سمير عادل

جماهير ايران والبلطجة الامريكية وانتهازية الاحزاب الاسلامية الشيعية

ان تصوير الاحتجاجات في القطاعات الاجتماعية المختلفة في ايران من العمال والموظفين والنساء والطلبة وكل محرومين المجتمع التي لم تخفت منذ اندلاعها نهاية العام المنصرم، بسبب العقوبات الامريكية، هو تصوير مخادع ويراد من ورائه حرف الانظار عن ازمة البرجوازية الحاكمة بالزي الاسلامي وفشل نموذجها الاقتصادي والسياسي والايديولوجي في ادارة المجتمع. ان من مصلحة الادارة الامريكية المشاركة وتعميم التصوير المشار اليه وترسيخه في العالم، كي تحقق هدفين، الاول ممارسة الضغط على نظام الجمهورية الاسلامية وانتزاع تنازلات منه لتقليل نفوذ ايران في المنطقة، الى جانب التلويح دائما بالعصا الامريكية لكل من يدور او يحاول ان يدور خارج الفلك السياسي الامريكي. واما الهدف الثاني، فهو اخفاء حقيقة ازمة النظام الرأسمالي في ايران وبغض النظر عن شكل الحكم، وهي الازمة التي يغط فيها النظام الرأسمالي العالمي القائم على الاستغلال وعبودية العمل المأجور والقمع والارهاب، والتي كان وراء الثورتين المصرية والتونسية. فقبل تجديد العقوبات الامريكية وقبل انسحاب ادارة ترامب من الاتفاق النووي الايراني في شهر ايار الفائت اندلعت الاحتجاجات الجماهيرية في ايران بستة اشهر.

 

بيد ان سياسة فرض العقوبات الامريكية تعني انها ستزيد من معاناة جماهير ايران، ولهذا اننا سنقف بوجهها وادانتها وتنظيم كل اشكال الضغط الجماهيري على صعيد العالم لفضح تلك السياسة وفي نفس الوقت النضال بكل معنى الكلمة من اجل رفعها.

 

ان سياسة فرض العقوبات الامريكية على جماهير ايران التي تتزامن مع فرض العقوبات على تركيا بحجة الاقامة الجبرية على القس الامريكي من قبل حكومة اردوغان، وعلى روسيا بذريعة تسميم الجاسوس الروسي سكريبال في بريطانيا، هي بلطجة واضحة وقبلها عقوبات على بلدان مختلفة مثل كوريا الشمالية وفنزويلا وكوبا. وانها تكشف عن مكانة امريكا ودورها العدواني في العالم الذي لا تحسد عليه. فالتحولات العالمية التي بدأت منذ انهيار القطب الشرقي وطي صفحة الحرب الباردة، تضع اوزارها اليوم ويتمخض عنها نظام عالمي جديد غير النظام العالمي الذي حاولت الولايات المتحدة الامريكية فرضه على العالم، وهو نظام متعدد الاقطاب. ان ادارة ترامب التي تمثل احدى اجنحة الطبقة الحاكمة لا تستسيغ قبول نظام عالمي جديد ليس بقيادة امريكا وبعكس الجناح الذي قاده اوباما في ولايتين متتاليتين. ومن الجانب الاخر ان لجوء امريكا الى سياسة فرض العقوبات والحمائية الكمركية حتى على اقرب حلفائها في الاتحاد الاوربي وكندا ناهيك عن خصمها الصين، وضرب كل قوانين منظمة التجارة العالمية التي ساهمت هي في ارساء اسسها، وابتزازها ايضا لدول في الحلف العسكري الاطلسي لزيادة مشاركتها ماليا من ٢٪ من الدخل القومي الى ٤٪، والذي لاقى اعتراضا شديدا من اعضاء الحلف، كل هذا يتم مع حزمة من السياسات بما فيها الانسحاب من مجلس حقوق الانسان واتفاقية باريس للمناخ، لايقاف تدهور مكانة امريكا ونفوذها في العالم. فبظهور النظام العالمي الجديد بوجوهه الجديدة روسيا والصين جردت امريكا من استخدام مجلس الامن وبنفس القدر قللت من استخدام العسكرتارية بشكل مباشرة لفرض نفوذها مثلما حدث في مرحلة احتلال افغانستان والعراق. لذلك ليس امام هذا الجناح داخل الطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة الامريكية الا سياسة فرض العقوبات، وهي بلطجة واضحة ولا تمتلك اية حقانية ومعادية ابدا لمصالح العمال والكادحين في اية بقعة من العالم، وتعمل على اطلاق يد الانظمة السياسية الاستبدادية في قمع المعارضين وتقوية النزعة المحلية القومية.

 

ان خوف نظام الجمهورية الاسلامية في ايران الذي يحاول ان يخفيه ليس نابعا من العقوبات نفسها، فهي كانت مفروضة عليه على مدى عقود من الزمن وفي خضم الصراع مع الغرب، بل الخوف وكل الخوف من كسر حاجز الرهبة لدى جماهير ايران والوقوف بوجه اجهزة القمع البوليسية ورفع شعارات معادية للنظام الاسلامي الى حد المطالبة باسقاطه. فجماهير ايران باتت لا تتحمل سياسة الافقار والاستبداد والعنتريات على حساب حريتها ورفاهها. ومن هنا يفسر موقف الاحزاب الاسلامية الشيعية ومليشياتها في العراق من العقوبات الامريكية، فهو يعبر عن انتهازية واضحة وبعيدة عن كل مبدئية. ان مصير الاحزاب الاسلامية الشيعية مرتبط بحياة وبقاء نظام الجمهورية الاسلامية. وبإسقاط الاخيرة من قبل الجماهير يعني افولها في العراق وفي المنطقة كما عبرنا عنه في مناسبات اخرى. ان نفس هذه الاحزاب واخص تحديدا حزب الدعوة كان موقفه مخزي ومعادي للانسانية، عندما ايد الحصار الاقتصادي الوحشي على جماهير العراق بعد غزو العراق للكويت، لكن الان ترتعد فرائصه من العقوبات الامريكية على ايران.

 

ان هذه الاحزاب الاسلامية التي ابتلت بها جماهير العراق لا تكترث كثيرا للعقوبات بل تكترث لعدم توقف وتنامي وتوسع الاحتجاجات الجماهيرية في ايران، التي لن تكن نتائجها مثل احتجاجات جماهير العراق، بل ستفضي الى اسقاط نظام الجمهورية الاسلامية.

 

ان العقوبات الامريكية بقدر ما تزيد من اعباء جماهير ايران، بنفس القدر تعمق من الازمة السياسية لنظام الجمهورية الاسلامية وتحول دون تأهيل النظام الاسلامي وانخراطه في الاقتصاد الرأسمالي العالمي.

 

ان موقفنا كشيوعيين مما يجري كما عبرنا عنه، ونؤكد عليه وبشكل مبدئي وصريح، هو ادانتنا وشجبنا للعقوبات الامريكية التي ستتحمل اعبائها فقط الجماهير المتعطشة للحرية وحياة انسانية كريمة في ايران، والعمل بشكل جدي كما فعلنا وناضلنا ضد الحصار الاقتصادي على العراق، بشن حملة عالمية واسعة الى جانب شيوعي وتحرري ايران والعالم لفضح هذه السياسة التي تقف وراء هذه العقوبات ورفعها. كما اننا كشيوعيين في العراق نقف الى جانب الاحتجاجات الجماهيرية في ايران وندعم مطالبها العادلة من اجل الحرية والمساواة والرفاه.

 

مقالات

سمير عادل

05/03/2018