نادية محمود

مالذي تغيّر في احتجاجات صيف 2018 عن تظاهرات صيف 2015؟

من الواضح ان الارضية التي ادت الى احتجاجات 2015 هي ذاتها التي ادت الى تظاهرات 2018 من حيث بحث الشباب والعمالة الهشة عن فرص عمل ومصادر معيشة، من حيث مطالباتهم بالكهرباء وهذه المرة الماء الصالح للشرب، ومن حيث وقوفهم ضد الفساد، والمطالبة بالتغيير في كلا العامين.

 

الا ان تظاهرات 2018 والتي اعقبت مرحلة الانتخابات التي لم تشارك فيها الا الاقلية من الجماهير -وهذا اعلان عن جزع الجماهير من هذه السلطة- جاءت بتغييرات جديدة. اولا اذا كانت التظاهرات التي حدثت في عام 2015 بحثا عن فرص عمل وكهرباء، وكانت الحرب مع داعش دائرة، فما هو جزاء اولئك الذين شاركوا في القتال وعادوا ليجدوا لا كهرباء، لاماء صالح للشرب ولا فرص عمل، رغم مرور اشهر على انتهاء الحرب مع داعش، وليس هنالك نية للعمل بهذا الخصوص؟ لقد اعادوا المناطق الى تحت سيطرة الاحزاب الحاكمة، ليبدأ الصراع على بزنس الاعمار! اما هم، الذين حرروا الارض، عادوا بلا عمل ولا مصدر للمعيشة.

 

وضعت، الحكومة ميزانيتها التقشفية لعام 2018 بالتنسيق وباشراف صندوق النقد الدولي، حيث لا ميزانية للتشغيل ولتعيينات جديدة، وعلى الشباب الخريجين منهم وغير الخريجين، انتظار انتعاش القطاع الخاص، ليزدهر حتى يتمكنوا من بيع قوة عملهم له. حيث لا تملك الدولة فرص عمل لتشغيل العاطلين. في الحقيقة، يلاحق صندوق النقد الدولي، الحكومة، على صرف موظفي الدولة، الذين لا تتعدى انتاجيته 7 دقائق في اليوم. وما هي انتاجية عضو البرلمان مثلا؟ وانتاجية نواب رئيس الجمهورية؟.

 

لقد رفضت الجماهير هذه السلطة برفضها وبالاغلبية المشاركة في الانتخابات. ورفضتها مرة ثانية في الاحتجاجات التي جرت. لقد تغيّرت الجماهير من حيث خطابها وسلوكها، فهي لم تكتف بهتافات "باسم الدين باكونا الحرامية"، بل ذهبوا الى مقرات "الحرامية" ليوصلوا رسالة واضحة اليهم، انهم مرفضون جملة وتفصيلا. ولم يبادر اي من اصحاب العمائم من الميلشيات الذين ارادوا دخول التظاهرات في عام 2015، حتى ان يفكروا بالوصول اليها هذه المرة. فامسكوا الصمت المطبق. لانهم يعرفون في اية مكانة وضعتهم الجماهير.

 

من جهة اخرى، لم تكتف التظاهرات بالهتاف "ايران برا برا" بل ذهبت الى حرق رموز ايران السياسية والدينية، التي سعوا على امتداد عقد ونصف الى تسويقها. لقد احرقت صورها الجماهير، رافضة التدخل الايراني ايضا.

 

لم تكتفي الجماهير هذه المرة بالتظاهر في الساحات العامة، بل بدأت تظاهراتها في عمق المدن، في الاحياء السكنية، في بغداد والمحافظات. رغم ان تلك التظاهرات لم يلقى عليها الضوء وبشكل كافي، الا ان تعلن تدشين عهد جديد هو تحرك الجماهير في احيائها السكنية، حيث تربطها المصلحة المباشرة في ايجاد الخدمات وفرص العمل.

 

اما المسالة الاخرى والبالغة الاهمية، هي الوصول الى وقطع الطرق المؤدية الى حقول النفط في غرب القرنة، وفي البرجسية في البصرة والرميلة. ادركت الجماهير اين تكمن القوة الاقتصادية للدولة برمتها: حقول النفط. وهذه هي المرة الاولى التي تقوم بها الجماهير المحتجة بمثل هذه الاعمال ومن خارج حقول النفط. واذا كان عمال النفط، بسبب عنف وهيمنة الدولة يمتنعون عن الاشتراك في الاحتجاج من داخل تلك الحقول، نظرا لتهديدهم وتخويفهم بالطرد وتطبيق قانون 4 ارهاب، وتهديدهم بدفع خسائر مالية اذا ما اوقفوا الانتاج، فانه ليس بوسع احد التكهن الان، بان هذا لن يحدث مستقبلا، ان استمرت الاوضاع على ما هي عليه. قد يأتي يوم تتظافر فيه جهود المحتجين من خارج الحقول مع المضربين والمحتجين في داخلها. خاصة وان مدينة البصرة التي تغذي الميزانية المالية لكل الدولة في العراق، يسقط فيها الالاف من حالات التسمم بسبب عدم تعقيم المياه، وعدم وجود الماء الصالح للشرب. ان المدينة التي تدفع بملايين البراميل كل ساعة من النفط، تنازع من اجل الحصول على ماء!

 

الا ان هنالك شيء واحد، يبدو انه لم يتغير، في احتجاجات عام 2015 و2018 الا وهو ترديد كلمات بـ"لا سياسية " التظاهرات!! وكأن التظاهرات ذاتها هي ليست فعل وعمل سياسي. لازال هنالك تمجيد لقضية "اللاتنظيم" وكأن اللاتنظيم هو مصدر فخر للتظاهرات. ان عدم وجود تنظيم يقدم خدمة جليلة لا تقدر بثمن للسلطة الحاكمة. بعدم وجود التنظيم، يسهل استخدام سياسة "فرق تسد"، يسهل التلاعب بحياة ومصير الجماهير. هذا امر لم تنجزه لا تظاهرات 2015 ولا 2018. ولكن المستقبل مفتوح على احتمالات كثيرة.

 

بعدم وجود تنظيم جماهيري مستقل عن الاحزاب الحاكمة او العشائر والتي يمكن ان ترشيها السلطة، يجري عدم الاعتراف بالقوة الحقيقية التي خرجت للشارع والتي احتجت، والتي طالبت بالتغيير، والتي سقط منها القتلى وتعرض فيها المتظاهرون للضرب، ولكنها، همشت وابعدت للخلف، ليظهر شيوخ العشائر، وكانهم الناطقين باسم المتظاهرين.

 

اما المسائل الاخرى، التي تشكل عار على اية حكومة برجوازية، واية دولة رأسمالية، وتدلل على مدى تفسخ الدولة البرجوازية اساسا هي وجود قوات غير رسمية، قوات دولة وميلشيات، بجانب جيوش الدولة. ان هذا بحد ذاته يسقط عن الدولة اية شرعية لها. الدولة، بالمعني البرجوازي، هي اداة قمع للسلطة والطبقة الحاكمة. انها اداة قمع. فلماذا تحتاج اداة القمع هذه الى ادوات قمع اخرى؟ انها تظهر ليس عدم انسجام اجزاء هذه الدولة، بل تظهر مدى تمزقها وانشطارها على ذاتها، وانقسامها الى اجزاء، عصابات، كل يريد جر الامور لصالحه، وليس لصالح الدولة ذاتها. ان وجود ميلشيات وجيش بجانب الجيش الرسمي للدولة، هو لحماية هذه الدولة من السقوط، لانها تعرف انها فاقدة لاية شرعية.

 

ان وجود قوات "رسمية" وقوات ميلشياتية، اضافت اعباء جديدة على المتظاهرين، فالذي لا تقوم به الدولة، تقوم به تلك الميليشيات نيابة عنها. وهي قوات لا يحكمها قانون، ولا يوجد قانون اساسا في بلد يتحرك وفق مبدأ قانون الغاب، قانون "كل من ايده اله".

 

في الختام لا بد من القول ان الدولة لم ولن تستطيع توفير فرص عمل وهي راضخة لشروط صندوق النقد الدولي، وشروط صندوق الدولي وتدخله، وفرضه لسياسات الاقتصاد النيوليبرالية، التي تؤدي، وادت بالفعل، ليس في العراق، بل في افريقيا وامريكا اللاتينية والشرق الاوسط الى مآسي اقتصادية، كان من نتائجها ثورات "الربيع العربي" في عام 2011. وهي خدمت مصالح الرأسمالية العالمية لكنها اضرت كل الضرر بمصالح الملايين من العمال، وادت الى وصول العمالة الهشة الى مستويات غير مسبوقة. لذلك، ان بدأت التظاهرات في العراق في اعوام 2011 و2015، والان في 2018، فهذه ليست الا تمارين، لان الصراع سيكون حامي الوطيس، السلطة والطبقة الحاكمة لا يهمها غير مصالحها، والجماهير كذلك تريد وتبحث عن مصالحها، وهاتين المصلحتين تتقاطعان ولا تلتقيان. لذا، وهو الدرس الاهم، ان حسم هذا الصراع على المصالح لصالح الجماهير، لن يكون ممكنا بدون تنظيم الجماهير لنفسها افقيا وعموديا من الاسفل الى الاعلى لازالة هذه السلطة، والا ستبقى المعركة، معركة كر وفر بين الطبقتين: العاملة والكادحة من جهة والبرجوازية والمنتفعين منها من جهة اخرى.

 

مقالات