسياساته الاسلامية والغير انسانية، وان تطرح بديلها السياسي للمجتمع في ظل غياب المعارضة الجدية لاردوغان ونظامه. ان الطبقة العاملة التركية اذا لم تواجه المد الاسلامي ولم تنجح في فرض افاقها السياسية المعارضة على المجتمع التركي، سوف تتراجع خطوات كثيرة الى الوراء خاصة وان تركيا تحاول ان تقترب اكثر الى روسيا وايران بحثا عن ايجاد موضع قدم اكبر في المنطقة.

 

ان تمدد الاسلام السياسي التركي في المنطقة يشكل خطرا على مستقبل العراق ايضا وان المد الاسلامي سوف يدخل كل البيوت وكل المناطق بشطريها ما يسمى بـ"السنية والشيعية"، وقد يصعب على حركة التيار المدني والحركة العمالية والاشتراكية نضالها لعشرات السنيين القادمة، وانه حقا كارثة وعلينا مواجهتها السياسية. ان التضامن العمالي بين عمال تركيا والعراق هو في امس الحاجة الان وينبغي ان نقوي العلاقة السياسية والنضالية وان نسير بخطواتنا المشتركة في مواجهة الخطر المحدق التي تواجهه منطقتنا. لم تكن الاشتراكية ضرورية اكثر من يومنا هذا ولم تكن الاممية ضرورية اكثر من يومنا هذا.. العالم الراسمالي اليوم هو عالم واحد وان النضال ضده هو عالمي ايضا. وان الخطر اصبح عالميا وازمته هي عالمية ايضا والنضال ضده اصبح عالميا. ان عمال تركيا والعراق على الرغم من خصوصيتها في بعض المجالات ولكن كوارث الطبقة البرجوازية المحلية والعالمية، سوف تعصف بهما سويا وتضعهما في مواقف صعبة ودموية مشتركة. ان انتخاب اردوغان هو ناقوس خطر على مستقبل حركتنا الاشتراكية والعمالية في المنطقة.. علينا ان ندرك هذا الخطر ونخطط كيف نواجهه.

 

مقالات