نادية محمود

حول التنظيم العمالي- توزيع الطبقة العاملة في العراق- الجزء الخامس

لنبدأ برسم صورة عامة عن حجم وتوزيع الطبقة العاملة في العراق قبل الخوض في التحديات التي تواجه هذه الطبقة. ان هذا الاستعراض سيتضمن اجابة على اولئك الذين يرددون بانه لا توجد طبقة عاملة في العراق، وان ما هو سائدة ليس هو بنظام رأسمالي بل احزاب اسلامية لا صلة لها بالرأسمالية، وذلك من اجل ابعاد اي حديث عن الصراع الطبقي، وانقسام المجتمع الى طبقات، وما يترتب على ذلك الصراع من بدائل سياسية تتصارع باسم الطبقات. بل الاكثر من هذا، حتى بعض الاشتراكيين او الشيوعيين يرددون بان لا طبقة عاملة في العراق،او الطبقة العاملة قليلة العدد، او ان لا صناعة لدينا في العراق، وبناء عليه، لا يمكن الاتكاء على الطبقة العاملة في النضال من اجل انهاء النظام الرأسمالي، واقامة الاشتراكية. بهذا الموجز السريع، سيتوضح اعداد وتوزيع الطبقة العاملة في العراق وان لم يكن بشكل شامل، بل بقدر توفر المصادر على قلتها.

 

البحث في تحديد وتوزيع الطبقة العاملة في العراق يواجه مشكلتين منهجيتين: الاولى لا يطلق على العمال في القطاع العام اسم "عمال"، يطلق عليهم موظفين وهذا في كل الشركات التابعة لوزارة الصناعة والمعادن والشركات المملوكة و التابعة لوزارات الدولة مذّ حوّل صدام حسين العمال الى موظفين بقرار رسمي رقم 150 صدر عام 1987. لذلك، قد يخلق هذا التصنيف صعوبة باحصاء الايدي العاملة في القطاع العام. فالجهاز المركزي للاحصاء يستخدم مصطلح" المشتغلين" وهذا يضم العمال والمهندسين والاداريين. الثانية: ليست هنالك احصائيات دقيقة، فالارقام الموجودة غير دقيقة وتتباين من مصدر لاخر. تعريف القوى العاملة هي تلك القوى التي تبيع قوة عملها لمصلحة جهة اخرى قد يكون قطاع خاص، عام، مختلط، وبغض النظر عن سعة ذلك المشروع، والتي يجنى ارباح او فائض قيمة من جراء بيع قوة عملها. اي ان الاشخاص الذين يعملون لحسابهم الشخصي ليسوا مشمولين بهذه الاحصائيات. الا ان القوى العاملة هنا، بعضها موجود في ميدان العمل فعلا، والبعض الاخر معطل ينتظر ومستعد لبيع قوة عمله في جيش البطالة ايضا.

 

حسب تصريحات المستشار المالي لرئيس الوزراء مظهر محمد صالح، يبلغ عدد القوى العاملة في العراق 7 ملايين، الا انه وفق احصائيات منظمات دولية مثل صندوق النقد الدولي يبلغ عدد العمال 10 ملايين، وهنالك مصادر اخرى تشير الى ان العدد يبلغ 8 مليون. ويؤكد رئيس الوزراء حيدر العبادي ان عدد موظفي الدولة فقط يبلغ 4 ملايين، او 11% من تعداد المجتمع العراقي ( علما لا يوجد احصاء للسكان في العراق منذ عام 1997).

 

يتوزع العمال في الصناعات النفطية والهايدروكاربونية، الصناعات غير النفطية، القطاع غير الرسمي، الزراعة، و الخدمات و ينضم كل عام ما بين 400-450 الف شخص بالغ فئة القوى العاملة سنويا، منهم 150 ألفاً من حملة الشهادات الجامعية الى سوق العمل. ووفقا لذلك تتصنف البطالة إلى نسبة 16 % بشكل حتمي، و30 % بشكل محتمل حيث تكون نسبة 50 % من الذكور في المناطق المدنية ، بالمقابل تشكل النساء نسبة 13 % فقط من القوى العاملة. حسب دراسة اجرتها منظمةFORAS.

 

بالنسبة للقطاع النفطي، ليست هنالك احصائيات منشورة ، على حد علمي، تظهر عدد العمال العاملين في هذا القطاع، الا ان المصادر المتوفرة سواء من صندوق النقد الدولي او غيرها بان نسبة عمال النفط يشكلون 1% من الايدي العاملة، دون ذكر العدد الكلي للعمال. يذكر الخبير الاقتصادي عبد الرحمن المشهداني بان عدد العاملين في القطاع النفطي في عام 2012 بلغ 30 الف عامل. الا ان عدد القوى العاملة في الرميلة فقط يصل الى ما يقارب 6,500 عراقي، وأكثر من 25,000 آخرين يعملون بها على نحو غير مباشر مع المقاولين المتعاقدين مع الرميلة. عمال النفط يعملون في 24 حقل نفطي في حالة انتاج و71 حقل في حالة تطوير، موزعين على معظم مدن العراق عدا مدن الانبار ودهوك والديوانية (1) .

 

اما الصناعات غير النفطية المملوكة والتابعة الى وزارة الصناعة او وزارات اخرى مثل وزارة الزراعة او الصحة، يبلغ عددها الان 167 مؤسسة يعمل فيها ما يقارب ال 550 الف عامل . المنشات الكبيرة والمتوسطة والصغيرة سواء كانت تابعة للدولة ام للقطاع الخاص او المختلط فانها توزعت كالتالي:

 

في عام 2017 بلغ عدد المنشآت الصناعٌية الكبٌرى (1091) منشآة منها، (574) منشاة عاملة، في حين بلغ عدد المنشآت المتوقفة (517 ) منشأة وبمقارنة عدد المنشآت العاملة عام 2016 والبالغة (566) منشأة اي بانخفاض نسبته 2 %. تتوزع هذه على 27 منشآة قطاع حكومي و52 منشآة قطاع عام و(7) منشأة قطاع مختلط و(430) منشأة قطاع خاص و(1) قطاع اجنبي. بلغ عدد المشتغلين في هذه المنشات الكبيرة ( 114497) مشتغلا لسنة 2017 بضمنهم المشتغلين بدون أجر وعددهم (377)، مقارنة بعددهم في سنة 2016 حٌيث بلغ عدد المشتغلين (117020) مشتغلا أي بنسبة إنخفاض وقدرها 2.2%. تمكنت هذه القوى العاملة من خلق قيمة مضافة (اي الفرق بين كلفة الانتاج وحجم المبيعات) عام 2017 لوحده (3579) مليار دينار مقابل (184) مليار دينارلسنة 2016 أي بنسبة إرتفاع مقدارها ( %94.5) .

 

اما عدد المنشآت الصناعة المتوسطة والتي يعمل فيها من 10 - 25 عامل، فقد ارتفع الى (179) منشأة في سنة 2016 مقارنة بسنة 2015، حيث كان عددها (92) منشآة أي بنسبة ارتفاع مقدارها 94.6% .وارتفع عدد المشتغلين في سنة 2016 ليبلغ عددهم (2449) عاملا عما كان عليه في سنة 2015 حيث كان عددهم 1491))، مشتغلا بزيادة قدرها بنسبة ارتفاع مقدارها (64.3%) . تمكنت هذه القوى العاملة من خلق قيمة مضافة لسنة 2016 بلغت (58.7 ) مليار دينار مقابل (36) مليار دينار لسنة 2017 اي بنسبة ارتفاع مقدارها 63.1%. اما عدد المنشأت الصغيرة فيبلغ 22480 وعدد العاملين فيها يبلغ 67157 عامل.

 

تتوزع هذه الصناعات على كل مدن العراق، خارج اقليم كردستان والمناطق التي تضررت بالحرب مع داعش. حيث تنتشر الصناعات الصغيرة والكبيرة في كل المدن منها على سبيل المثال، صناعة الاسمنت في مدن النجف وكربلاء، وبابل والمثنى، يبلغ عدد العمال في بعض المعامل 750 عاملا كما هو الحال في معمل سمنت الدوح في المثنى، معامل الطابوق والتي يبلغ تشغيل العمال في بعض منها 120 عامل، اما صناعة الحديد والصلب في البصرة وتشغل 400 عامل. صناعة البلاستيك والتي بعضها يتراوح عدد العمال فيها 100 عامل ، الانشائية، الزيوت النباتية، الصناعات الكهربائية، السكر، الغزل والنسيج، دباغة الجلود، الجلدية، القابلوات، البتروكيمياويات، المواد الغذائية، والمصافي. اما في قطاع البناء فيعتبر من احد القطاعات التي تقوم بتشغيل العمال في القطاع الخاص، اكثر من اي شركة او مصنع او معمل في القطاع الخاص حيث بلغ عدد العاملين طيلـــــة أيام العمل سنــــة 2016 ( 14621) عامـــل مسجلا نسبة انخفاض وقدرها % 45 عن سنة 2015 والذي بلغ عددھم 26588، منھم 934 مھندس يشكلون نسبة 6.3% و9819 عامل بنسبة 67.1% و ( 561) إداري بنسبة 3.8% و 774 فني بنسـبة 5.2% من مجموع عدد العاملين (5) .

 

فيما يتعلق بالصناعات النسيجية تشغل هده الصناعة نسبة 15% من العمال في القطاع الصناعي ويعمل فيها 22 الف عامل في هذا القطاع، يتوزعون على عدة معامل في الموصل و الكوت و الحلة وبغداد و الناصرية و الديوانية واربيل والنجف. يبلغ عدد المنتسبين في معامل النسيج في الناصرية على سبيل المثال 1300 بين موظف وعامل وفي الكوت 5000، وفي بابل 2500 عامل وموظف، وفي معمل الألبسة الجاهزة في النجف 1670. صناعة السكر في بابل يشتغل ما يقارب 2000 عامل ومنتسب في هذا المعمل الذي بدأ عمله في عام 2015. اما صناعة الادوية في سامراء يشتغل فيها 5000 عامل ومنتسب.

 

فيما يتعلق بالصناعات الجلدية، كاحدى الشركات التابعة لوزارة الصناعة والمعادن، يشتغل فيها قرابة ال 5000 عامل وهم موزعين على 8 معامل و3 ورش في مواقع بغداد (الكرادة) والزعفرانية، والكوفة في مدينة النجف. كل قسم من هذه المعامل مختص بنوع من الانتاج: من دباغة الجلود، صناعة الحقائب، والالبسة الجلدية، الملابس العسكرية، الاحذية العسكرية (البساطيل) الخوذ، الصدريات المضادة للرصاص، الاحذية الرياضية والمطاطية، القماصل النسائية والرجالية.من المقرر ان تكون السوق المحلية ووزارات الدولة من القطاع العام هي منافذ التسويق لهذه الشركات.

 

اما الصناعات الانشائية وتتضمن صناعة السمنت في العراق، فهي تعتبر ثاني اكبر قطاع صناعي له اهمية اقتصادية بعد القطاع النفطي. هذا القطاع فتح للاستثمارات الاجنبية وبدأت شركة لافارج الفرنسية بالتعاقد مع وزارة الصناعة لادارة شركة كربلاء وطاسلوجة، واسمنت بازيان وشركة جاسن في السليمانية. هذه الشركة تشغل 3000 "موظف" حسب تعبيرها، وليس عامل.

 

اما صناعة الطابوق فليست هنالك احصائيات دقيقة عن عدد معامل الطابوق في العراق، الا انه بشكل عام يصل الى 650 معمل- عدا معامل كردستان-. هذه المعامل موزعة على مدن عديدة: ديالى، بغداد، النجف، كربلاء، الديوانية، بابل، المثنىو ميسان. عدد العمال في اي معمل يتراوح بين 200 الى 2200 عامل. في محافظة ديالى واقضيتها: بلدروز، المقدادية، بعقوبة، ناحية كنعان، منطقة الدورة، الخالص، يبلغ عدد العمال 6556، لكن هذا الرقم قد يكون تغير صعودا او نزولا. في منطقة النهروان في بغداد لوحدها هنالك 260 معمل طابوق يعمل فيها 4000 عائلة.

 

اما العمالة في القطاع الزراعي فانها تشكل 20% من الايدي العاملة، وفي الاعم الاغلب تعمل النساء في هذا القطاع، وهذا يختلف عن اي قطاع اخر حيث عدد العاملين من الرجال يفوق عدد النساء العاملات. فبينما النساء لا يحتلن سوى 15% من الايدي العاملة يحتل الرجال 70% من الايدي العاملة. رغم ان العمل في القطاع الزراعي موسمي، ولا يوجد فية استقرار لاسباب عديدة.

 

 

يشغّل القطاع الخاص قرابة ال 60% من الايدي العاملة في العراق، العديد منهم في المنشآت الصغيرة والقطاع غير الرسمي. اما العاملين خارج القطاع العام والخاص والمختلط او فيما يسمى غير الرسمي اي من باعة المفرد، والمياومين في البناء، والحمالين، والعتالين، العمال المؤقتين وغير الدائميين. فيبلغ قرابة 4 ملايين و200 الف، اي ما نسبته 53.7% من الايدي العاملة. عادة الاشخاص الذين يعملون في هذا القطاع محرومون من مشاريع الضمان الاجتماعي التابعة للدولة، وبالتاكيد اوضاعهم الاقتصادية لا تسمح لهم بضمان انفسهم على نفقتهم الخاصة.

 

 

واخيرا ما يتعلق بالعمالة من الايدي العاملة غير العراقية فقد اشارت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية الى وجود 200 الف عامل في العراق.يعمل معظمهم في المطاعم والفنادق وشركات التنظيف، والمستشفيات ورغم ان العديد منهم يأتون عبر شركات التشغيل الا ان اعدادا اخرى لا تستطيع الحصول على اوراق رسمية للعمل مما يضطرهم الى البقاء معرضين انفسهم لخطر الابعاد في اية لحظة. معظم هولاء العمال قدموا من بنغلاديش والهند. وفي الغالب اجور هؤلاء العمال متدنية، مما سناتي على ذكره في الجزء السابع من هذه السلسلة حول الانتهاكات التي تتعرض لها الطبقة العاملة في العراق.

 

 

بهذا الاستعراض الموجز، يمكن التوصل الى عدة مسائل: وجود قوى عاملة في العراق، سواء كانت في ميدان العمل او في جيش الاحتياطي ما تبلغ ثلث سكان العراق. تلك التي في ميدان العمل، تتوزع على القطاعات الثلاثة: حكومية، قطاع مختلط وقطاع خاص، العاملين من الذكور هم على الاقل ثلاثة اضعاف من القوى العاملة من النساء. وتلك القوى تتوزع المشاريع الصغيرة او الكبيرة في كل مدن العراق، وان كانت هذه التغطية لم تشمل كردستان العراق. ان هذا الاستعراض يعطي اجابة واضحة على منتقدينا بان توجهنا للطبقة العاملة لا يستند الى اي اساس مادي، لكون ليست هنالك " طبقة عاملة" في العراق، وبناء عليه، حين يتعلق الامر بتنظيم طبقي عمالي لخوض الصراع السياسي مع البرجوازية والرأسمالية، يتلفت المعارضون لوجود طبقة عاملة في العراق للبحث عن فئات اخرى، غير عمالية، لخوض النضال لتحقيق اهداف " اشتراكية"! ان هذه الاحصائيات البسيطة والموجزة توضح وجود هذه الطبقة، اماكن عملها، وتوزيعها، واعدادها، بالقدر الذي وفرته المصادر الموجودة.

 

 

المصادر:

 

Kamil al-Mehaidi. Geographical Distribution of Iraqi Oil Fields And Its Relation with the New Constitution

وفقا لاحصائيات صندوق النقد الدولي

IMF Staff Country Report-

يمكن الاطلاع عليه على الرابط التالي:

 

 

http://www.imf.org/en/Publications/CR/Issues/2017/08/09/Iraq-2017-Article-IV-Consultation-and-Second-Review-under-the-Three-Year-Stand-by-45174

 

4-

إحصاء المنشات الصناعية الكبيرة التراكمي( لسنة 2017) يمكن الاطلاع عليه على الرابط التالي: http://www.cosit.gov.iq/ar/industrial/industrial-larg-mid

5-

إحصاء األبنية والانشاءات في القطاع العام لسنة 2016 يمكن الاطلاع عليه على الرابط التالي:

 

 

http://www.cosit.gov.iq/documents/buildings/Buildings%20and%20constructions/2016/%D8%A7%D8%AD%D8%B5%D8%A7%D8%A1%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%A8%D9%86%D9%8A%D8%A9%20%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%86%D8%B4%D8%A7%D8%A1%D8%A7%D8%AA%20%D9%81%D9%8A%20%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B7%D8%A7%D8%B9%20%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%85%20%D9%84%D8%B3%D9%86%D8%A9%202016.pdf

- Ahmed Tabaqchali (

2017) Iraqs Economy after ISIS: An Investors Perspective 6

 

https://auis.edu.krd/iris/sites/default/files/IRIS_Iraq%20Post-ISIS%20Economy%20AT_FINAL.pdf

7- OECD (

2012), Towards New Arrangements for State Ownership in the Middle East and North Africa, OECD Publishing. http://dx.doi.org/10.1787/9789264169111-en

8-

الستراتيجية الصناعية في العراق حتى عام 2030 ملخص تنفيٌذي. يمكن الاطلاع عليه على الرابط التالي: http://www.industry.gov.iq/upload/upfile/ar/192est1.pdf

9-

مظهر محمد صالح: http://www.iraq-orl.com/read/8953/

10-

استراتيجية التخفيف من الفقر 2018-2020 يمكن الاطلاع عليه على الرابط التالي:

 

 

https://mop.gov.iq/static/uploads/1/pdf/1519282952f34fb083bd08b4bf218f8b30c975b8e2--%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%82%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AE%D9%81%D9%8A%D9%81%20%D9%85%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%82%D8%B1.pdf

11-

الجهاز المركزي للاحصاء- السكان والقوى العاملة. يمكن الاطلاع عليه على الرابط التالي:

 

 

http://www.cosit.gov.iq/?option=com_content&view=article&id=977&catid=87&lang=ar

مقالات