سمير عادل

البصرة والكارثة المحدقة وكيفية مواجهتها

الكل يعترف بأن لا وجود لدولة في العراق، واذا كانت توجد فهي دولة فاشلة بامتياز. وتعريف الدولة الفاشلة في الادبيات السياسية هو الدولة غير القادرة على حماية مواطنيها.

 

اما الحكومة سواء كانت المحلية ونقصد مجلس محافظة البصرة او الحكومة المركزية في بغداد بقيادة حزب الدعوة التي يرأسها العبادي، فهما لم ولن تكترثان بما يحدث لا في البصرة ولا في العراق، فالجميع عيونهم مصوبة نحو تشكيل الحكومة الجديدة، والخوف ان تفوتهم الفرصة في حجز مقعد فيها وعدم المشاركة بحصة تشارك الاخوة الحرامية في استمرار النهب والسرقة.

 

سكان البصرة يعانون، بل سكان البصرة يحتضرون امام مرأى العالم، ووسائل الاعلام المختلفة تنقل التقارير عن الاوضاع الصحية، وتتحدث عن عودة الامراض المنقرضة مثل الكوليرا والذي حدد حتى تاريخ عودته بعد منتصف شهر ايلول الذي دشنت ايامه، بينما عدد من المعممين والمسؤولين اما يكتفون بأدلاء تصريحات سخيفة ومستهلكة، او يحاولون حرف انظار المجتمع عن الاهوال التي تنتظر سكان البصرة وبالتالي التي ستصيب سكان المدن الجنوبية.

 

سكان البصرة يحتضرون، والعبادي منهمك بالصراع مع العامري والمالكي لتشكيل الحكومة التي لن تكن اقل فسادا وسرقة من سابقاتها. فالعامري وفي لقاء له مع مبعوث التحالف الدولي قال ان اية حكومة تشكلها امريكا فهي عميلة وسيعمل على اسقاطها خلال شهرين. بيد ان ما يبعث السخرية حقا هي هل اذا تشكلت حكومة بتدخل ايراني ليست عميلة! ولماذا يعطي مهلة زمنية شهرين، فهل سينتظر العامري فيما اذا كان له حصة في الحكومة التي ستشكلها امريكا، او يتفاوض عسى ولعل ان يحرز موطئ قدم فيها ولذلك يحدد مهلة زمنية لها. الا ان السؤال الاكثر الحاحا اين مأساة سكان البصرة بل وسكان جميع المدن الجنوبية في اهات وحسرات العبادي والعامري بالبكاء على مظلومية الشيعة، التي اعموا عيوننا بها وسخروا المعممين وجندوا المليشيات واسسوا الفضائيات واخترعوا الخرافات والاكاذيب، للبقاء جاثمين على صدور الاحياء من الذين صنفوهم عنوة بالشيعة للحيلولة دون نفاذ صلاحيتهم الطائفية الكريهة.

 

اين مليشيات سرايا السلام وعصائب اهل الحق وبدر وابو الفضل العباس وحزب اللـه مما يحدث لسكان البصرة. انهم على استعداد للاندساس في صفوف المتظاهرين وبث الفوضى وتحريف شعاراتهم واختطاف الناشطين وحتى قتلهم. لقد وقفوا مكتوفي الايدي، بل ادار الجميع ظهورهم الى ما يحدث في البصرة. ان مشكلتهم ليس سكان البصرة ولا سلامتهم بل الصراع على السلطة وغير ذلك فليذهب الى جهنم وبئس المصير. اين مأساة سكان البصرة في دعوة مقتدى الصدر لتظاهرة مليونية التي فشل في تنظيمها تحت العنوان المتهرئ "محاربة الفساد"، وهو احد اعمدة الفساد. فقط لننظر الى وزراءه طوال ثلاث دورات حكومية وتنصيب جماعته في المفوضية المستلقة العليا للانتخابات وصراعه على واردات مطار النجف، يدرك المرء بسهولة الشعارات المظلة التي يطلقها الصدر بين الحين والاخر حول محاربته للفساد.

 

ماذا يعمل قاسم سليماني في العراق، وماذا يبحث ماكغورك في كردستان، اين هم من سكان البصرة، اين هم من تسمم المئات اذا لم نقل الاف من سكان البصرة بسبب تلوث المياه وفي بلد فيه نهرين ويقبع على اكبر ثروة وموارد طبيعية في العالم. البصرة التي تضخ ٩٠٪ من الاموال في الميزانية الحكومية الا ان سكانها يموتون بسبب تلوث المياه في القرن الواحد والعشرين.

 

من السخف والحماقة والغباء انتظار حكومة العبادي او مجلس محافظة البصرة ان يحركا ساكنا تجاه سكان البصرة، وكأنهما يريدان الانتقام من اهالي البصرة بسبب اشعالها فتيل احتجاجات عارمة ضد البطالة والفقر وغياب الخدمات في المدن الجنوبية، لذلك يجب التحرك على الصعيد العالمي والمحلي في آن واحد، ومن خلال التحرك يمكن ممارسة الضغوطات على حكومة العبادي للاهتمام الجدي تجاه سكان البصرة. فقبل كل شيء يجب إطلاق المبادرة او الحملة بعنوان لننقذ سكان البصرة، الحملة العالمية او المبادرة العالمية لإنقاذ سكان البصرة. على هذه الحملة او المبادرة تزويد منظمة الصحة العالمية بالتقارير الميدانية حول الاوضاع الكارثية الصحية والخدمية والطلب بزيارة البصرة فورا، ويجب البدء بتنظيم احتجاجات امام مقر هذه المنظمة لجر انتباه الراي العالم العالي ولدفعها بالتحرك بشكل سريع. وايضا تشكيل الوفود للقاء المنظمات غير الحكومية العالمية مثل "اطباء بلا حدود" لتقديم الخدمات الصحية بشكل سريع من قبلهم. وعلى هذه الحملة اصدار بيان بجميع اللغات لجر حكومات الدول نحو تقديم المساعدات الفورية لسكان البصرة، مثلما تقدم المساعدات اثناء الكوارث الطبيعية او الحرائق التي تصيب البلدان.

 

على الصعيد المحلي على القطاعات الحيوية في العراق التحرك واظهار مسؤوليتها تجاه ما يحدث لسكان البصرة. على عمال النفط والغاز والاقسام الانتاجية المهمة اتخاذ موقف واضح مثلما اظهر عمال موانئ البصرة هو التهديد بوقف الانتاج. فاذا مات نصف سكان البصرة بالكوليرا، فأن ارباح انتاج النفط والموانئ ستذهب الى جيوب الفاسدين الذين لم يحركوا ساكنا حتى في انقاذ ارواح من يدروا ارباحا في جيوبهم. والنقطة الاخرى تشكيل فرق من المتطوعين من جميع المدن وظيفتها تعبئة صف واسع من الاطباء والممرضين للمشاركة في علاج من يصابون بالأمراض في البصرة، وتنظيم حملات توعية ميدانية بين سكان المدينة في مناطق معيشتهم، وايضا تقوم هذه الفرق بجمع تبرعات مالية لشراء المياه النظيفة وتزويد سكان المناطق الفقيرة بها. ان التحرك نحو انقاذ سكان البصرة جزء من مسؤوليتنا وكل انسان حر ومختلف القوى التي تعتبر الانسان اثمن راسمال.

 

مقالات

سمير عادل

05/03/2018