سمير عادل

احتجاجات ايران وافول الاسلام السياسي

لا تحسد الجمهورية الاسلامية في ايران على حالها في هذه الايام، فهي تعيش احلك ايامها، بالرغم من وعيد مرشد الجمهورية الاسلامية بأنه سيسحق اعداء ايران وانصار المؤامرة الامريكية والصهيونية داخل ايران، وبالرغم من تهديدات الحرس الثوري بغلق مضيق هرمز ردا على الحصار النفطي الامريكي بتصدير المنتجات النفطية الايرانية.

 

ما يحدث اليوم في ايران، من احتجاجات تتسع رقعتها وتشتد كل يوم وبأشكال مختلفة، غير مرتبط بالحصار الامريكي على ايران بالرغم ان الحصار يزيد من وطأته على جماهير ايران، كما يروج له انصار الجمهورية الاسلامية في ايران. ان المعضلة الاصلية تكمن في ازمة العلاقات الانتاجية الرأسمالية التي تمثلها الجمهورية الاسلامية، منذ التفافهم على الثورة الايرانية عام ١٩٧٩ والقيام بثورة مضادة بدعم نفس الغرب بقيادة الولايات المتحدة الامريكية.

 

ان المناهضين لمقولة الصراع الطبقي او الناكرين له، او الذين يحاولون طمسه على الاقل، سواء في الشرق او في الغرب، يحاولوا ان يرسموا تصويرا اسطوريا له وهو؛ أن الاسلام السياسي هم جماعة مبتورة هبطت من السماء واستنشقت كل الهواء الملوث من التاريخ لنفثه على الاحياء في المجتمع وتسميمهم. اي انهم ينكرون ان الاسلام السياسي كواحد من التيارات السياسية البرجوازية في ايران فشل في تخليص العلاقات الانتاج الرأسمالية من ازمتها، وخلال هذه السنوات حاول تصدير هذه الازمة الى خارج حدوده القومية من جهة، ومن جهة اخرى حاول تحميل اعبائها على كاهل العمال والكادحين داخل ايران، سواء عن طريق تنصل الدولة من دفع رواتب العمال والموظفين لأشهر عديدة تصل الى ثمانية وتسعة اشهر في قطاعات مختلفة وفرض ظروف عمل وشروط معيشية مجحفة، او عن طريق الاستبداد والقمع.

 

ان الاحتجاجات داخل ايران لا تتخذ اشكال محددة او تنحصر في حدود قطاعات معينة من مختلف الشرائح الاجتماعية. فهي تتخذ اشكال مختلفة مثل الاضرابات والاحتجاجات العمالية، حركة خلع الحجاب، الاحتجاجات الطلابية في الجامعات، واخرها وليست اخيرها اضرابات برجوازية البازار الاخيرة التي كانت هي احدى الدعائم الرئيسية للجمهورية الاسلامية. بعبارة اخرى ان الازمة التي تعيشها الطبقة الحاكمة في ايران هي ازمة بنيوية، وخلال هذه السنوات حاولت اصلاحها عبر المصالحة مع الغرب عن طريق الدخول في الاتفاق النووي والاندماج بشكل كلي مع السوق الرأسمالية العالمية. بيد ان نفس الاتفاق الذي بورك في ايامه الاولى لم يسعف الجمهورية الاسلامية ولم يخرجها من أزمتها. وكانت الاحتجاجات التي اندلعت في اكثر من ٧٠ بلدة ومدينة في نهاية العائم الفائت خير دليل على ذلك. وحتى في حال نجاح صمود الاتفاق النووي اليوم بدون الوجود الامريكي، فأن تيار الاسلام السياسي الحاكم في ايران لن يستطع عبور ازمته، وقد وصل الى نهايته وان تفكك سلطته او انهيارها ليس الا مسالة وقت، عبر الضربات الجماهيرية التي تشتد ساعدها او عبر تصاعد الصراعات بين اجنحتها، بالرغم من التسويق السياسي والاعلامي لروحاني وسليماني وخامنئي لوحدة صف ما يسمى بالمتشددين والمعتدلين داخليا وخارجيا. بلغة اكثر وضوحا، ان الازمة التي تعيشها الجمهورية الاسلامية هي ازمة عميقة تضرب جذور الجمهورية الاسلامية والنظام الرأسمالي في ايران، فلا الطبقة الحاكمة قادرة على ادارة الازمة السياسية والاقتصادية ومواصلة الحكم بنفس الاسلوب القديم، ولا الجماهير قادرة على تحمل هذه السلطة.

 

ان ازمة السلطة السياسية في ايران، ازمة الجمهورية الاسلامية، هي احتضار اكثر التيارات السياسية رجعية وعفونة داخل العائلة البرجوازية. وان سقوطها المدوي في ايران، سيكون في العراق اول من يسمع صداها قبل بلدان المنطقة. ولن تجر تداعياتها على تيار الاسلام السياسي الشيعي وحده بل على عموم الاسلام السياسي في المنطقة والعالم. الا ان العراق سيكون النموذج الابرز الذي ستظهر فيه تلك التداعيات.

 

خلال السنوات المنصرمة شكلت الجمهورية الاسلامية في ايران المرجعية الفكرية والسياسية واللوجستية والاستخباراتية والميلشياتيه لقوى الاسلام السياسي الشيعي في العراق. بيد ان عدم قدرة نجاح تثبيت بديل الجمهورية الاسلامية في العراق يعود الى توازنات القوى بين الاطراف المحلية والى الصراعات الاقليمية والدولية حول البدائل السياسية في العراق. ان الجمهورية الاسلامية لم تستطع تقديم بديل افضل مما هو مطبق في ايران، فبقدر ما عرف عن مسؤوليها من فساد وسرقة ولصوصية وباعتراف اركانها، ووقوعها في أزمة اقتصادية وسياسية واجتماعية بنفس القدر عبر ممثليها من نفس النموذج في العراق.

 

وبناء على المعطيات الموجودة في ايران، ستحاول قوى الاسلام السياسي في العراق فصل نفسها عن ما يحدث في ايران، والتبضع في الاسواق لشراء افضل قيافات وازياء وعناوين مدنية، وستزيد قوى الاسلام السياسي الشيعي من تضليلها للجماهير، عبر شعارات فارغة من المحتوى مثل تشكيل تحالفات عابرة للطائفية او حكومة ابوية او حكومة تمثل جميع المكونات، بعد بدء تهاوي النموذج الذي تقتدي به عبر الحدود. فليس امام الاسلام السياسي الشيعي الا تبديل مسميات احزابها ورمي رموزه وشخصياته من العمائم، او القبول بالغرق على نفس السفينة عبر عملية انتحارية لإنقاذ ما لا يمكن انقاذه من بقايا ما يسمى الجمهورية الاسلامية في إيران. ولكن الانتهازية التي تتحلى بها ابدا التيارات البرجوازية سيدة الموقف، واثبتت واقعيتها عشية الانتخابات.

 

بيد ان طي صفحة الاسلام السياسي في العراق والى الابد، لن يكن عبر انتظار انهيار الجمهورية الاسلامية في إيران، بل عن طريق تنظيم وتوحيد وتقوية حركة جماهيرية واسعة لانهاء عمر سلطة الاسلام السياسي وميليشاته

مقالات

سمير عادل

05/03/2018