نادية محمود

التظاهرات والتنظيم!

 

ان التظاهرات التي خرجت في كل من الوسط والجنوب في العراق منذ الثامن من تموز وبشكل عفوي وبتنظيم مباشر من قبل الشباب الساخط على البطالة وانعدام فرص العمل، وفقدان الخدمات، هي تعبير عن استعار طبقي اخر ومتجدد بين طبقة لا تملك اي شيء غير قوة عملها وطبقة تملك كل شيء وتتحكم في مصير الاولى، اي الجماهير المحرومة. هذه التظاهرات قد تبدو انها خفتت في بعض المدن، الا ان ارضية اندلاعها مرة ومرات اخرى، ستبقى خصبة ومستمرة. حيث ان الاوضاع الاقتصادية على ما هي عليه الان، من حيث الحرمان من فرص العمل وعدم وجود ضمان البطالة، وانتشار الفقر، وشيوع البطالة الهشة، وفقدان الخدمات، في دولة لا تنقصها المصادر المالية، بل تتعرض مصادرها الى النهب و السلب، والفساد، في ظل سياسة رأسمالية لا يهمها غير جني الارباح، وتهديد معيشة الملايين وامنهم وضرب مصالحهم عرض الحائط، ستبقى الارضية مهيئة تماما لاندلاع تلك الاحتجاجات مرة اخرى ومع اية شرارة تشعلها

.

ليس في العراق فحسب، بل في المنطقة كلها، قام الشباب على وجه التحديد، والعاطلين عن العمل والعمالة الهشة، اضافة الى العمال، والمحتجين من اجل شروط حياة انسانية افضل وقابلة للعيش، بالخروج في تلك التظاهرات، في مسار التحول من رأسمالية الدولة الى رأسمالية السوق الحر، وتبني سياسات الخصخصة والاقتصاد الحر. لقد شهدت دول المنطقة- مصر وتونس والمغرب- وهي قد سبقت العراق منذ ثمانينات القرن الماضي بتبني سياسات الانفتاح والباب المفتوح، والتي تتمحور حول التحول من رأسمالية الدولة الى رأسمالية الاقتصاد الحر، والتي تعني فيما تعنيه رفع يد الدولة عن القيام بالتدخل في توفير فرص العمل، وتقديم الخدمات باسعار مناسبة للمواطن، وما ادى الى اندلاع الاحتجاجات والتي توجت بثورات عديدة في المنطقة. ان المنطقة برمتها، في حالة غليان، قد يهدأ مرة، وسيتفجر مرات اخرى. لان الناس تبحث عن حول في دول لا تملك حكومات ولا انظمتها الحاكمة حلا

.

اذا كانت الدول التي كانت تسودها انظمة ديكتاتورية، وتقوم بمصادرة الحريات السياسية، في علاقات رأسمالية الدولة، فانها كانت تسعى لان تكسب شرعيتها بقيامها بدور اقتصادي تجاه المواطن (فرص عمل، تعيين وتوظيف مركزي، تعليم مجاني، صحة مجانية)، الا ان الحكومات في رأسمالية الاقتصاد الحر، والقائمة على تقليص دور الدولة في التدخل الاقتصادي في الاجابة على حاجات الناس، من اين ستجني شرعيتها في ذهن المواطن؟ بادعائها بانها تقلص دور الدولة الاقتصادي والسياسي ايضا، او انها "ديمقراطية" لا تضيف قطعة خبز الى مائدة الاسرة الكادحة الفقيرة

!

فليس بامكان هذه الدولة ولا نظامها الاقتصادي، ولا مشاريعها الاقتصادية، ان تقدم حلا للمواطن الباحث عن فرص عمل، وعن خدمات، وعن امان اقتصادي وسياسي. فليس الاحتجاجات ستستمر، بل حتى ان هدأت، فأنها ستبقى النار تحت الرماد، وستندلع مع اية شرارة

.

الا ان السؤال، هل يمكن ان تصل هذه الاحتجاجات التي لازالت تتواصل، الى النتائج التي يتطلع اليها المتظاهرون؟ كما رأينا في سنوات 2011، و2015؟ لطالما اعطت الحكومات الوعود، حكومة المالكي وطلبه للمئة يوم، العبادي ووعده بحزمة الاصلاحات، والان، الوعود باطلاق فرص العمل؟ يمكن ان تكون الاجابة بالايجاب اذا كانت هذه التظاهرات منظمة، ولديها قيادة مركزية، الا انها لكونها عفوية، الامر الذي يتغنى ويفتخر به البعض، فان امكانية وصولها الى اهدافها تصبح ضعيفة وقليلة. ان التجارب التاريخية اعطتنا الدروس بعد الدروس بان الحركات العفوية للجماهير، لن تصل الى مبتغاها، بما في الثورات، وثورات ما اطلق عليه بالربيع العربي خير دليل

.

ردد ويردد البعض من المتظاهرين بوجوب ابتعاد الاحزاب عن هذه التظاهرات، بل والاكثر من هذا الدعوة الى "عدم تسييس التظاهرات".وكأن التظاهر بحد ذاته هو ليس عمل سياسي، وهو ليس موجه ضد قوى سياسية، من قبل شباب ومتظاهرين، وهم في حالة وانهماك في عمل سياسي- اي تظاهر- قد تحولوا الى قوة سياسية هم انفسهم. ان العفوية ليست عنصر فخر، ولن تكون عامل للانتصار، بل عامل للهزيمة

.

ان هذا امر يستدعي الكثير من العمل لتوضيح التوهم في هذه النظرات. وكأنهم يريدون اعلان برائتهم من اي شكل من اشكال التنظيم، علما ان البرجوازية، واجنحتها المختلفة، نظمت نفسها في احزاب وميلشيات، ومنظمات مجتمع مدني، ومرجعيات دينية وقومية، وهي جاهزة بكامل عدتها لحربها الطبقية. بينما العمال والكادحين، لازالوا يتحرجون ويحاولون اعلان برائتهم من "التنظيم

"!

اي بينما الاحزاب البرجوازية تنتظم في احزاب عديدة، يترك العمال والعاطلون للعشوائية والعفوية واللاتنظيم. ان اللاتنظيم يترك الجماهير الكادحة فريسة سهلة، للتشتت و يسهل تفريقها، والقضاء عليهم. فالحزب السياسي يوحد وينظم جهود الناس، ويستطيع ان يوجه نضالهم تجاه هدف محدد، او يتبنى تكتيك محدد، او يغير تكتيكه ومنهجة حسب اقتضاء الظروف. ان اللاتحزب ورفض الاحزاب، هي الوصفة الناجعة للهزيمة ولعدم الوصول الى اية اهداف. لا يمكن ان يصل اي عمل انساني او سياسي الى هدف بدون تنظيم. ان التنظيم والتحزب الطبقي الشيوعي العمالي شرط مسبق واولي واساسي للقضاء على طغمة الرأسمالية الحاكمة وحكومتها وميلشياتها واحزابها. ان رفض التنظيم، ورفض " التسييس" انما هي خدعة كبرى. وبدون تنظيم، لا يمكن للحركات العفوية ان تنتصر، بل ستسيطر عليها وستجهضها الحكومة واحزابها المنظمة والمسلحة والموجهة بشكل مركزي من الاعلى الى الاسفل. هذا ليس درس مكتسب من تظاهرات العراق الاخيرة بل من احتجاجات وثورات المنطقة في العقد الاخير. ان اكتساب هذا الدرس وباسرع ما يمكن، سيوفر الدماء، والارواح، خاصة وان تلك الاحتجاجات باقية، مستمرة، وارضيتها مهيئة، وستندلع في الغد، ان خمدت اليوم

مقالات