سمير عادل

ازمة السلطة السياسية ومطالب الجماهير

ليست وعود حيدر العبادي الكاذبة في ارسال الاموال الى البصرة والديوانية وذي قار وتعيين العاطلين عن العمل في قطاع الدولة، الا احدى اشكال التعبير عن الازمة السياسية التي تعصف بالعملية السياسية وتحديدا بسلطة احزاب الاسلام السياسي الشيعي. فالقاصي والداني يعرفان ان الموازنة اقرت وبالاتفاق مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وبقية المؤسسات المالية العالمية، وليس هناك لا اموال لتنمية الاقاليم، ولا للوظائف الجديدة التي وعد بها العبادي حتى عام ٢٠٢٠. اي بشكل اخر ان كذبة العبادي هي محاولة لامتصاص الغضب الجماهيري العارم، وهي ليست ككذبته في احتجاجات نهاية تموز ٢٠١٥ حين أعلن عن مشروعه الاصلاحي، لأن العبادي نفسه كان جزءا من تلك الاحتجاجات وبالتنسيق المباشر مع بقية التيارات الاسلامية مثل التيار الصدر،ي كمناورة لحشد التأييد الجماهيري لحكومته المتأزمة واستغلال الاحتجاجات لاحتواء مطالبها العادلة من جهة، ومن جهة اخرى لاقصاء منافسيه مثل المالكي او في أسوء الاحوال التقليل من ضغوطهم على حكومته .

 

بيد ان الازمة السياسية اليوم تعصف الى اقصى مدياتها بكل العملية السياسية التي تقودها الاحزاب الاسلامية الشيعية، وهذا يفسر بشكل واضح ويرد على سؤال طالما حير العديد من المراقبين والمحللين السياسيين، وهو لماذا لم يلجأ العبادي الى استخدام القمع ضد المتظاهرين في عام ٢٠١٥ وكان لهم نفس المطالب التي يرفعونها اليوم، بينما قتل بدم بارد وبالتنسيق المباشر والحي مع مليشيات الحشد التابعة للأحزاب الاسلامية خمس عشر شخصا وجرح العشرات، وقام وما زال باعتقال واختطاف المئات من المتظاهرين في الاحتجاجات التي تجتاح مدن الوسط والجنوب.

 

حكومة الانقاذ ام حكومة الطوارئ هي البدائل التي تطرحها القوى والاحزاب المتواجدة في العملية السياسية او التي خارجها، وكانت الاخيرة اي حكومة الطوارئ، طرحت من قبل رئيس القائمة الوطنية او العراقية سابقا اياد علاوي في مقابلة مطولة مع "قناة الشرقية". وأيا كانت بدائل هذه القوى فلن تستطع ان ترد على مطالب الجماهير التي خرجت تطالب بالخدمات والعمل والقضاء على الفساد. وحتى اعادة الانتخابات لن تستطيع اخراج العملية السياسية من ازمتها العميقة وتنقل العراق الى بر الامان والاستقرار السياسي، وتسفر نتائجها فيما لو اجريت عن حكومة ترد على الاوضاع الحالية. حيث ان الاوضاع القائمة تستند الى حكم المليشيات، وان اجراء مليون عملية انتخابية في العراق في ظل الاوضاع القائمة لن تغير من توازن القوى لصالح الجماهير. وان علاوي شخصيا اعترف بأن الانتخابات الاخيرة مزورة ويجب الغائها، كما ان الانتخابات السابقة حصل فيها تزوير وتم الالتفاف على نتائجها، فمن الحماقة الحديث عن اجراء انتخابات جديدة يؤمل منها ان تكون نزيهة وحرة، وتسفر عنها نتائج سحرية.

 

ان الازمة السياسية المتفاقمة تعصف بانسجام صفوف الاحزاب الاسلامية الشيعية ومرجعيتها اذ تحاول عبثا الحفاظ على سلطتها. ففي واقع الامر فان الجميع دون استثناء من القوى والتيارات الاسلامية الشيعية ومرجعيتها يعتريهم الرعب من تهاوي او فقدان سلطتهم، ولا نقول هيبتها فهي فقدتها بحرق مقارها ورفع الشعارات ضدها، ولكن الصحيح ايضا هناك غياب الانسجام في صفوفهم الى حد التنافس الواضح بينهم. فليس طرح الصدر لشروط تشكيل الحكومة الا رد على مشروع المرجعية التي تسميها بقية الاطراف الاخرى من القوى الاسلامية بخارطة الطريق للخروج من الازمة الحالية. اما التناقض الاخر الذي يعكر صفو الانسجام المشار اليه فهو اسلوب التعامل مع الاحتجاجات الجماهيرية. فبديل العبادي وما زال مع بقية القوى الاسلامية من بدر والدعوة وعصائب اهل الحق وتيار الحكيم، هو قمع الاحتجاجات سواء بمطرقة القوات الحكومية من جيش وشرطة او بسيف مليشيات تلك القوى، في حين ان هناك طرفان مثل المرجعية والتيار الصدري، والذي تتكون القاعدة الاجتماعية له من المهمشين والمحرومين والمعدمين والعاطلين عن العمل، سواء كانوا متوهمين بالصدر او لم يجدوا الى الان البديل السياسي الذي يعبر عن مطالبهم، الطرفان حذرا من سياسة القمع لإخماد الاحتجاجات. وإذا ما ذهبنا ابعد من ذلك فمقابل بديل حكومة الانقاذ وحكومة الطوارئ فان التسليم بنتائج الانتخابات التي رفضتها جماهير العراق جملة وتفصيلا سواء بمقاطعتها او بالاحتجاجات التي خرجت ضدها، يعني تشكيل حكومة مع وضع بعض الرتوش عليها وديمومة نفس السياسات السابقة. ان العامل الجوهري في عدم الاتفاق والانسجام بين القوى الاسلامية الشيعية هو على اهلية من يقود الكتلة الاكبر، للرد على الاحتجاجات الجماهيرية ومطالبها العادلة، ويتمكن من خلق انسجام داخل الطبقة السياسية الحاكمة.

 

أن جميع البدائل لن تستطع ان ترد على قضية الخدمات وحل مشكلة البطالة وخلق الاستقرار الامني والسياسي، لان المعضلة الرئيسية تكمن في بنية السلطة السياسية القائمة. ان الفساد هو نتيجة النظام السياسي القائم وليس هو السبب في افقار المجتمع، وان الحرب عليه تتم بأنهاء اسس ذلك النظام.

 

ففي الوقت الذي فشل البديل الاقتصادي والسياسي في عقر دار الاسلام السياسي في ايران الذي يحكم بالحديد والنار منذ تسعة وثلاثون عاما، حيث تهاجم الجماهير حتى الحوزات الدينية، وترفع شعار اسقاط الجمهورية الاسلامية، فلا يمكن للمرء ان يتوقع، تقديم الاسلام السياسي بديل اقتصادي وسياسي افضل في العراق.

 

اي بعبارة اخرى ان الحقيقة الساطعة التي يجب ان تعيها وتدركها الجماهير بان لا تنتظر من العبادي ولا اية حكومة من بدائل القوى المتصارعة في العملية السياسية ان يكون بامكانها تحقيق مطالب الجماهير. وطالما ظلت هذه العملية السياسية بإسلامييها وقومييها فلن تفضي الاوضاع القائمة الى الحرية والمساواة والرفاه. بل الى المزيد من المآسي والويلات

 

مقالات

سمير عادل

05/03/2018